ليست “القيمة” في مضامين الأشياء فحسب بل في أشكالها أيضا، إذ الشكل جزء من المضمون ومعبر عنه وكاشف له (سيماهم في وجوههم)، وليس “الصدق” أقوالا تُلاك وخطباً تتلى بل سلوكًا يُصدِّق وفعلا يُبرهن (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).

أعتقد أن مؤشرات نقاش الوثيقة الدستورية الممنوحة لا تُستقى من المضمون فحسب (الفلسفة والصلاحيات والسلط…) بل تُستشف من منهجية وضعها – الوثيقة – وشكل عرضها وطريقة التعبئة لها وكيفية إخراج كل مراحلها. ولا شك، ونحن نتتبع مسار عرض مشروع الدستور على المغاربة، أن حديث “القيمة” و”الصدق” يفرض نفسه بقوة في مساءلة إرادة الدولة وجدية خطابها.

لننزل من “برج السفسطة” التي يحاول المخزن المغربي تقديم نفسه من أسواره بشكل متمدن ومتحضر، حين ينتهج الحوار ويستدعي، على استحياء، الرأي المخالف، ولنتخفف من جذب “البريق الإعلامي” و”فذلكة النخبة” و”تعويم النقاش”، ولننظر بالعين المجردة والموضوعية إلى فعل الدولة بكل أجهزتها والتي تقع في تماس مباشر مع الفئات الشعبية.

ماذا نجد؟

التغرير بشباب معطل بـ100 و200 درهم للخروج في حملة التعبئة للدستور الممنوح وتعطيل مسيرات 20 فبراير وتهديد بل الاعتداء على بعض شبابها. الضغط على أصحاب “الفَرَّاشات” والعربات التي يبيع أصحابها الخضروات والفواكه… حتى أصبحت أعلام المغرب وصور الملك ترفرف فوق “الدْلَّاحْ” (فاكهة الصيف) وأصبح “مول الدلاح” (رغم أن ضغط العيش لم يترك له فرصة لمطالعة الدستور والاقتناع به) واحدا من أشد مؤيدي “دستور سيدنا”. التجميع الاحتفالي لمجموعة من النساء عن طريق “الطعارج” و”البنادر” (في موكب أشبه ما يكون بـ”الدّْفُوعْ”) مع ترديد بعض الأغاني الشعبية وإسقاطها سياسيا “إيلا كالها إيلا كالها**يكد بيها” (في إشارة إلى الملك). تهديد بعض أصحاب السوابق أو بائعي السجائر والمخدرات بتحريك “الملفات الجامدة” في حال عدم الانخراط في التعبئة للدستور الموعود والمشاغبة على أنشطة 20 فبراير والمكونات المقاطعة للدستور المفروض. الاعتماد على “أصحاب الدقة” و”الغياطة والطبالة” و”عيساوة” و”المجموعات الغنائية المختلفة” في تجميع الناس واستدعائهم لحضور احتفالات التعبئة للدستور….

إن هذه الوسائل وغيرها، وهي المعتمدة من قبل السلطات المحلية والمنتخبين والمقدمين والشيوخ والقياد…، تنم عن العقلية العتيقة التي ما تزال تتحكم في الدولة التي يقال بأنها حديثة وعصرية ومدنية وديمقراطية، وإن هذه الأساليب تكشف بالملموس أننا ما نزال بعيدين كل البعد عن “الانتقال الديمقراطي” و”دولة الحريات” و”الملكية الدستورية البرلمانية الديمقراطية والاجتماعية” المزعومة!!

في دروب وأحياء وأزقة المغاربة البسطاء تظهر حقيقة “القيمة” التي تحملها الدولة وينكشف صدقُ “الصدق” الذي تبشر به خطاباتها، فالدستور والصوت والحملة كل ذلك يساوي 100 درهم في عرف السلطة ومسؤوليها وأعوانها، إذ يكفي الدولة إدانة، ومن باعوا الوطن تنقيصا، ما بات يكرّره من تُجيِّشهم ليخرجوا إلى الشارع مرددين في غفلة من النفس والضمير والعقل “لا دجاج لا بيبي**القرفية هي حبيبي”. وفي المقابل تتغنى الحركة وتردد على مسامع هؤلاء لعلها توقظ النائم وتنبه الغافل “أولاد الشعب المغربي**الحركة كاتقول ليكم**تناضل من أجلكم**100 درهم تفوت تفوت**وبنادم يبقى مشموت”.

في الدول الديمقراطية حقا، والتي تحترم نفسها وشعبها صدقا، تعتبر مثل هذه اللحظة التي يعيشها المغرب تاريخية بكل المقاييس، يُعطاها الزمن الكافي (وليست 10 أيام ضاغطة)، ويسود فيها النقاش السياسي الرصين، والأسلوب الحواري والحضاري الراقي، وتكشف السلطة والمجتمع عن الفهم الواعي والإدراك الرصين والنقاش الجاد حول مستقبل الوطن، وتحافظ الدولة على حيادها الإيجابي اتجاه الآراء المختلفة التي تخترق المجتمعي المدني والسياسي، فتحاول الإجماع وتستمع للجميع وتنصت للمجتمع. أما في دول الاستبداد والاستبلاد والاستفراد والاستحواذ فرهان الدولة ينصب على الجهل المركب والتجهيل المستمر، والخوف المَرَضي والتخويف المقيت، والمصلحة الفردية و”الربح” المستعجل، وتعتمد على تغييب العقل والفهم والوعي والمعرفة، فلا مضامين الدستور تريدها أن تناقش ولا منهجية وضعها تريدها أن تساءل ولا طريقة التعبئة تريدها أن تتحضّر.

إنه دستور “100 درهم”، رخيصُ القيمة والمضمون والشكل والإخراج.