بسم الله الرحمن الرحيم

جماعة العدل والإحسان ـــ
الأمانة العامة للدائرة السياسية

بيـــــان

فاتح يوليوز 2011، إنه صفحة أخرى مشرقة سيكتبها تاريخ المغرب السياسي الحديث في سجل النضال الشريف للشعب المغربي ضد الاستبداد والفساد وحكم يأبى الرجوع إلى جادة الحكم الرشيد ويواصل طريقه في المقامرة بهذا البلد والمغامرة بأهله.

ستضاف التعديلات الدستورية الأخيرة إلى نظيراتها السابقة سنوات 1970 و1972 و1992 و1996… ويواصل المسؤولون النهل من نفس المعين المخزني: نظام يمنح ويتكرم، ويعين لجنة فوقية، ويحدد الثوابت والزمن، ويوجه الشعب، ويفرض طقوسا خادمة لمشروعه، ويقمع الأصوات المعارضة، لينهي المسار بتزوير شنيع للإرادة الحقيقية للشعب المغربي.

لنبتعد عن الضوضاء الرسمية وبهرجة “العرس الدستوري”، ودعونا نعيد قراءة المشهد السياسي بهدوء وتأنّ:

– طيلة 4 أشهر مضت صنعت فئات واسعة من الشعب المغربي الأبي ربيعا ديمقراطيا خاصا، فنزلت حركة 20 فبراير وقواها الداعمة ومئات آلاف المواطنين إلى الشارع بكل مسؤولية والتزام، ورفعت مطالب مشروعة بكل وعي وجدية، وفرضت فتح ورش الإصلاح الدستوري الذي ظل مغلقا رغم مرور 11 سنة على انطلاق أكذوبة “العهد الجديد”، وحرّكت الواقع السياسي بدينامية لم تتحقق منذ عقود.

– واكب هذا المسار التغييري المركزي احتجاجات واسعة في البلد كادت تشمل معظم القطاعات والفئات، كما أنها عمت جل مناطق المغرب، وأخرجت كثيرا منها من دائرة النسيان والتهميش المطلق.

– وبالمقابل تفاعل السلطات المغربية لم يخرج عن المنطق القديم الذي يعد السبب الرئيس في الأزمة، فكان التوجه الرسمي هو تدبير الأزمة لا حلها، وتمطيطها في الزمن عوض المعالجة الحقيقية لها، فمطالب فصل الثروة عن السلطة والتوزيع العادل للثروات ومحاسبة المفسدين وتمكين الشعب المغربي من العيش الكريم… تم تجاهلها بالكامل، بل وقع الانتكاس مجددا برجوع النظام إلى العهود البائدة وبشكل أكثر تطرفا (قمع احتجاجات 20 فبراير مما خلف شهداء ومعتقلين ومصابين، توظيف المال والبلطجة في حملة التصويت على الدستور، توظيف فج للدين والمساجد وفرض الرأي الأوحد على المواطنين….).

– ضمن هذا السياق خرجت الطبخة الدستورية في صيغة تعديلات شكلية في مجملها، ولم تمس جوهر البنية الاستبدادية للنظام، وخطوة تنفيسية لإسكات صوت الشارع المنتفض، وكان التحضير لدستور 2011 من ألفه إلى يائه (خطاب المنح، واشتغال اللجنة الملكية، والحملة المهزلة، والنتائج المزورة، والطريقة المهينة في الاستماع للأحزاب….) مسرحية سيئة السيناريو والإخراج والتمثيل.

– ولأنها كذلك فقد واجهها غالبية الشعب المغربي في موقف تاريخي، يناسب طبيعة المرحلة التاريخية وحساسية اللحظة الراهنة، فكانت المقاطعة الواسعة للاستفتاء المزعوم (حوالي 63 في المائة قاطعوا التصويت، إذا صدقنا أرقام وزارة الداخلية واعتمدنا آخر إحصاء للسكان الصادر عن مديرية الإحصاء سنة 2004.

– الرقم الحقيقي الصادم الهزيل لنتيجة الاستفتاء يعرفه النظام والأحزاب وكل المتتبعين، ونتمنى أن يتأمله المتعقلون بعيدا عن مزايدات الأضواء فهي لا تغني من الحقيقة الواقعية شيئا، وأن يستخلصوا منه الدروس لتدارك ما يمكن تداركه عوض الإصرار على التعنت والمكابرة التي لن تزيد الوضع إلا تأزيما.

– هذا رغم ما سجلناه وعاينه كثير من المراقبين والصحفيين من حديث عن استعمال أبشع وسائل التزوير والضغط والإكراه، وما عشرات اللقطات المرئية التي التقطتها كاميرات المواطنين الفاضحة للخروقات السافرة لنزاهة الاقتراع إلا دليل على ما نقول رغم المنع الواسع للصحفيين والمتابعين وعموم المواطنين من التوثيق.

– إن مجاراة وموافقة جل الأحزاب المغربية للنظام الحاكم على هذه الخروقات وعدم فضحها يحملها مسؤولية تاريخية أمام مستقبل الوطن وأبنائه وأمام قواعدها ومبادئها المفروض أن تدفعها إلى الانحياز إلى الشعب لا إلى المفسدين والمستبدين.

– إن الوضع الآن ما يزال يراوح مكانه لأن شيئا مهما لم يحدث ولا تغييرا حقيقيا وقع، بل وقعت الانتكاسة الكبرى في مرحلة فاصلة كان بالإمكان أن تضعنا على السكة الحقيقية التي ينادي بها جميع الشرفاء منذ زمن بعيد. وبهذا فإن النظام المغربي حاول الإجهاز على بصيص الأمل الذي راهن عليه كل ذي نية حسنة، وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر، وهذا ما كنا نحذر منه.

إننا اليوم أمام لحظة غاية في الحساسية ومفصل تاريخي حقيقي، فإما نجاري المفسدين المستبدين المستغلين السلطة والثروة ليواصلوا الدفع بالبلد إلى الهاوية ، أو أن نتحمل جميعا، أحزابا وحركات ونخبا وعقلاء في كل الدوائر، مسؤوليتنا التاريخية أمام الله والشعب والوطن، ونواجه الحقائق ونفتح باب الحوار الشامل على قاعدة ميثاق وطني جامع، لنجب البلاد الانزلاق نحو الهاوية والسير في طريق المجهول الذي تسعى إليه وتدفعنا نحوه الجهات المغرقة في الفساد والمنتفعة من الاستبداد.

الأحد فاتح شعبان 1432
الموافق 3 يوليوز 2011
الرباط