بالموازاة مع هذه الحركية الزائفة من جهة النظام السياسي المخزني، ولمناسبة “التعديل الدستوري”، انبرى من جديد إلى واجهة الحراك المغربي وارتفع على سطح أحداثه الموار تساؤل جدير بالتأمل. كيف نأمن على مستقبلنا غائلة إعادة إنتاج الاستبداد، والتسلط، والقهر بآليات أخرى وبفاعلين جدد؟

إن ما يبعث على مزيد ترقب، هو أن الدستور هي الأداة الحكمية المقصودة بالإصلاح هذه المرة. وهو كان ولا يزال الآلية الأكثر تسببا في إفسادا الحياة العامة، والقلعة المنيعة التي يتحصن خلفها الاستبداد، والمعقل الاستراتيجي الذي يأبى التفريط فيه.

هذا التوجس المنطقي من الردة التغييرية، وهذا الارتياب الموضوعي من النكسة الإصلاحية، هما ما يدفعنا إلى التنقيب عن جوهر سلوك النظام السياسي المغربي، متسائلين مع الجميع إلى أي حد استطاع أن يتأسس على معايير إيجابية وقيم فعالة؟

لِمَ يتناسى السياسيون المثقلون بسنوات الخبرة أن سلوك النظام السياسي الذي غزا مفاصل الحياة السياسية مرتبط ارتباطا شديدا بمصير “الإصلاحات” التي انخرط فيها؟ ثم ما بال مظاهر البهرجة الزائفة والاحتفالية الكذابة تشن غاراتها على المشهد السياسي؟ فما إن تتحرك الآلة المخزنية في الدعاية لأية “مبادرة إصلاحية” حتى تطلع علينا أفواج المطبلين بحلول العهد الجديد، وتظهر قوائم المغيطين للمسيرة المظفرة نحو الحدث الكبير والإنجاز التاريخي. كومة من التهليل تصير رمادا تذروه رياح الزمن والنسيان، حين يتكشف للرأي العام أن المغرب لازال على حاله.

قد يقذف أرباب النغمة الوردية والنزعة المخملية، معشر المشككين في إرادة النظام السياسيى المخزني في التغيير الحقيقي بتهمة النظرة السوداوية الجاهزة، وقد يثب حراس إيديولوجيا المخزن من خلف أرائك المناصب السامية، ومن بين أتون الامتيازات الخيالية، على جمهرة اليائسين من جدوى الإصلاح الدستوري المرتقب، ويمسكون بتلابيبهم مغلظين لهم القول بأن زمن انتفاضة الشعوب هذا تاريخ آخر يجب ما قبله.

حقيقة لا ينكر أحد حاجة الشعوب الدائمة إلى الأمل والنظرة التفاؤلية كي تستمر في الحياة، وتنبض شرايينها بدماء المستقبل المشرق، غير أن هذه الطروحات تصير مخدرة إن انفصلت في الوعي الجماعي عن ضرورة توزين الأمور بمعيار النظرة الواقعية، والتي تربط في تساوق تام بين مقدمات “المبادرات الإصلاحية” ونتائجها.

ثم هيهات هيهات، تحت مسمى المرحلة الجديدة، أن تنطلي على الشعب المستضعف تلك الدعوة البئيسة للتطبيع مع الواقع الاستبدادي والرضوخ لأحكامه وإكراهه، أو أن تنجر تلك النفوس المقهورة وراء التبريرات الفجة والمقيتة. فجراح المجتمع الغائرة، نتيجة أكثر من نصف قرن من الحكم التسلطي، لن تندمل بجرة قلم جاف أو بنص خطاب فارغ.

إن سلوك النظام السياسي المخزني، سيكون الحكم الوحيد على مصير “التعديل الدستوري” الذي جاء استجابة لضغوط مجتمع ما بعد 20 فبراير الفريد. وما دامت بنية النظام هي هي، فما من شك أن ثماره لن تشذ عن تلك التي تداعى إليها النظام الرسمي ضمن “أوراشه الكبرى”، والتي كانت إبانها قبلة الشارع والمجتمع المغربيين ليكتشف الكل بعد ذلك خيبة الأمل ومرارة الإخفاق. ومن منا لم يلمس السقوط الكبير الذي لازم أوراش الانتقال الديمقراطي، والخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وتأهيل المشهد الحزبي، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والحكامة الجيدة، والجهوية واللامركزية…

تظهر قيمة السلوك عموما في ما ينتج عنه في الواقع العام من آثار إيجابية أو سلبية. ولا يمكن بالمطلق أن يكون السلوك مفصولا عن القناعات التي تتحكم في صاحب السلوك، ولا عن الاختيارات التي تعطي لممارسته معنى واتجاها محددا. فالقناعات والسلوك والآثار تشكل نسقا ينتظم على خطها الفعل البشري، لما ينعكس تشكل القناعات على نسج طبيعة السلوك، ثم حين يفضي هذا الأخير إلى معرفة نوع الآثار المترتبة عنه.

ولئن كان السلوك السياسي كما يرى جان لانجر Jean Langer يعني تصرفات الفرد تجاه المجتمع السياسي الذي يعيش فيه بأشكاله المتعددة، فإن سلوك النظام السياسي هو منظومة القيم التي تضبط فعله المباشر تجاه المجتمع والفرد، وتنضبط لها تصرفاته في إدارة شؤونهما. وهناك معايير لابد من توفرها حتى نطلق على الفعل صفة السلوك السياسي، وهي كما يرى الأستاذ أبراش: الإرادة الحرة، والوعي المقصود للسلوك، والانتماء إلى نسق سياسي.

وما دامت المثل الهابطة من قبيل الاستبداد والقهر والتسلط والعسف والاحتكار والإقصاء هي المنظومة القيمية التي تتشكل منها ماهية النظام السياسي المخزني، وتتشبع بها بنيته حتى صارت قواعد حاكمة، فإن سلوكه في إدارة مختلف شؤون الحياة العامة تحكمها ثلاثة أصول جامعة.

أولا- في أصل التفكير: العقلية الانفرادية

كان العائق الكبير أمام أية محاولة للنهوض الفعلية من كبوة التخلف عن ركب الديمقراطيات هو تغييب “الإرادة السياسية”، وكانت هذه النقيصة هي المدخل الرئيسي للوقوع في الإخفاقات.

نعم لم يتسع صدر النظام الحاكم يوما لتقبل الرأي المخالف، بالأحرى السماح له ولو بهامش صغير من حرية التعبير في الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية، ناهيك عن تمكينه من مخاطبة الشعب وشرح مواقفه واختياراته من القضايا العامة. استبدت العقلية الانفرادية بخلايا العقل السياسي المخزني وتأصل الهاجس التحكمي في أسلوب تفكيره فكرس حياة سياسية مغلقة أهم سماتها:

* أن مكونات المجتمع تؤثث المشهد السياسي بتعددية هجينة وغير مؤثرة. لهذا وباستثناء بعض الأصوات الحرة والنادرة، لم يسبق أن قدمت غالبية التنظيمات السياسية مقترحات جريئة في الملفات السياسية الثقيلة. فالمبادرة كانت دائما من جهاز المخزن وفق تصوره الانفرادي في معالجة القضايا الكبرى ومنطقه الأحادي في تدبير الملفات المصيرية.

* أن أجهزة الدولة لم تمتلك يوما حق المشاركة في تدبير الملفات، على اعتبار إسناد المهمات الصعبة إلى اللجان الملكية والمستشارين الملكيين ومكونات البلاط المخزني. هي لا تنتج رؤى وتصورات ووجهات نظر خارجة عن الرواية الرسمية أو متصادمة معها، هي في أحسن الأحوال تجيب عن بعض الجزئيات والتفاصيل غير المعتبرة ولا المؤثرة من داخل الفكرة الكلية والتصور العام الموضوع سلفا.

* أن الحكومة في الحياة السياسية المغربية هي حكومة عاهل البلاد اعتبارا لصلاحياته الدستورية، واعتبارا للاختيارات المجتمعية الكبرى التي يحددها الملك، بينما تعمل الحكومة فقط على ترجمتها وتجسيدها. وحتى التباين الحاصل في الأداء الحكومي من ولاية لأخرى، إنما يكون نتيجة اختلاف الوسائل المعتمدة لتنفيذ برنامج يستمد أسسه من التوجيهات الملكية.

* أن الشعب محروم من حقه في تسيير شؤون البلاد، ولا أدل على ذلك من تهرب النظام المخزني الدائم من عرض الملفات الثقيلة على عملية استشارة جماعية. وهو وإن كان يعتمد في بعض القضايا آليتي “الاستفتاء” و”الانتخاب”، فالكل يدرك كيف تصبح هذه الآليات في مناخ سياسي موبوء بأمراض الرشوة، وفساد الذمم، وعدم الحياد، واستعمال النفوذ، مطية للتزويق الإعلامي والتجميل الخارجي.

ومادامت الانتخابات التشريعية تعتبر المنفذ الوحيد للمساءلة الشعبية لاختيارات السلطة السياسية في تدبير الملفات الكبرى، فإن نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، كانت جوابا عمليا عن تفاقم أزمة الثقة بين النظام السياسي والمواطن المغربي.

ثانيا- في أصل التفاعل: صناعة رد الفعل

كل مقترحات النظام السياسي المخزني للنظر في القضايا الكبرى والمصيرية، هي عبارة عن كومة من ردود الأفعال التي تفتقد للمعنى الحقيقي للبناء، بما هو تكامل بين الوعي المرجعي والوعي الاستراتيجي والوعي العملي. ولعل الأزمات الطافحة على السطح، والمتجذرة في أعماق المجتمع توحي بأن النظام السياسي لم يسبق له أن وضع استراتيجية متكاملة لتنمية البلاد، وتجويد مستوى عيش أبنائها.

فطالما كانت السياقات الإقليمية والدولية هي ما يفرض هذه الأوراش فرضا، لهذا لم تزد يوما عن كونها حلولا ترقيعية. أي إنها لم ترق إلى مستوى أن تكون جوابا عن سؤال الحاجات الطبيعية المحلية والداخلية، بقدر ما كانت جوابا عن سؤال الإكراهات الخارجية والأجنبية.

فلا أحد يجهل أن “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” تحكم فيه هاجس الاستجابة لضغوط البنك الدولي وسياساته الاستعمارية تجاه البلدان المتخلفة، فكان حقل التعليم فأر التجارب الذي تسمم وسمم أجيال المستقبل. وكانت الحملة الصليبية، كما عبر جورج بوش الابن، ضد المسلمين مع مطلع الألفية الثانية، وبالضبط بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وما تلاها من تكالب دولي على الإسلام من وراء إقرار مشروع “إصلاح المجال الديني”.

وكانت رغبة النظام المخزني المَرَضية في إرضاء الغرب المتقدم، عبر التظاهر السافر باللحاق بركب البلدان الحداثية، سببا مباشرا في تنزيل مشروعي “الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية” و”مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”. ولم لا يرقع بهما نظام استبدادي عتيق صورته المهترئة، ما دام التصنيف العالمي يؤكد على مؤشري تنمية “الموارد البشرية” و”إدماج المرأة” شروطا لانتقال البلدان المتخلفة إلى مصاف الأمم الحداثية؟

ثالثا- في أصل التدبير: المقاربة التجزيئية

لم يشكل الغموض الكبير الذي يلف مرجعية النظام السياسي القائم إلا مرتعا خصبا للارتباك والتخبط على جميع المستويات. نعم لقد كان الفشل حليف “المشروع الديمقراطي الحداثي المخزني” في بسط المبادئ الكبرى التي من شأنها أن تؤطر الحياة الاجتماعية والنفسية للمجتمع المغربي، وتستجيب لبنيته وتتناغم مع خصوصيته. وكان الإخفاق مصيره في صياغة الأجوبة الصحيحة عن الأسئلة الكبرى التي تؤسس لحركة المجتمع المغربي، والتي لا شك كانت ستسير به نحو صناعة حاضره المشرق ومستقبله المزهر. كانت أولوية التفصيل في القضايا التأسيسية من قبيل: أي إنسان؟ أي مجتمع؟ أية حياة؟ أي نظام؟ الغائب الأكبر.

إن عامل الغموض التصوري، حينما يتفاعل في واقع تتحكم فيه الإرادة القهرية لنظام سياسي مخزني، ويتم فيه، تحت وطأة الاستبداد، تغييب الوعي الشامل بسبل النهضة المجتمعية باعتباره بحثا دائما عن تحقيق مصالح الشعب، وتغليبها على حساب المصالح الأجنبية أو الفئوية، لم ولن يفرز سوى تدبير كارثي لشؤون البلاد والعباد.

تدبير أفضى في السابق إلى اعتماد مقاربة تجزيئية تفتقد لمقومات البناء، وهو ما جعلها في الغالب الأعم تتسم بغلبة البعد التقني والمسطري على حساب الجوهر والمضمون فيما يخص القضايا السياسية مثل “الانتقال الديمقراطي”، و”تأهيل المشهد الحزبي”، و”طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”، و”تعديل الدستور”… ثم بهيمنة القالب الاستنساخي على حساب المنطق التجديدي فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية مثل “الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية”، و”الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، و”المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”.

هذه النكسة هي ما ينتظر أن تفضي إليه كل الإصلاحات المخزنية المرتقبة.