يكاد يجمع خبراء النفس والاجتماع على أن التغيير يصنعه الفرد بإرادته كما تصنعه الدول والأمم بإرادتها. وإذا كان إحداث الفرد تغييرا إيجابيا في حياته من العادات السيئة إلى العادات الحسنة يتطلب إرادة ذاتية قوية دون إلغاء دور العوامل الموضوعية، فشأن الدول والأمم مع التغيير كشأن الأفراد، فما لم تملك إرادة حقيقية للتغيير من الأسوأ إلى الأحسن فسيزداد واقعها سوءا وأدواؤها تجذرا.

وهم الإصلاح

عوَّدتنا الأنظمة العربية المستبدة -والمغرب منها- طيلة عقود على إجراء إصلاحات -على هواها وشاكلتها- من حين لآخر، إما إرضاء لبعض الأطراف المنادية بها في الداخل، أو استجابة لدعوة الدول الغربية والمؤسسات المالية والاقتصادية والثقافية العالمية، وفي الغالب تنبع الإصلاحات إلى جانب الدافعين السالفين من رغبة ذاتية للأنظمة في تجديد هياكلها وتغيير نخبها وتشكيل وصياغة مفاهيم وشعارات مؤطرة لكل مرحلة، موظفة كل الوسائل من مال وإعلام ودعاية…، فهي تدرك أكثر من غيرها أنها إن لم تقم بذلك تحكم على حياتها بالجمود والموت، فتوهم الشعوب أنها أمام إصلاحات تَعِدُ بمستقبل أفضل في كل الميادين فتنتظرُ إصلاحَ أحوالها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية والعلمية… لكن سنة بعد سنة وعقدا بعد عقد يتضح لها أن الواقع لا يزداد إلا سوءا، فتشتدُّ المعاناة وتتوالى الأزمات والنكسات التي لا تنفع معها المُرَهِّمات ولا المُجَمِّلات المُحَسِّنات. والمغرب لا يَشُذُّ عن الأنظمة العربية في هذا.

إقرار بالفساد

ويُماطُ اللِّثام ويُكشفُ السِّتار وينطلق لسان الأحزاب المُغَرِّدِ زمانا بكون المغرب في مصاف الدول الديمقراطية المتقدمة ويعيش انتقالا ديمقراطيا قلَّ نظيره في الوطن العربي ودخل أوراشا كبرى من شأنها تحقيق التنمية البشرية قبل الاقتصادية و… فيعلنُ-أي ذلك اللسان- عن الفساد المستشري في كل المجالات بما فيها المجال السياسي. كشفتِ التقارير الرسمية والدولية بأرقام وإحصائيات ناطقة عن تقهقر المغرب وتراجعه في الترتيب العالمي، فهل كانت أعينُ مَدَّاحِي الأمس مُعلِني الفساد اليوم –باحتشام- في غطاء عن الواقع أم أنهم يعرفونه على حقيقته ويسكتون إلى أن يأتيهم الإذن بالكلام؟!

حنين إلى التغريد

من ألِفَ التغريد لا يدَعُه، فهاهي اليوم ألسنة الأحزاب والنقابات المؤيدة للدستور لا تخجل من نفسها، فتطلع في الإعلام الرسمي بوعود جديدة في “عهد جديد” لا كسابقيه، عهد “المملكة الثانية” و”الملكية الثانية” حسب تعبير البعض. قبل الاستفتاء ويومه ليلا ترددت على الألسن عبارات هذه المرة… ومغرب ما قبل فاتح يوليوز ليس كمغرب ما بعد فاتح يوليوز، سيقطع مع جميع أشكال الفساد: الامتيازات، محاسبة المفسدين… ألم تكن خطاباتهم أكثر حماسية من قبل؟ ألم يؤكدوا في كل مرحلة أنها طلاق لفساد سابقتها؟ ماذا تحقق مما وعَدُوا به الشعب؟. لو كان مجال الفعل واسعا أمامكم لصدَّقكم الشعب هذه المرة ولأعطاكم فرصة أخرى لكنه “فَاقْ وعَاقْ وما ثَاقْ”.

التعديل الدستوري: اختيار أم اضطرار

هذا التعديل الدستوري الذي أقدم عليه النظام السياسي المغربي وباركته الأحزاب والنقابات الموالية، هل كان اختيارا أم اضطرارا؟ هل يندرج ضمن الإصلاحات التي يُقْدِم عليها بين الفينة والأخرى أم أن الأمر غير ذلك؟ هذا بيت القصيد في المقال.

لا أُجانِبُ الصواب إن قلت بأن التعديل الدستوري كان اضطرارا، اضطرَّ النظام المغربي إليه للاعتبارات التالية:

– الاعتبار الأول: ما تعيشه بعض الأوطان العربية من ربيع يَقُضُّ مضاجع المستبدين ويُؤْذِنُ بنهاية الاستبداد، وما حققته حركة 20 فبراير في المغرب من زخم نضالي وسند شعبي عبر أشكال احتجاجية سلمية حضارية في أرجاء الوطن، إلى جانب الاحتجاجات القطاعية. الوعي الشعبي الذي حققته الحركة في ظرف وجيز -أربعة أشهر- عجزت الأحزاب عن تحقيقه منذ الاستقلال إلى الآن، إنه مكسب عظيم لا يُقَدَّر بثمن يُسْقِطُ مقولة أَلاَّ فِعْلَ سياسي مُؤَثِّر بدون المشاركة الانتخابية. جاء التعديل الدستوري للالتفاف على مطالب الحركة المتعددة بما فيها دستور شعبي ديمقراطي وتمويهها ظنَّا منه أن الشعب لم يصل إلى درجة الوعي التي تجعله يرفض الدستور.

– الاعتبار الثاني: إرضاء القوى الخارجية المتشابكة مصالحها مع المغرب، وربما بعد استشارة مسبقة فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة [المائدة: 52].

– الاعتبار الثالث: يُشَكِّلُ التعديل الدستوري فرصة لتجديد الحياة في أوصال النظام ولإنعاش الأحزاب، فطيلة الأشهر الأربعة علا صوت مئات الآلاف من مختلف شرائح الشعب في إطار مسيرات ووقفات حركة 20 فبراير، والأحزاب لم يتسنى لها التواصل معه إلا عن طريق بعض التصريحات في الإعلام الرسمي، فكان لِزاما على النظام التفكير فيما يفتح لها المجال للتواصل مع الشعب عبر مهرجانات خطابية ومحاضرات… فلم يجد غيرَ التعديل الدستوري الذي يتيح لها القيام بحملات الدعوة إلى التصويت بنعم في الاستفتاء.

على كل حال، فالتعديل الدستوري وإن كان اضطرارا فهو لا يعدو أن يكون “اختيارا” نهجه النظام في هذه المرحلة، لكن هذا الاختيار لم يُقَابَلْ كسابِقِيه “بالإجماع” و”التأييد المطلق”، بل عرف رفضا غير مسبوق في تاريخ المغرب السياسي. لذلك يمكن القول بأن هناك تدافعا سياسيا ميدانيا بالأساس بين اختيارات ثلاث:

– اختيار النظام: هو اختيار منسجم مع طبيعته الاستبدادية، محافظ على نفوذه السياسي ومصالحه الاقتصادية، يُعَبِّر عن إرادته في الاستمرار في التحكم في المشهد السياسي.

– اختيار الأحزاب الموالية: أقل ما يمكن أن يُقال عن هذا الاختيار أنه يعبر عن إرادة تابعة لإرادة النظام منفعلة بها غير فاعلة، إرادة تُكَرِّسُ الاختيارات السابقة المُصْطَفَّةِ إلى جانبه بدَلَ الاصطفاف إلى جانب الشعب.

– اختيار حركة 20 فبراير -بمكوناتها الداعمة لها- التي تقود شريحة كبيرة من الشعب نحو تحقيق المطالب التي سطَّرتها منذ بدايتها وتُنَاِزعُ النظام والأحزاب حول قِيادته وزعامته، واختيار سائر القطاعات المحتجة، إنه اختيار يعبر عن إرادة ذاتية مُسترجَعة ومُنتزَعة بعد أن كانت لمدة طويلة مُستلبة ممنوعة مُنَوَّمَة، إرادة تلَقَّت تكوينا عاليا في الوعي السياسي من مدرسة الواقع المتردي ومن مدرسة الميدان -الساحات والشوارع- التي علَّمت المطالبة بالمطالب دون وسيط وربَّت على الصمود والشجاعة والاستبسالِ في وجه الفساد والاستبداد.

تُعْلِن إرادة النظام أنها كسبت إجماعا شعبيا جديدا في الاستفتاء الدستوري لفاتح يوليوز 2011، وتعلن إرادة الأحزاب أنها عازمة على “استكمال” بناء المغرب الجديد وتفعيل الدستور، وتعلن إرادة حركة 20 فبراير أنها ماضية في احتجاجاتها. فماذا يسفر تدافع هذه الإرادات أو قُل إرادة النظام وإرادة حركة 20 فبراير؟ كيف سيتعامل النظام مع احتجاجاتها؟ هل سيُكرِّس الخيار الأمني أم سَيُعَجِّل الاستجابة لمطالبها في أرض الواقع؟ هل سيُقابل الرشدَ الاحتجاجي لحركة 20 فبراير رشدٌ سياسي من النظام؟ هذا ما تكشفه الأيام المقبلة.