تعمل الدولة والأحزاب السياسية السائرة في ركبها على تصوير الدستور المعلن غاية الغايات ونهاية المطاف الطِّلاَّبي. وتروج، عبر آلتها الإعلامية والدعائية، أن النسخة المنقحة من الدستور إنجاز تاريخي غير مسبوق. والحال أن المغرب والمغاربة اليوم في لحظة تاريخية فارقة وخطيرة لا تحتمل الكذب والتزوير والعبث الذي تدار به المرحلة. ولأن العقلاء منزهون عن الغباء، فلا بد من التذكير ببعض الأمور الأساسية:

– إن للشباب فضل كبير – بعد فضل الله ومنته – في الحراك الدائر في المغرب، ولهم فضل في فرض القرارات التي اتخذتها السلطة السياسية تحت الضغط،والمرتبطة بعمليات التوظيف المباشر، وإطلاق سراح بعض المعتقلين، ومراجعة الدستور الممنوح، وفتح النقاش العمومي حول العديد من القضايا التي ما كان يجرؤ على التصدي لها أحد في المغرب باستثناء المعارضين الحقيقيين. ولا ينكر هذا الفضل إلا من يمثلون الدولة لأنهم ضد فكرة التظاهر والاحتجاج والمعارضة أصلا، وضد الحرية والعدل والكرامة، أو متطفلون همهم الترامي على مكتسبات الشعب المغربي ونسبها إلى أحزابهم وهيآتهم.

– كما وجب التذكير بأن تغيير الدستور – خاصة بالطريقة التي تم بها وبالمضمون الذي أفضى إليه – لم يكن يوما مطلب المنتفضين ضد الاستبداد والفساد. فالأمانة تقتضي القول بأن حركة 20 فبراير نشأت في ظل أجواء ثورات الربيع العربي التي تريد التأسيس لمستقبل أفضل. لقد تجاوزت مطالب الحركة المناداة بتغيير دستوري شكلي إلى المطالبة بإسقاط الاستبداد ورموزه وتطهير البلاد من الفساد والمفسدين، وامتدت إلى ضرورة إصلاح التعليم والصحة والقضاء والإدارة، ونزع صلاحيات الملك وإخضاع كل ذي مسؤولية للمحاسبة، وتقوية المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وجعلها بيد الشعب عبر التمثيل الحقيقي والمسؤولية المقرونة بالمساءلة. كما طالب الشباب بحل الحكومة والبرلمان… فلماذا تصر مزامير الإعلام الرسمي والحزبي على إيهام الشعب المغربي والرأي العام الخارجي على أننا نجحنا ووصلنا وهذه المطالب كلها لم يتحقق منها شيء؟!

– تداعت الأحزاب الدائرة في فلك المخزن إلى حملة جندت لها الأقلام والمنابر والأبواق والأجواق والأموال المدفوعة من ثروة الشعب، بل ووظفت الدولة المساجد من أجل القول بـ”نعم” للدستور. القائمون على هذا التجييش الشعبوي واثقون من نتيجة الاستفتاء المرتقب الذي تقاطعه القوى الحية في البلد وتتجاهله فئات عريضة من الشعب المغربي. بل إنهم يعرفون حتى النسبة التي سيعلنونها ليل الفاتح من يوليوز المقبل. إلا أن ممثلي هذا التوجه يواصلون البهرجة الدستورية أولا لالتقاط الأنفاس بعد أربعة أشهر من هدير الشارع. وهم ثانيا يعلنون بشكل غير رسمي عن انطلاق الحملات الانتخابية لإعادة إنتاج نفس المؤسسات “التمثيلية”: نفس البرلمان ونفس الحكومة ونفس النخب. وهم ثالثا يقولون لشباب حركة 20 فبراير وللهيآت السياسية والنقابية والحقوقية والفعاليات الاقتصادية المساندة لها والتي تمثل نبض الشارع وصوت الشعب: “لا تهمنا احتجاجاتكم، ولن نسمع لمطالبكم، ونحن من سيقرر بمصيركم”… وبذلك يؤكدون أن ترويجهم للإصلاح لغة كذب.

– إن فرض الصوت الواحد والرأي الواحد والحزب الواحد – الحزب الأغلِبيِّ المخزني – لن يؤدي إلا لتعقيد الوضع الكارثي للبلد. كما أن سياسة الهروب إلى الأمام التي تمارسها الدولة والأحزاب التي لا تتحرك إلا بأمرها وتعليماتها لا تخدم إلا أعداء الوطن الذين يستنزفون خيراته ويدمرون مقدراته.كما أن النهج الخاطئ الذي اختارته السلطة لمواجهة المطالب العادلة للشعب المغربي والمتمثل في تعبئة نخب حزبية تقليدية فاقدة للمصداقية، وحشد آلاف المأجورين بـ”فلوس الجيب” التي تؤدى لهم عقب كل تجمع أو عملية “تعبوية” يساهمون فيها. هذا الأسلوب الفاشل لن يتجاوز المناسبات البهلوانية التهريجية، وهو وإن عمل على تأخير التغيير، فلن يلغيه.

إن الشارع الغاضب والمنتفض ضد الاستبداد والفساد غير معني بلعبة “نعم أم لا؟” لأنه يعتبر نفسه خارج هذه اللعبة الهابطة. فالغالبية الشعبية والقوى الحية يقاطعون هذا المسلسل بكل تفاصيله. وبالتالي، فمعركة المنتصر والمنهزم بين “نعم” و”لا” مسرحية مكشوفة ما دام اللاعبون في رقعة المخزن يمثلون كلهم صوت “نعم”. ويظل السواد الأعظم من المغاربة ضد الدستور الممنوح والمؤسسات المزورة والنخب المرتشية وسياسة الجبر والجور واقتصاد الريع وإعلام الزور وقضاء التعليمات وإدارة الفساد… إن صوت الشارع لن يخبو باحتفال السلطة ونخبها وأجرائها بإعلان الدستور، بل ستظل الحناجر الصادحة بالتغيير تقول رغم التنكيل والقمع: اسمع صوت الشعب… اسمع صوت الشعب.