أوهام الخطاب الرسمي

في الأنظمة الاستبدادية ترتكز السلطة السياسية على تسويق الشعارات وتنميق الخطب وترويج الأوهام لتغطي بها استبدادها وطغيانها، فتراها تحافظ على جوهرها وتزين واجهتها بكلام معسول وتحتكر وسائل الدعاية والإعلام وتجيش الإدارة وتستعمل المال لتستغفل الضعفاء وتمني الناس بالسراب.

هذا ما يقع في كل دولة مستبدة، ومثال ذلك ما يقع في المغرب، حيث يروج الخطاب الرسمي أوهاما هدامة مفضوحة في صورة حقائق يقينية لعلها تستميل طامعا أو تصد خائفا أو تستغل خائنا أو تقنع عبدا مملوكا.

نذكر من تلك الأوهام وهم الإجماع: حيث يتردد في الخطاب الرسمي أن المغاربة أجمعوا على الملكية وأجمعوا على التصويت بـ”نعم” على مشروع الدستور الملكي، وأجمعوا على الخيار الديمقراطي التي تنهجه السلطة…حيث جاء في الخطاب الملكي يوم 19 يونيو خطابنا التاريخي، لتاسع مارس الأخير، الذي حظي بالإجماع الوطني)!!!، والحقيقة أنه خطاب لم يقنع العديد من الهيئات والفعاليات السياسية الوازنة من الشعب المغربي والدليل على ذلك خروج ملايين المغاربة يوم 13 مارس – مباشرة بعد خطاب 9 مارس الذي روجت له الأبواق الإعلامية للدولة على أنه خطاب تاريخي- في أكثر من مئة مسيرة احتجاجية رافضة لمضمون الخطاب، وكان الرفض حتى من خارج المغرب (فرنسا، بلجيكا، أمريكا…)، ثم توالت الاحتجاجات الشعبية التي تنظمها حركة 20 فبراير التي تقاطع الاستفتاء الصوري، وتتمنع عن الاحتواء أو الإلهاء أو الإلغاء…

ليس هناك إجماع إلا بعد حوار وطني لا يُقصى فيه أي طرف، آنذاك يتفق الجميع على بنود الإجماع: التعاقد. أما أن يفرض الحاكم إجماعا فوقيا مقفرا ويكره الناس على الخضوع له والتسبيح بحمده فهذا مالا يقبله شرف الإنسان ولا يوافق كرامته.

كائنات خُلقت لتصفق

معلوم أن عدد المنخرطين في الأحزاب السياسية الرسمية لا يتجاوز 2% من الشعب، فكيف يقبل القول بحصول الإجماع؟ إجماع 2%؟ ناهيك عن كون بعض الأحزاب السياسية الوطنية تعتبِر مشروع الدستور الجديد مهزلة.

ورغم ذلك حرصت السلطة على ترويج بضاعتها بمختلف الوسائل والأساليب، حيث شاهدنا قيادات حزبية تجول في مدن المغرب وقراه وتُفتح لها القاعات العمومية وتُيسر لها السبل لتقنع الناس بالأوهام وتسوق البضاعة المزجاة في صورة الخلاص والنجاة.

لا غرابة في فعل هذه الكائنات (أحزاب السلطة، صحفيي السوق، أعيان المال الحرام، علماء السلطان، زوايا صالحة للاستعمال…) لأنها خُلقت في البداية وتربت في تاريخها من أجل غاية واحدة وهي: التصفيق للحاكم. جُعلت لتكون “متاريس للاستبداد” بتعبير الكواكبي… “خداما للأعتاب” بتعبير فقهاء البلاط، حتى ترسخ في ذهنها ما يمكن أن نسميه ب”اللاشعور المخزني” فصارت تحسب أن الباطل هو الحق وأن الشر هو الخير وأن الكذب هو الصدق. وهي مستعدة للدفاع عن عقيدة الاستبداد بمعيار الحاكم الذي لا دين ولا علم ولا فن ولا مال إلا له…ما رضيه فهو الحق والصواب والخير وما لا يرضيه فهو الباطل والخطأ والشر. من ركع له كان مواطنا صالحا ومن أبى فهو خائن منبوذ مضطهد…الديكتاتورية في زعمها عدل، ومعارضتها فتنة!!! ولا يوجد في سماء عقولهم إلا خيار الاستبداد أو خيار الفوضى!!!

دسترة الاستبداد

في الدستور الجديد الذي يكرس نظاما قديما “بألفاظ منمقة” حسب تعبير محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله تم تخصيص 19 فصلا للملكية، دون أن تحدد للملك سلطته. فهو سلطة فوق السلط وسلطة تجمع السلط وسلطة تلغي السلط. فهو فوق السلطة الدينية والسلطة السياسية والسلطة العسكرية والسلطة التشريعية والمجلس الدستوري والمجلس الوزاري والمجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للأمن والمجلس العلمي الأعلى، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس المنافسة ووالي بنك المغرب و… وله سلطة التعيين في كثير من المناصب، نذكر من ذلك: تعيين رئيس الحكومة، تعيين أعضاء الحكومة، التعيين في الوظائف العسكرية، تعيين أكثر من نصف أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تعيين رئيس المحكمة الدستورية، تعيين 6 أعضاء من اثني عشر عضوا المكونين للمحكمة الدستورية، تعيين رئيس المجلس الأعلى للحسابات… كما له الحق في حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، وهو من يصدر الأمر بتنفيذ القانون، وله أن يخاطب الأمة والبرلمان…وله حق تشكيل لجان لتقصي الحقائق، ويفتتح الدورة التشريعية…له وحده صفة أمير المؤمنين والحكم الأسمى والساهر على احترام الدستور، وله أن يراجعه بصفة فردية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يَعتمد السفراء ولديه يُعتمد السفراء، ويعين العمال والولاة ووالي بنك المغرب، ويوقع على المعاهدات ويصادق عليها، بعضها بشكل منفرد، وبعضها الآخر بعد الموافقة عليها بقانون، وله ممارسة حق العفو، وله إعلان حالة الاستثناء، وله إعلان حالة الحصار…ناهيك عن تشكيله عشرات الهيئات واللجن التي تعمل تحت إشرافه مباشرة ولا تطالها مراقبة ولا محاسبة… 1

هذه السلطات جميعها في يد شخص واحد ثم لا يُحاسب ولا يُسأل ولا يُراجع !!! وقيل: ملكية ديمقراطية برلمانية. العجب!!!

“أضحوكة الدستور”

علق بطل المغرب محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله على دستور 1962 قائلا: إن دستورا لم تأتي به لجنة منتخبة لا يمكن قبوله… لا نريد أن نكون أضحوكة الدستور المصنوع للمغاربة… إن التنصيص في هذا الدستور المزعوم على ولاية العهد ما هو إلا تلاعب، واستخفاف) 2 … وهاهي تستمر الأضحوكة حتى 2011.

لقد وُضع الدستور المغربي ممنوحا بطريقة انفرادية لم تنبثق عن جمعية تأسيسية أو مجلس تأسيسي أو لجنة منتخبة كما هو الأمر في وضع الدساتير الديمقراطية… وكان ممنوحا كي تُفصل بنوده على مقاس الحاكم وتضمن له السمو على الشعب والدين والقانون والمحاسبة…ودليل ذلك أن الحاكم لا يقبل المعارضة بتاتا وكأنه إله مقدس أو نبي معصوم. فهو شخص فوق القانون والبشر. يُحاسِب ولا يحاسَب. يحكم ولا يُسأل، يخاطِب ولا يناقش… أما “دستور العبيد” كما تسميه حركة 20 فبراير فيحصر المعارضة في البرلمان فقط، أي معارضة حزب لحزب. وليس معارضة من يحكم.

ولا عجب إن كانت “الغاية تبرر الوسيلة” أن تُجيش السلطة أعوانها وعبيدها وعيونها وعمالها وعملاءها وعلماءها لخوض معركة فرض الدستور الممنوح كرها على شعبٍ تُجرب فيه مختلف طرائق التحكم والضبط والتكميم والإهانة. معركة مخزنية شاملة ليقال “نعم” لدستور الملك… لكن هل “نعم” الاستبداد ستلغي “لا” الثورة؟؟؟ لا أظن.


[1] الفصل 41: “الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه… يمارس الملك الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا، بمقتضى هذا الفصل، بواسطة ظهائر.”

الفصل 42: “الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة. الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة”.\

[2] مقتطف من نص تاريخي لمحمد بن عبد الكريم الخطابي تحت عنوان: “أضحوكة الدستور الممنوح”.\