بسم الله الرحمن الرحيم

العدل والإحسان ـــ
الدائرة السياسية

تقرير رصدي لاستفتاء 1 يوليوز 2011

جرى الاستفتاء، هذه المرة، على مشروع الدستور في جو من الاحتقان والتوتر يطبعه إصرار مخزني مثير للدهشة على الاستفراد بصياغة الوثيقة الدستورية التي تشكل القانون الأسمى وأساس التعاقد بين مكونات المجتمع، ويطبعه، كذلك، رفض واسع للجنة المعينة من قبل الملك لصياغة هذا المشروع، ومقاطعة كبيرة للاستفتاء حوله بسبب انعدام أدنى شروط النزاهة، وبسبب عدم استجابة مضامينه لأبسط انتظارات الشعب ومطالب القوى التي خرجت إلى الشارع طيلة أربعة أشهر بكل المناطق مطالبة، مع مطالب أخرى، بدستور ديمقراطي تصوغه جمعية تأسيسية منتخبة ويعرض على استفتاء نزيه، ليقول فيه الشعب، صاحب السيادة، كلمته الفصل.

كما لوحظ خلال هذه الفترة حرص مخزني كبير على تحريف النقاش العمومي عن سكته، واختزاله في إصلاحات دستورية شكلية بدون مرافقتها بتغييرات جوهرية ترفع حالة الاحتقان، وتقطع مع المظالم والانتهاكات، وتنصف المتضررين منها، وتحقق انفراجا حقيقيا في المشهد السياسي المتحكم فيه، وتقضي على مظاهر الفساد المستشرية، وتحاسب المفسدين… وهذه كلها إجراءات ضرورية لتأهيل البلاد لتصبح قابلة لتطبيق وثيقة دستورية يتم إقرارها بالشكل المتعارف عليه في الديمقراطيات الناجحة.

سيظل يوم فاتح يوليوز 2011 عالقا في أذهان المغاربة بسبب السلوكات المشينة والخروقات الفاضحة التي كشفت حقيقة الإرادة الحاكمة والمحركة لهذه “المهزلة”. لقد كان هذا اليوم دليلا آخر على حنين رجالات “العهد الجديد” إلى التزوير والتلاعب بإرادة المغاربة والاستهانة بذكائهم. وكشف هذا اليوم اشتياق هؤلاء إلى النسب القريبة من المائة في المائة التي طبعت كل الاستفتاءات السابقة بدءا باستفتاء 1962 الذي تم إقراره بنسبة 97,05 في المائة، ومرورا باستفتاء 1970 الذي تم إقراره بنسبة 98,70 في المائة، واستفتاء 1972 الذي تم إقراره بنسبة 98,75 في المائة، واستفتاء 1992 الذي تم إقراره بنسبة 99,98 في المائة، واستفتاء 1996 الذي تم إقراره بنسبة 99,56 في المائة. وهاهو التاريخ يعيد نفسه في استفتاء 2011 بنسبة “نعم” وصلت إلى 98,50 في المائة، وهذه وحدها كافية لكشف المنهجية القديمة والعقلية المخزنية التواقة إلى تنميط المجتمع لتحقيق إجماع وهمي بطرق قديمة ومفضوحة.

إن استفتاء فاتح يوليوز كان مهزلة بكل المقاييس، وهذا ما يتضح من خلال:

أولا: الجهة المشرفة وانعدام ضمانات الرقابة

1- إن أهم ما يميز الاستفتاءات في بلادنا هو انفراد وزارة الداخلية بالإشراف عليها، رغم سمعتها السيئة في صناعة الخرائط الانتخابية والتلاعب بإرادة الناخبين، واحتكارها لكل المعلومات والأرقام المرتبطة بذلك، علما أنها جهة تفتقد إلى الاستقلالية والحياد المطلوبين في الإشراف على الانتخابات، ولعل التاريخ الطويل لهذه الوزارة في التزوير والضبط والتحكم أكبر دليل على ذلك؛

2- ومما فاقم حدة التزوير غياب الملاحظة الحزبية في مكاتب التصويت، وصمت الأحزاب عن هذه الثغرة رغم أن جلها لا تخفي عدم ثقتها في وزارة الداخلية؛

3- وحتى ملاحظة التصويت من قبل هيئات أخرى كانت انتقائية وموجهة وغير متناسبة مع عدد مكاتب التصويت الذي بلغ 39969 إضافة إلى 520 مكتبا خارج المغرب، حيث اقتصرت الملاحظة على 10 مناطق فقط هي: الدار البيضاء والرباط والعيون وأكادير وآسفي والداخلة وطنجة وبوجدور وبوعرفة والسمارة، ولم يتجاوز عدد الملاحظين 232 ملاحظا، منهم 48 ملاحظا تابعا للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي يفتقر إلى الاستقلالية والحياد المطلوبين في ملاحظة الاقتراع، تم تشتيتهم على 36 عمالة وإقليما، ولم يتجاوز مجموع المكاتب التي لاحظوا سير الاقتراع بها 493 مكتبا (أي أن نسبة الملاحظة لم تتعد 1,23 في المائة)، وهي عينة غير معبرة عن السير العام لعملية الاقتراع وغير قادرة على إعطاء صورة متكاملة عن الواقع الذي لمسه كل من أتيحت له فرصة الاقتراب من مكاتب التصويت؛

4- وحتى عدد الصحفيين كان قليلا مع تمركزهم في مدينة الرباط. ولا بد من الإشادة مرة أخرى بالشباب المتطوع الذي استطاع بإمكانيات متواضعة فضح مظاهر التزوير والإنزال وإغراق الصناديق ببطائق “نعم”؛

5- والقضاء الدستوري الذي يفترض فيه تصحيح هذه الاختلالات غائب وميؤوس من قدرته على تدارك هذه المهازل، بالإضافة إلى أنه مصنوع على مقاس السلطة بسبب منطق التعيينات على أساس الولاء وعدم استقلاليته عن مراكز صناعة القرار؛

6- ومن الملاحظات أيضا استعمال فج للمال العمومي دون الإعلان عن الكلفة المالية الحقيقية للاستفتاء الذي صرفت ميزانيته من المال العمومي.

وبهذا فقد كانت النتيجة منتظرة لأن كل ضمانات النزاهة والملاحظة والمراقبة والتصحيح كانت غائبة.

ثانيا: لعبة الأرقام المفضوحة

7- أول ما يجب إثارة الانتباه إليه هو اختزال الكتلة الناخبة في عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية وليس على قاعدة الإحصاء العام للسكنى. فحسب آخر إحصاء، تم سنة 2004، يبلغ عدد المغاربة الذين تجاوز سنهم 18 سنة 18.527.363 فردا، وعدد المغاربة الذين تراوح سنهم بين 15 و19 سنة (أي أن عمرهم سيتجاوز 22 سنة، سنة 2011) يصل إلى 3.148.590 فردا، وعدد المغاربة الذين تراوح سنهم بين 10 و15 سنة (أي أن عمرهم سيتجاوز 17 سنة 2011) يصل إلى 3 281 000 فردا. ولذلك فمجموع البالغين سن التصويت سنة 2011 هو 24.956.953 فردا، وقد ينقص هذا الرقم قليلا إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة الوفيات التي تبلغ حسب نفس مصدر الإحصاء العام 4.74 في الألف، ولكنها ستبقى بعيدة جدا عن الرقم الذي تعلنه وزارة الداخلية كقاعدة بشرية للكتلة الناخبة.

8- عدد المسجلين في قوائم وزارة الداخلية لم يتجاوز 13.451.404 فردا، أي أن أكثر من عشرة ملايين ناخب قاطعوا هذا المسلسل الانتخابي قبل بدايته، وكم هو مؤسف أن لا تكلف الوزارة نفسها عناء البحث في أسباب هذا الإعراض.

9- لم يتعد عدد المصوتين حسب وزارة الداخلية: 9881922 فردا، أي أن نسبة المشاركين لم تتجاوز 37 في المائة من مجموع الكتلة الناخبة الحقيقية، وليس 46،73 في المائة التي احتسبتها وزارة الداخلية على قاعدة المسجلين في اللوائح فقط. وهذه هي الحقيقة التي يتهرب من الاعتراف بها مدبرو هذا الاستفتاء الذين رفضوا الاستماع إلى صوت الشعب.

إن الأرقام الحقيقية موجودة في مطبخ الداخلية، والرسالة وصلت إلى كل من يهمه الأمر وما عليه إلا قراءتها واستخلاص الدروس اللازمة منها.

ثالثا: خروقات بالجملة طيلة كل المراحل

لقد تميز هذا الاستفتاء بخروقات كثيرة وتجاوزات عمت كل المراحل، سواء أثناء الحملة أو يوم الاقتراع أو لحظة إعلان النتائج.

خروقات الحملة الاستفتائية:

10- عدم صدور مرسوم ينظم تاريخ الاستفتاء ومدة الحملة وتوقيت بدايتها ونهايتها؛

11- تم تخصيص عشرة أيام للحملة الانتخابية فقط، وهي فترة غير كافية لمناقشة وثيقة يفترض أن تكون لها أهمية خاصة لأنها أساس التعاقد؛

12- إجراء الحملة في جو مشحون يكرس عدم الثقة، حيث تم الإبقاء على المعتقلين السياسيين داخل السجون، من بينهم معتقلو 20 فبراير، كما تم استمرار اعتقال رشيد نيني مدير جريدة المساء، وصدور حكم قاس على مصطفى العلوي مدير جريدة الأسبوع الصحافي؛

13- دعوة الملك في خطاب 17 يونيو 2011 إلى التصويت بنعم على مشروع الدستور قبل بداية الحملة، وهو ما يعد خرقا للقانون، ولو كنا أمام قضاء نزيه لكان هذا الخرق وحده كافيا لبطلان عملية الاستفتاء من أساسه؛

14- التضييق على دعاة الرأي الآخر في المسيرات التي اعترضها مواطنون مسخرون ومدعومون من قبل السلطات المحلية؛

15- عدم حياد الإدارة بوضعها إمكانات الدولة (سيارات، أعلام، لافتات، صور، أموال، قاعات…) في خدمة مؤيدي مشروع الدستور؛

16- اعتماد معيار التمثيل البرلماني لتوزيع الحصص في الإعلام العمومي علما أن البرلمان القائم مفتقد إلى الشرعية ولا يعكس تمثيلية حقيقية. إنه برلمان أفرزته انتخابات أقلية لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 37 في المائة- حسب الإحصاءات الرسمية- من المسجلين في اللوائح المغشوشة؛

17- إقصاء جزء من المقاطعين وحرمانهم من الحق في التواصل مع الشعب من خلال الإعلام العمومي الذي يمول من أموال الشعب؛

18- إقحام المساجد بالعمل على توحيد خطبة الجمعة وفرضها على الخطباء وربط المشاركة في الاستفتاء بالواجب الديني، والتسويق للرأي الداعم باعتباره الموقف المطلوب شرعا، وتوقيف خطباء رفضوا الإذعان لتعليمات وزارة الأوقاف بهذا الصدد؛

19- التحامل المبالغ فيه على المقاطعين واتهامهم بالخيانة والعدمية..؛

20- إغراق الشوارع والأزقة بالعديد من الملصقات واللافتات الداعمة لمشروع الدستور والتي لا يعرف مصدرها؛

21- تعميم نشر ملحق يحمل عنوان “مشروع الدستور الجديد، التحول الديمقراطي الكبير للمغرب” بكل الجرائد المستقلة وغير المستقلة، دون أن يحمل اسم أو توقيع أي جهة؛

22- تسخير أعيان السلطة وبعض المستشارين الجماعيين والمستفيدين من “الكريمات” والتسهيلات المخالفة للقانون “واجهات المقاهي، رخص البناء، معامل في أماكن السكن…” لحشد المواطنين لحضور التظاهرات المضادة لحركة 20 فبراير والداعمة لمشروع الدستور، وإغرائهم بالمال والوعود. وهو ما يؤكد أن المستفيدين من اقتصاد الريع والفساد ليسوا إلا خزانا احتياطيا للمخزن يوظفه عند الاقتضاء؛

23- إقبال ضعيف على سحب بطائق الناخب، مما اضطر أعوان السلطة إلى توزيعها بشكل عشوائي على الناخبين بمحل إقامتهم في غياب أي مراقبة، وقد شكل هذا مدخلا للتلاعب بالبطائق يوم الاستفتاء

خروقات يوم التصويت:

24- استمرار الحملة، خاصة من قبل مؤيدي مشروع الدستور، في يوم التصويت؛

25- استعمال أعوان السلطة للمال ووسائل أخرى للتهديد والإغراء من أجل دفع الناس للتصويت بنعم على مشروع الدستور؛

26- استعمال وسائل النقل العمومية والخاصة، من قبل عدد من أعوان السلطة ومن المنتخبين والمستفيدين من اقتصاد الريع، لحشد الناس جماعات ونقلهم إلى مكاتب التصويت؛

27- إجراء الاستفتاء على أساس لوائح مغشوشة وغير سليمة يطعن الكل في سلامتها من الشوائب؛

28- مفاجأة الكثير من الناخبين بعدم تسجيلهم في اللوائح الانتخابية؛

29- التلاعب بالبطائق الانتخابية من قبل بعض أعوان السلطة؛

30- تهديد المواطنين في بعض المناطق بوجود “كاميرات” خفية لتصويرهم؛

31- إرغام كل القوات العمومية على التصويت بنعم ولو في غيابهم؛

32- تساهل كبير في التثبت من الهوية؛

33- السماح بالتصويت بالنيابة عن ناخبين متغيبين؛

34- عدم اشتراط توقيع الناخبين أمام أسمائهم في جدول الناخبين؛

35- غياب المداد غير القابل للمحو في بعض مكاتب التصويت؛

36- عدم اشتراط وضع علامة في جدول الناخبين من قبل رؤساء مكاتب التصويت؛

37- انتقاء رؤساء مكاتب التصويت بناء على معيار الولاء للسلطة و ليس بناء على معيار الحياد والكفاءة والنزاهة؛

38- خرق سرية التصويت بوجود معازل دون ستار في بعض مراكز التصويت؛

39- السماح بالتصويت خارج الوقت المحدد للاستفتاء؛

40- انتهاك حرمة مكاتب التصويت بالدخول المستمر إليها من قبل بعض أعوان السلطة والمنتخبين؛

41- عدم توقيع المحاضر وعدم وضعها في أظرفة مشمعة؛

42- تهديد بعض سكان الصحراء بسحب امتياز التموين في حالة الامتناع عن التصويت؛

43- إغراق صناديق الاقتراع ببطائق نعم؛

44- اختيار يوم الجمعة لإضفاء “صبغة دينية” على الاستفتاء، وفي نفس الوقت الوقوع في نوع من التناقض الكامن في حرمان حوالي 200 ألف مواطن مشرفين على مكاتب التصويت من أداء صلاة الجمعة، وكان بالإمكان إغلاق مكاتب التصويت عند وقت الصلاة أو اختيار يوم آخر.

خروقات الإعلان عن النتائج:

45- ارتباك في الإعلان عن النتائج، يتجلى في تزايد غير منطقي لنسبة المشاركة مقارنة مع الوقت وحجم الإقبال؛

46- احتساب النسبة من عدد المسجلين وليس من الكتلة الناخبة لرفع نسبة المشاركة؛

47- استعمال تقنية الإعلان الجزئي عن النتائج لجس نبض الرأي العام ومدى تقبله لها؛

48- عدم التطابق بين العدد المعلن عنه للمشاركين وبين الإقبال الضعيف على أغلب مكاتب التصويت، حيث إن الإعلام العمومي نفسه لم يستطع نقل صور الاكتظاظ.

وختاما:

يتضح مما سبق أن ما شهده المغرب يوم فاتح يوليوز لا علاقة له بالاستفتاء، ولكنه مسرحية سيئة السيناريو والإخراج والتمثيل، ومفتقدة للتشويق، ولا يمكن أن تنطلي على المغاربة الذين باتوا أكثر وعيا بأساليب المخزن العتيقة والمفضوحة.

لذلك، نؤكد بأن المخزن أخطأ مرة أخرى الموعد مع التغيير، وأصر على الاستمرارية القاتلة والاستفراد وصم الآذان وعدم التجاوب مع المطالب المشروعة للشعب.

عن فريق الرصد والتتبع المنبثق عن المجلس القطري
المنعقد في دورته الاستثنائية يوم 20 رجب 1432، الموافق 23 يونيو 2011
الأحد فاتح شعبان 1432، الموافق 3 يوليوز 2011