مُبـادرات ولا طحين

كثيرة هي عناوين المبادرات المخزنية التي تنشُد تحقيق التنمية اقتصاديا واجتماعيا وتضمن للمواطن الكرامة والعدالة والاجتماعية، فمن سياسة بناء السدود منذ ستينيات القرن الماضي التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني لسقي مليون هكتار، بل ذهب ـ رحمه الله ـ في إحدى خطبه أن المغرب لم يعُد مُرتهَنا بسقوط المطر، والحال أن نسبة كبيرة من ربوع المغرب لم تؤَمِّن لها بعدُ هذه السياسة الماء الصالح للشرب؛ إلى مشاريع لإصلاح التعليم الذي يُحتضر اليوم برنامجه الاستعجالي حيث استعصى تقليص الأمية إلى ما دون عتبة 50% وتوقيف نزيف الهدر المدرسي؛ إلى تشغيل الشباب الذي من أجله أُحدث مجلس الشباب والمستقبل، فتقطعت بالشباب السبل بين موت محقق في البحر، وبين موت بطيء بالمُهَلْوِسات والمخدرات، وبين انتظار قاتل وصمود لهراوات المخزن طمعا في فرصة توظيف قد تأتي قبيل سن التقاعد؛ إلى مبادرة التنمية البشرية التي بُذرت في برنامجها الملايير ليتقهقر المغرب في سلم التنمية العالمي، فلا تنمية حققنا، ولا بشرا كرمنا؛ إلى مجالس لحقوق الانسان اضطُرَّ مسؤولوها ليفقدوا ذاكرتهم تفاديا للاعتراف بالمعتقلات السرية المُهينة لكرامة الإنسان المغربي. لائحة مبادرات ومجالس تطول تئن بثقل أجور وتعويضات أعضائها ميزانية الدولة دون أن تحقق الحد الأدنى من كرامة عيش تُحبب للمواطن وطنه، عوض أن يعتبر نفسه مقيما غير شرعي في بلده.

مؤشـرات الإفـلاس

اليوم، وبعد أكثر من خمسين عاما على الاستقلال، وبعد اثنتي عشرة سنة من “العهد الجديد” يجد النظام صعوبة في إقناع الشعب المغربي بأدائه في تدبير شؤون البلاد والعباد، تتجلى في استشعاره الخوف من الفشل في إقرار مشروع الدستور السادس، فاضطر لاعتماد أساليب بائدة في التعبئة الشعبية يروم المقال استقصاء بعضها، ومنها:

1. تجييش الفئات الشعبية بنفس الأساليب المخزنية أيام وزير الداخلية الراحل إدريس البصري: إنزال العباد رغبا أو رهبا إلى الشارع العام مهللا مبتهجا ـ رغم أنفه ـ أو حضور اللقاءات الدعائية لأحزاب فقدت شرعيتها الشعبية مع التركيز على سكان القرى والبوادي والمداشر والجبال؛ تجييش مستهجن فضحه ما سماه الإعلام الرسمي للدولة الخروج العفوي للشعب تأييدا لخطاب17يونيو.

2. تنظيم مسيرات ووقفات تقودها وتشرف على تنظيمها السلطة، وينشط شعاراتها أعوانها ـ قُوَّاد، شيوخ، مقدمون ـ للرد على تنامي زخم حركة 20 فبراير. مسيرات ووقفات مخزنية تجاوزت حدود الاختلاف تؤسس لمرحلة خلط الأوراق وتوفير واقع اللاأمن الذي يوجب منع كل أشكال الاحتجاج الشعبي حفاظا على الأمن العام للبلاد وحقنا للدماء. إنه الإخراج المخزني لموقعة الجمال في ميدان تحرير “قاهرة” الاستبداد.

3.احتكار الإعلام الرسمي بكل أنواعه للتسويق لمشروع دستور النظام، ومنع المعارضين من تقديم وجهة نظرهم وتمتيعهم بحقهم في إعلام يمول من جيوب المغاربة دافعي الضرائب. حملة بمضمون واحد تتبارى لتجميله وجوه حزبية باركت الدستورـ حُسن ظن وثقة مطلقة في المخزن ـ قبل الاطلاع عليه.

4. التشويش على اختيار المغاربة والتأثير على مواقفهم من خلال التسويق لمشروع الدستور بأنه ملكي، وحيث إن الملك أعلن أنه سيصوت بنعم، فقائل “لا” للدستور، إنما تعني “لا” للملك؛ وهذه مناورة عافها الزمن؛ كما أنها مغامرة غيرُ محسوبة العواقب لإقحام شخص الملك في مزايدات سياسية.

5. توظيف الرصيد الاحتياطي بإشراك مؤسسة الزوايا التي اختار لها النظام لعقود أن تنزوي عن واقع الشعب وهمومه، وتتولى دور المباركة لقراراته مقابل دعم مالي في شكل هبة مولية. وإذ يقرر النظام اليوم إنزالها أو السماح لها بالنزول للشارع في إجراء غير مسبوق حشدا لمزيد من الإجماع والمساندة للدستور، فذلك مؤشر على أن عامل الوقت لم يعد في صالحه.

6. استعمال منابر الجمعة “لشرعنة” التعديل الدستوري واعتبار التصويت بنعم لفائدته شهادة يأثم تاركها. استعمال حصري للملك لمنابر الجمعة ينسجم ـ ولا شك ـ مع رئاسته للمجلس العلمي الأعلى التي تخول له أن يمارس الصلاحيات الدينية المتعلقة بإمارة المؤمنين، والمخولة له حصريا…) كما تنص مسودة الدستور.

7. ضمانا لاستمالة أكبر عدد من فئات الشعب، خطط المخزن ليتزامن صرف الزيادة في رواتب الأجراء (600دهـ ابتداءً من شهر ماي 2011) مع موعد الاستفتاء. زيادة فرضها حَراك 20 فبراير فرضخت الحكومة متوسلة للنقابات تهدئة الأجواء وتجنب التصعيد. زيادة يبدو أنها قد تشمل أئمة المساجد الذين دخلوا على خط الاحتجاج، ونالوا نصيبهم من القمع المخزني، مثلما شملت وبقرار ملكي الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة بالنظر إلى حساسية المرحلة.

8. وفي ذات السياق جاء إعفاء 80 ألف مزارع من ديون بعدة ملايين من الدولارات لفائدة بنك القرض الفلاحي المملوك للدولة؛ إجراء يرتبط عادة بتوالي سنوات الجفاف لمساعدة الفلاحين على تجاوز تبعات الجفاف، لكنه هذه المرة جاء أسبوعا قبل الاستفتاء ليستميل الفلاحين وساكنة العالم القروي، ويسهل مَهمة أعوان السلطة لدفع ساكنة العالم القروي ليشاركوا بكثافة ويصوتوا ـ طبعا ـ بـ”نعم” لدستور الملك.

9. الاحتفال بتصريحات الخارج وتأييدها مبادرة الملك لتعديل الدستور. احتفال إلى درجة الاهتبال قصد ممارسة ضغط نفسي على الشارع المغربي؛ والحال أن هذه التصريحات تعكس حرص الدول الكبرى على استتباب الاستقرار السياسي حفاظا على مصالحها الحيوية، وليس دفاعا على قيم الحرية والعدالة والكرامة.

خلاصتـان

1. إن المتتبع لحملة النظام ذات الاتجاه الواحد والوحيد تخدش في صفة “الحكامة” التي أقرها الدستور للملك، لذلك ـ وانسجاما مع “الحكامة” ـ يجب ألا يتحول الملك لطرف في النزال، كما تخدش في حِيادِيَّة الإدارة ضمانا لاستفتاء مستقل ونزيه؛ مما يُؤشر على المأزق الذي ورط فيه الحراكُ الشعبي النظامَ وهو الذي ألِفَ أن يحتكر الكلمة دون أن يطالب الشعبُ بنقطة نظام.

2. قد يقول قائل: إن السلطة تمتلك وسائل تمرير الدستور، وبالنسبة التي تريد، فهي صاحبة رصيد وتجربة كبيرة في التزوير “النزيه” للاستحقاقات. والجواب، إن السلطة لا تهتم ـ من الهمِّ ـ بنتيجة الاستحقاق فهذا محسوم، وقد تكون محاضر نتائج الاستفتاء معبئة، لا ينقصها إلا توقيع رؤساء المكاتب، وهيأت مقترحات لنسبة المشاركة العامة، ونسبة الموافقين، ونسبة المعارضين، ونسبة البطائق الملغاة بما يتناسب والجو العام للاستحقاق، وما يريد النظام تسويقه للخارج: إجماع كبير أم أغلبية معينة تبرهن على اتساع هامش الحرية، لكن الذي يهتم له المخزن هو نجاح محطة الاستحقاق باعتبارها استفتاءً مباشرا على النظام السياسي ككل، وهذا يقتضي اصطفاف الجميع مبارِكين مشروع الدستور الملكي اقتراحا وإعدادا وصياغة وتبنيا.