لست أدري أية قناعة فكرية أخلاقية تحفز هؤلاء “الكومبارس” الذين يخرجون إلى الشوارع ، ليمنعوا جماهير عريضة من أبناء هذا الوطن من التعبير بطرق حضارية وفي أجواء سلمية عن مطالبهم في الحرية والكرامة والعدالة… أليس الحق في الاختلاف وتنوع الرأي مبدأ أصيلا من مبادئ الديمقراطية ، أليس الحق في الاحتجاج السلمي مظهرا من مظاهر المجتمعات الديمقراطية، أيريدون أن نبيع ضمائرنا إلى الشيطان ونساق كالقطعان، أمام من لا يرقب في كل مواطن أصيل إلا ولا ذمة… إن كانوا هم رضوا لأنفسهم بهذا العار، فإن في الوطن أحرارا شرفاء لن يتنازلوا عن كرامتهم قيد أنملة.

إن أمم الدنيا العاقلة والراشدة تعي أن الدستور لا يمكن أن يكون هدية من أحد، ولا منّة من فوق، بل يجب أن ينبع من الشعب، وأن يصنع على عين الشعب، وأن يتوافق عليه الشعب… فأين هذا مما يطبخ الآن في الغرف المغلقة، وبأيدي عناصر اختيرت بعناية فائقة، ولأهداف ساطعة لا تخطئها العين، فكيف يريدون من الشعب أن يثق فيهم، ويمنحهم هذه المرة شهادة القبول، وقد أقصوا ممثلي كل أطياف الشعب السياسية والاجتماعية واللغوية والفكرية، ولم يشركوا في تلك اللجنة المعلومة إلا من يعلمون يقينا، ونعلم معهم عين اليقين، أن هرمون الرقابة الذاتية عندهم قوي جدا، وأن تَمُخضَ الجبل – إن كان فعلا جبلا – لن يلد إلا فأرا، وأن أقصى ما عندهم مساحيق متعفنة لوجه كالح اسمه الدستور الممنوح…

إن المدخل الحقيقي للإصلاح الدستوري هو دفن الدستور الحالي في مدافن النفايات بعيدا عن هذه الأرض الطيبة، والدعوة إلى “جمعية تأسيسية يمثل فيها الجميع” تصوغ دستورا ديمقراطيا يقطع مع كل أشكال الاستبداد والاستفراد والاستئثار بالسلطة والثروة الوطنية ويحفظ الكرامة الإنسانية للمواطن المغربي والعدالة السياسية والاجتماعية والحقوق والحريات العامة. وينص على فصل واضح وحقيقي للسلط، وعلى استقلال ونزاهة القضاء، وعلى مبادئ وآليات التداول السلمي للسلطة بناء على الاختيارات الحرة والنزيهة للشعب المغربي”.

لقد آن الأوان أن يعلموا أن زمن الدساتير الممنوحة قد ولى، وأن مستوى الوعي عند الشعوب بلغ درجة تجعلها تسقط ذلك التفويض الإكراهي الذي صاغته سنوات الرصاص، وتنزعه من حكامها الذين أذاقوها الذل والعبودية والحرمان، إن الشعوب أصبحت تتساءل تساءل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف استعبدونا وقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا، وعلى الحكام إن رغبوا في استرداد إنسانيتهم، واستشعارنا أنهم منا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، أن يعلموا أنهم كغيرهم من الناس ليس لديهم عصمة ولا قداسة، نختارهم، ونحاسبهم، ونقومهم إذا اعوجوا، ونعزلهم إذا أصروا على اعوجاجهم، ومن حق أي فرد فينا أن يرفض طاعتهم إذا أمروا بأمر فيه معصية بيّنة لله تعالى. بل من واجبنا أن نفعل ذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي الحديث الصحيح المتفق عليه: “السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”.

فأن يجهض حلمنا في الانعتاق من الاستبداد، والانطلاق في فضاءات الحرية والعدالة والكرامة، والارتقاء في مراقي الحضارة والعمران والكمال، فهذا – ولعمري – أبشع الجرائم، وأفظع الجنايات، وأعظم الذنوب، التي على أعدل القوانين البشرية أن تنزل في مرتكبيها أشد العقوبات في الدنيا ، قبل أن تتولاها العدالة الإلهية بما تستحق من عذاب وعقاب في الآخرة.

نفثت بهذه النفثة، ولا بد للمصدور من أن ينفث، ونحن نرى اصطفاف زبانية الاستبداد، وصعاليك الظلم، ومرضى الضمير، ومسلوبي الإرادة من حاملي ذهنيات القطيع… على خنق أصوات أصيلة مسالمة، بحت من شدة إصرارها على المطالبة بالكرامة، ومن شدة تعطشها إلى الانتماء إلى دولة القانون واحترام حقوق الإنسان ، بدل الانقياد بقيود الخضوع والركوع في سجن كبير: اسمه إقطاعية المخزن.

إننا ننشد الحرية، وعن درب الحرية لن نزيغ، لقد أمهلناهم أدهرا طويلة، وأمام هذه الموجة العارمة من عذاباتنا وآلامنا ودموعنا وطموحاتنا، ليس لهم إلا أن يختاروا بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما الحرية أو الطوفان.