غريب أمر قومنا في زماننا: ضربوا صغارنا أهانوا نساءنا، جرحوا كبارنا، كسروا جماجم أساتذتنا ومعلمينا.

انتهكوا حرمة طلبتنا وطالباتنا. أسالوا دماء معطلينا ومكفوفينا.

أهانوا أطباءنا وطبيباتنا وممرضينا وممرضاتنا. أذلوا عمالنا قهروا تجارنا وحرفيينا… بل قتلوا خيرة شبابنا.

وكانوا في كل مرة وبعد فعلتهم يطلعون علينا في وسائل إعلامهم بتبريرات واهية لأفعالهم الدنيئة. يستخفون بها عقولنا – وإن كان لا يقبل منا ذلك فقد قال الحق جل علاه عن قوم فرعون فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا فاسقين.

ولربما التمسنا لهم لأعذار. لكن أن تطال أيديهم أئمة مساجدنا فتلك والله طامة كبرى ومجلبة لنقمة عظمى.

بأي ذنب يضرب أئمة مساجدنا؟ بأي جرم يطاردون في شوارع العاصمة؟ ماذا اقترفت أيديهم وألسنتهم ليستحقوا هذه الإهانة والمذلة؟

غريب والله أمر قومنا، قالوا إن دستورنا مستمد من شريعتنا الإسلامية الغراء، الحنيفية السمحاء.

وبعد هذا الحوب الكبير أصدروا أوامرهم السامية ـ لخطبائنا الكرام المكرمين وكأن شيئا لم يكن ـ بإلقاء خطبة التمجيد للدستور الجديد.

لكن لنسأل قومنا ما سندكم في مطاردة وضرب أئمة المساجد المساكين المقهورين المغلوب على أمرهم المستضعفين؟

ما موقفكم يا قومنا من أحاديث الحبيب المصطفى التي أمرنا فيها بإكرام أهل القرآن؟

أو لا تدرون أن خير الخلق من تعلم القرآن وعلمه؟

في حديث عثمان رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. (صحيح البخاري).

يا ويح جرمكم أو لا تعلمون أن أهـل القرآن هـم أهـل الله؟

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “”إن لله تعالى أهلين من الناس”. قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: “هم أهل القران أهل الله وخاصته””. صحيح الجامع 2165.

أو غاب عنكم وعن أعضاء مجالسكم العلمية أن يعلموكم ويذكروكم أن إكرام حامل القرآن من إجلال الله تعالى؟

فعن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط”. حسن (صحيح الجامع 2199)

ما تقولون لربكم وأنتم تهينون بالضرب والرفس والركل من يلبس حلة وتاج الكرامة يوم القيامة؟

ففي حديث أبى هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب حله، فيلبس تاج الكرامة. ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيقال اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة”. حسن (صحيح الجامع8030)

أم إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور؟

ألم يكرم الحبيب المصطفى أهل القرآن أحياء وأمواتا؟

ألم تعلموا أن القرآن يقدم صاحبه ويكرمه حتى عند الدفن؟

ففي حديث جابر رضي الله عنه “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد”. (صحيح البخاري).

ما رأي السادة أعضاء المجالس العلمية؟ هل ينجيكم الصمت على مثل هذه المواقف؟ ما تقولون لربكم يوم القيامة؟ أم كل سلوكات مسؤولينا مبررة؟ أليس في سكوتكم مخالفة لأمر ربكم لتبيننه للناس ولا تكتمونه؟ وماذا سيقول التاريخ عن علماء لم ينصفوا إخوانهم أهل القرآن المظلومين، ولم يقولوا كلمة حق للظالم؟

ما رأي سيادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ابن الزاوية الذاكرة المحبة لأهل القرآن؟ هل أنت على علم سيادة الوزير؟ كارثة والله إن كان الأمر كذلك.

أم لا علم لك فتلك أم الطوام! أيضرب أناس محسوبون على وزارتك على مرآى ومسمع منك؟

ولا داعي لأذهب بعيدا لأن مساءلة الكبار جرم في حساب دستورهم الجديد؟ ما رأي دعاة إمارة المومنين؟ وأين ما وقع من قولة أمير المومنين سيدنا عمر رضي الله عنه لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني ربي لم لم تعبد لها الطريق يا عمر؟ ما رأيكم يا سادة القوم وقد عثرت كل الفئات من أبناء المجتمع؟ وقد أهين أهل القرآن؟

أي أرض تقلكم؟ وأي سماء تظلكم بهذا الفعل الشنيع؟

إن الذي لا يسأل هو الله رب العالمين: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

إن ما حدث لأئمة مساجدنا وحملة كتاب ربنا يعتبر مؤشرا على أن خراب بيت قومنا أضحى قريبا لا محالة أكثر من ذي قبل.

لكن ما الذي دها قومنا لهذا الفعل الشنيع؟

إنها سنن الله في الخلق وفي الكون التي لا تحيد نراها تتحقق أمام أعيننا..

وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا.

أمر إلهي للمترفين بالرجوع عن الغي وبالكف عن الظلم، فما كان موقفهم إلا الزيادة في الفسق والإفساد في الأرض، فتحل العاقبة التي لا مفر منها: التدمير الكامل.

ولنستقرئ الأحداث من فضلكم يا قومنا، فاصبروا وارجعوا وراجعوا..

ماذا لو وقفنا على أخطاء بن علي الهارب، لو استجاب على الفور لنداء قومه حين طالبوه بالإصلاح لنجا وأنجا نظامه. لو قال لا رئاسة مدى الحياة، ولو قال أنا فهمتكم من قبل، لما حدث الذي حدث.

لكنه استدراج الهي ليحق القول فيدمر تدميرا.

وماذا عن مبارك ونظامه الفاسد؟

ألم يكن بطاشا عنيدا؟ ألم تكن أجهزته تتصدى لكل احتجاج سلمي بمختلف الوسائل والآلات القمعية؟

كم من موظف أمني حشر لخدمته وخدمة نظامه؟ كم من جهاز استخباراتي؟ كم من أموال رصدت لحماية نظامه والتنكيل بخصومه؟ كم من ناعق خرج علينا في وسائل الإعلام ممجدا ومسبحا بحمد مبارك، وكم من موقف استهجان بالمحتجين! أتتذكرون تصريحات مجدي الدقاق أمام وسائل الإعلام، مرددا قول أسلافه الهالكين: “إنهم شرذمة قليلون”.

ماذا كان سيحدث لو لم يقم مبارك وقومه بتزوير الانتخابات الأخيرة؟ ربما لطال عمره وعمر نظامه..

ماذا عن القذافي؟ لو لم يأمر بتصفية 1200 سجين في بضع ساعات. ولو لم يواجه المحتجين المستنكرين لهذا الفعل بالقمع؟ ربما لكان للتاريخ مسار آخر.

وماذا عنه لو استجاب فورا لمطالب شعبه وتنازل قليلا عن كبريائه… إنها سنة الله التي لا تحيد.

ماذا عن الرئيس اليمني ونظامه؟ ماذا عن ظالم سوريا الطاغية؟

وأترك لقومنا ولمسؤولينا استخلاص الدروس والعبر مماجرى ويجري عند جيراننا: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وخلاصة العبر لكل الغيورين: أبشروا بخراب بيت الظالمين، فقد أزكمت رائحة فسادهم الأنوف في كل قطاع: فهذا تعليم مخرب. وهذه صحة عليلة. وتلك عدالة ضائعة. وذاك أمن مفقود. وعن غيرها من القطاعات حدث ولا حرج.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون صدق الله العظيم.

محمد أعراب باعسو

عضو رابطة علماء المغرب سابقا/ خطيب جمعة سابق