في كتاب “حدائق الملك” تطرقت فاطمة أوفقير إلى فترة مهمة من تاريخ المغرب المعاصر، وسردت قصة حياة أسرتها، أسرة البرامكة الجدد بعد أن حلت بهم لعنة القصر على إثر المحاولة الفاشلة لاغتيال الحسن الثاني من طرف محمد أوفقير. تقول الكاتبة: ” استولى أوفقير على كل شيء إلى حدود تنظيم انتخابات واستفتاءات، طبعا كانت دائما مزورة، ولكن مصلحة الدولة هي العليا، ويجب الخضوع لها، وعشية كل اقتراع كنت أسأله ساخرة:كم ستكون النسبة غدا يا أوفقير؟

فيضحك ويجيبني بصراحة: أنت تعرفينها جيدا 99.99%، هذا الأمر لا يحتاج إلى نقاش.

حتى هو نفسه كان يسخر من هذه المصادرة لحق رعايا جلالته في التعبير عن رأيهم، ولكنه كان يلوم الأحزاب على لعبها اللعبة السياسية بكثير من المسايرة والتواطؤ، فحينما يحتاج الملك إليها، تستجيب له، وعند أول نزوة يركلها بقدمه فتهجره، وحينما يستدعيها مرة أخرى تهرع إليه من جديد “ص 103-104”

قد نختلف مع فاطمة أوفقير في جوانب كثيرة مما ورد في كتابها، ونتفق معها في جوانب أخرى، وهذه من الفقرات التي لا خلاف حولها، لأنها حقائق لا تحتاج إلى دليل بعد أن تم إدانة هذه الفترة حتى من السلطات العليا للبلاد.

نقف على ثلاث حقائق أساسية أوصلت البلاد إلى الباب المسدود:

• التزوير المستمر للانتخابات والاستفتاءات.

• المصادرة المستمرة لحرية التعبير والاختيار الحر للمواطنين.

• الأحزاب والأدوار المشبوهة التي تقوم بها في عملية تزوير الوقائع والحقائق مساهمة منها في تدجين المواطنين.

قد عرف المغرب خلال الخمسين سنة الأخيرة 26عملية انتخابية، منها تسع استفتاءات، كلها موصومة بالتزوير، وتعرضت جميعها لانتقادات شديدة من طرف غالبية الأحزاب المشكلة للمعارضة آنذاك، وهذا ما لم يحدث مع استفتاء فاتح يوليوز 2011، حيث صرحت هذه الأحزاب أن ما جاء به الملك قد تجاوز سقف مطالبها، وأنها لم تحلم أبدا بهذه الهبة الملكية التي تفضل بها جلالته وتكرم بها على رعيته، فالواجب يقتضي شكر السيد المنعم على هذا العطاء، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله، لذا كانت سباقة لإعلان الرضى والدعم الكامل لما سيختاره الملك قبل معرفتها بطبيعة وجوهر هذه التغييرات التي سيتطرق إليها تعديل الدستور.

رغم ما رافق هذا الاستفتاء قبل انطلاقه وما صاحبه من خروقات أثناء العملية، من اعتماد لوائح مطعون فيها، وتدخل للسلطات العليا بشكل مباشر في حسم اختيار المواطنين، واستعمال المال الحرام في استغلال بشع لفقر رعايا ملك الفقراء، والوصول إلى نتائج مزورة، تجعل هذا الاستفتاء فاقدا للشرعية القانونية وفاسدا ولا يعبر عن الإرادة الحقيقية للشعب المغربي، ولا يؤدي إلا إلى المزيد من الاحتقان والانحباس .

أمام كل هذا التلاعب لاذت الأحزاب بالصمت، بل تحدثت عن الإنجاز التاريخي في هذا اليوم المشهود. وهكذا أثبتت أنها الخادم الأوفى للاستبداد، فبدل الوقوف جانب الشعب والاصطفاف معه، مارست عليه أكبر عملية تزوير في تاريخه، وباعت قضاياه المصيرية بأبخس الأثمان، بل باعت الشعب مقابل منافع شخصية وامتيازات من النظام في عملية تبادلية مشبوهة. ولم تعد مثل هذه المواقف تشكل لديها أدنى حرج، فللحرج معها تاريخ طويل، وهي اليوم بكل تأكيد أمام مرآة، وأمام انكشاف اللعبة التاريخية في واحدة من أفظع صورها.

هل يعقل أن المخزن الذي اعتاد طيلة حكمه على التزوير ألا يفعلها هذه المرة، وخاصة بعد أن قال الملك نعم، وطلب من الأحزاب أن تعبئ المواطنين من أجل أن يصوتوا بنعم، دون أن ننسى بأن كلام الملك لا يرد ولا يعترض عليه، وهدا يدخل طبعا في واجبات احترام الملك الذي ينص عليه الدستور الممنوح؟

كانت النتائج أكثر مما ظنه الظانون، بل بدون شك، قد فاجأت الجميع من شدة استهتار صناعها بالرأي العام، وهل كان لنا في يوم من الأيام اعتبار للرأي العام حتى نحسب له حساب، فنخشى من الوقوع في الخطأ الذي قد يعصف بأصحاب القرار؟

هل هناك أحد يحترم عقله فيزعم أن النسبة كادت أن تتجاوز المائة في المائة رغم غياب أي ازدحام أمام مكاتب التصويت، ورغم بقاء تلك الصناديق الشفافة والطويلة شبه فارغة، وفي تعقيب للسيدة ليز سبتروم المحاضرة بجامعة اكستر عن هذه النسبة قالت: “تصويت كبير بنعم، بنسبة إقبال ضعيفة أو بطاقات اقتراع باطلة ليس نتيجة عظيمة.”

كان أوفقير في العهد البائد يعلن أن النسبة هي 99.99%، وهي النسبة التي صاحبتنا خلال فترات طويلة من تاريخ الانتخابات والاستفتاءات، وبعد أن تدنت النسبة إلى أقل من37% ، ها هي الآن تعود بكل قوة إلى الميدان، دون أن يكلف المخزن نفسه عناء طرح سؤال بدهي، مادا قدم لهذا الشعب المقهور حتى يعود بهده القوة الخارقة لممارسة ذاك الحق الطبيعي المهجور بعد أن تأكد بأن هذه اللعبة في ظروفها الحالية لا تصلح إلا للاستحمار.

إن نتائج هذا الاستفتاء إنما هو إعلان عن مصادرة الوطن بهذه النسبة، وإعلان عن مصادرة حقنا في الحلم بغد أفضل، اختطفوا الوطن كل هذه العقود، واستأثروا بحاضره ومستقبله، وها هم اليوم يعلنون عن النسبة التي بلغتها هذه المصادرة.

كان بالإمكان اقتناص فرصة التغيير وعدم تضييعها، وذلك بالسير قدما نحو التغيير، لو توفرت فعلا الإرادة الحقيقية للإصلاح والتغيير، وذلك بالاستجابة للشعب حينما نزل في جل شوارع المدن المغربية مطالبا بالإشراك الحقيقي في تقرير مصيره، فبالمشاركة الفعلية والمساءلة يتحقق الحضور الحقيقي للمجتمع، وبغيرهما يتم إقصاؤه ويصبح الوطن نهبا للذين استولوا على السلطة واحتكروا الثروة.