يشهد المغرب واحدة من أكبر عمليات تزوير الإرادة الشعبية في تاريخه السياسي الحديث، من خلال استفتاء مزعوم و”مخدوم” وموجه، على دستور اختاره النظام وقال فيه نعم، ووجه الإعلام وكل الأبواق التابعة، بعد أن خنق الصوت المقابل، واعتمد كل وسائل الضغط والإكراه و”البلطجة” أثناء الحملة، والتزوير وحشد الناس للتصويت يوم الاستفتاء من أجد الموافقة على “نعم الملكية”.

مقابل هذا التزوير ومواصلة لحركتها الراشدة ودفاعا عن مطالبها المشروعة، ومنها حق الشعب المغربي في وضع دستور ديمقراطي نابع من إرادة المجتمع، قررت حركة 20 فبراير الخروج إلى الشارع للاحتجاج يوم الأحد 3 يوليوز 2011.

سياق لا يبشر

كان بإمكان الحدث فعلا -الحراك السياسي والاجتماعي- أن يولد حوارا مجتمعيا مفتوحا ومسؤولا لو حسنت نية الدولة وخلصت إرادتها للمجتمع، ينبثق عنه نقاش دستوري حقيق وجاد يفضي إلى الاتفاق على الوثيقة الدستورية بعد أن يحدد المجتمع ثوابته ومرتكزاته من خلال جمعية تأسيسية منتخبة تعكس إجماعا وطنيا حقيقيا، ولكن فضل النظام اعتماد سياسة المنحة واختار التعيين الفوقي ومنهج الإملاء، وما كانت مذكرات الأحزاب السياسية والقوى المدنية إلا مقترحات لاحقة لا قوة لها.

ثم جاء القمع الأمني لإسكات صوت حركة 20 فبراير لتمرير الطبخة الدستورية، وبعد أن فشلت لجأت إلى “البلطجة” و”الشمكرة” للتضييق على الصوت المعارض إبان ما قيل أنها حملة حرة للترويج للتعديلات. ترافق كل ذلك مع تواطؤ مفضوح بين السلطة وكل الأحزاب الموالية لها، حتى التي تصنف نفسها معارضة رسمية، فأغمضت عينيها عن التوجيه الواضح والتحكم المخزني في هذه المراحل خدمة لتمرير الدستور، وبشكل مباشر، وفيما يخص عملية التصويت على الاستفتاء، ففي كل الانتخابات والاستفتاءات السابقة كانت الدولة تمارس التزوير رغم ضغط عدد من الأحزاب ورغم وجود مراقبين منها، فكيف يكون الحال اليوم وقد استفردت أجهزة الداخلية “الخبيرة في التزوير” بكل شيء، بعدما بصمت الأحزاب بالعشرة على قرار السكوت المطبق؟ !!

استفتاء مُوَجَّه ومُزَّور

في يوم الاقتراع تواترت عديد الأنباء، من صحفيين ومدونين ومتطوعين داعمين لحركة 20 فبراير، تؤكد أمرين اثنين:

أولا: عزوف ملحوظ وكبير عن مكاتب التصويت وصناديق الاقتراع، مقابل تزايد مطرد تعلنه وزارة الداخلية يفوق نسبة 10 في المائة كل ساعتين، وكأن الجنّ دخلوا من أبواب المكاتب، دون أن يراهم المراقبون والمواطنون، وشاركوا بقوة ورفعوا النسبة -حسب وزير الداخلية- إلى 72.65 في المائة، بل وأجمعوا على قول نعم فكانت النتيجة 98.49 في المائة !!

ثانيا: اعتماد كل أشكال التزوير والتعبئة حتى في يوم الاقتراع من خلال:

– حشد الناس من قبل أعوان السلطة فكان المقدمون يطوفون على الناس ليخيروهم بين “نعم للدستور” أو “غضب الملك” والتهديد من خلال مقايضة التصويت بتسهيل الوثائق الإدارية.

– عدم التدقيق في الهويات.

– يمكن للفرد أن يصوت مكان كل أفراد عائلته، وسواء ببطاقة الناخب أو البطاقة الوطنية وأحيانا حتى بدون بطاقة…

– منع الصحافيين والمدونين والمواطنين من توثيق “الحدث الديمقراطي” بالصوت والصورة لنقل الحقيقة كما هي إلى العالم لا كما تريدها السلطة.

– معلوم أن نسبة قليلة هي التي سحبت بطائق التصويت والباقي كان بأيدي السلطة لتغرق به الصناديق في آخر لحظة.

– والفضيحة الكبرى هي احتساب النسبة من عدد المسجلين (13 مليونا) وليس من عدد الكتلة الناخبة من البالغين سن التصويت والتي تقارب 24 مليون، فهل 7 ملايين المتبقية غير مواطنين؟ !مما يعني أن الأغلبية قد قاطعت الاستفتاء فعلا.

وللتدقيق أكثر يمكن لأي مهتم أو مواطن أن يقوم بحسبة بسيطة وفق المعطيات الرسمية الآتية:

فحسب الإحصاء العام الصادر عن مديرية الإحصاء سنة 2004، فإن:

– عدد المغاربة الذين تجاوز سنهم 18 سنة: 18.527.363 فردا.

– عدد المغاربة الذين تراوح سنهم بين 15 و19 سنة (أي أن عمرهم سيتجاوز 22 سنة، سنة 2011): 3.148.590 فردا.

– عدد المغاربة الذين تراوح سنهم بين 10 و15 سنة (أي أن عمر معظمهم سيصل 18 سنة، سنة 2011): 3 281 000 فردا.

– مجموع البالغين سن التصويت سنة 2011: 24.956.953 فردا.

– عدد المصوتين حسب وزارة الداخلية: 9.228.020 فرد.

أي ما يقارب 36.97 في المائة هم مجموع من شارك في الاستفتاء، هذا إذا سلمنا برقم وزارة الداخلية. (قد يختلف الرقم قليلا، إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة الوفيات: 4.74 في الألف).

وفي تصريح لمراسل وكالة روتيرز لخصت ليز ستورم المحاضرة في سياسات الشرق الأوسط بجامعة اكستر الموضوع بقولها “تصويت كبير (بنعم) بنسبة إقبال ضعيفة أو بطاقات اقتراع باطلة ليس نتيجة عظيمة.”

وفي ردود الفعل الأولى على النتيجة المعلنة قال الأستاذ فتح الله أرسلان:” إننا من خلال تجاربنا السابقة ومن خلال التقارير والمعطيات التي اطلعنا عليها نجزم أن الشعب المغربي تعرض لأكبر عملية تزوير لإرادته” وتعليقا على نسبة المشاركة المرتفعة ونسبة المصوتين بنعم قال:”نحن نعرف لعبة الأرقام التي يقوم بها وزراء الداخلية في العالم العربي فالمصريون هم من صوتوا لحزب حسني مبارك الحاكم في ديسمبر 2010 بنسبة فاقت 90% حسب وزارة الداخلية وهم من قام بالثورة عليه في يناير 2011 فمن نصدق أرقام وزارة الداخلية أم الإرادة الشعبية”.

ويتواصل الاحتجاج

خرجت حركة 20 فبراير طيلة الأربعة أشهر الماضية تطالب بالحرية والكرامة والعدالة، تروم إقامة مصالحة حقيقية بين الأمة والدولة لتكون الثانية في خدمة الأولى وليس العكس، ترفع المطالب السياسية والاجتماعية والحقوقية والثقافية والاقتصادية المشروعة والعادلة لشعب طال أمد إساره في قبضة الاستبداد ودوامة الفساد ودستور الاستعباد، ولكن النظام الحاكم أرادها مناورة جديدة تطيل أمد الظلم وتسويف آخر وتحايل بالشعارات والكلمات والخطب والروتوشات لعل الشعب ينخدع مجددا ويستكين زمنا.

ولأن الوضع كما صورناه فقد رفضت حركة 20 فبراير وقواها المناضلة اللعبة المخزنية ودستورها الممنوح المفروض، وأكدت أنها ستواصل نزولها للشارع واحتجاجها حتى تحقيق مطالبها العادلة. وفي هذا السياق فقد أعلنت حركة 20 أن يوم الأحد 3 يوليوز 2011 مناسبة أخرى ستخرج فيها في عدد من المدن والقرى إلى الشارع للاحتجاج والضغط ورفض التفاف السلطة على مطالب المجتمع.

وفي مقدمة المدن التي ستحتج الأحد 3 يوليوز: الرباط، البيضاء، طنجة، تطوان، مراكش، وجدة، المحمدية، بني ملال، أبو الجعد، العرائش، الجديدة، أسفي، خريبكة، جرسيف، سطات، وادي زم، برشيد، القصر الكبير، سبت جزولة …