الزمن المخزني

هلل المهللون الراكبون قطار المخزن أن 9 مارس يوم تاريخي جسد “الاستثناء المغربي”، حيث تجاوب النظام مع نبض الشارع بُعيد ثمانية عشر يوما فقط ـ وهي المدة التي أغرقت فيها الثورة المصرية نظام فرعون مصر الحديث ـ فجاءت الدعوة لتعديل الدستور الذي بإقراره يوم فاتح يوليوز سيدخل المغرب نادي الكبار، وسيصنف بموجبه ضمن الدول الراقية ديمقراطيا، ولولا العائق الجغرافي لاستحق مغربنا أن يكون واسطة عقد البلدان الأوروبية، ولا فخر.

وبين 9 مارس وفاتح يوليوز وظف النظام كل إمكانياته لحشد الإجماع لأطروحته والتشكيك في مصداقية المطالبين بالتغيير الجذري ممثلا في حركة 20 فبراير والهيئات الداعمة لها. ومع مرور الوقت واستمرار الحراك الشعبي واطراد زخمه استنفذ النظام كل أوراقه: تجييش إعلامي، تعنيف للمتظاهرين، توظيف للبلطجة و”الشمكرة”، تسخير خطب الجمعة، إنزال مريدي زواية الدولة والجمعيات الوهمية، تحكم في عمليات التصويت وفبركة اللوائح والمحاضر لفرض إجماع زائف حول المدخل الذي اقترحه النظام للإصلاح. إجماع زائف وتزوير لإرادة الشعب توسلت السلطة لفرضه بنسب بصروية ـ نسبة لوزير الداخلية السابق إدريس البصري ـ مع اضطرارها للتنازل على حوالي 01,40% لتجسيد هامش الحرية الذي حققته ـ ربما ـ عشرية “العهد الجديد”.

وكما اختار النظام توقيت انطلاق مبادرته “الإصلاحية”، اختار توقيت نهايتها، ليلعب بذلك كل أوراقه، وغدا يراهن على نتيجة الاستفتاء يعلم يقينا حقائق أرقامه وخباياه. تُرى كيف سيتصرف المخزن العضو الوافد على نادي الكبار “المُبشر” بدستور جديد يكفل الحريات والحقوق، وعلى رأسها حق التظاهر؟

الزمني الشعبي

وعلى عكس النظام، اختارت حركة 20 فبراير الانخراط في زمن الربيع العربي، منه تستمد الزخم وتشحذ العزم وتبلور المطالب. زمن ممتد في عمق تجارب الثورات العربية، منها ما أكمل المشوار ودخل في تدابير ترتيب البيت بعد كنس ما خلفه الاستبداد من دمار مادي ومعنوي، ومنها ما يُدبِّرُ مراحل المخاض الأخيرة التي ستكسر معاناتها صرخة الولادة.

حراك قاوم كل أنواع التشويش والاستئصال، وأحدث في المجتمع اصطفافا ضروريا في هكذا مراحل، فأُعـِلنت المواقف وتبين المطالبون بالتغيير الجذري: حياة كريمة وعدالة الاجتماعية وتداول على السلطة وفق مبدإ المحاسبة والمساءلة، وتبين المنخرطون في تسويق أوهام الإصلاح الفاقدون لزمام المبادرة المنتهية صلاحيتهم السياسية.

اكتسب الحراك الشعبي في الجولة الأولى شرعية الوجود، وخبَر قواعد النزال، ووطد الأواصر الفرقاء وأسس للثقة، ووسع دائرة المتجاوبين مع مطالبه، وساعد على تكسير حاجز خوف المترددين التاريخي من بطش المخزن وأعوانه، وصار أكثر إصرارا من ذي قبل على شق طريق من سبقه من الشعوب ليعانق الحرية والكرامة.

الهدف الذهبي

بعد الاستفتاء ـ أي يوم السبت 2 يوليوز ـ يدخل المغرب بدستوره الجديد نادي الكبار على تعبير كاتب عام حزب الجرار، وبعده بيوم ـ أي الأحد 3 يوليوزـ تنطلق الجولة الثانية من الحراك الشعبي بقواعد لعب جديدة وميزان قوى تختلف عما كانت عليه قبل الاستفتاء. جولة لا يُسمح فيها بالخطإ من الطرفين، والنزال سيحسم من خلال جزئيات الأمور. تُرى من سيكون أكثر ضبطا للنفس انتظارا لهفوة المنافس، ويتمكن من استثمار فرصته الوحيدة وتسجيل الهدف الذهبي!؟