تتبع الشعب المغربي يوم 24 يونيو 2011 عبر منابر المساجد التي تسيطر عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتسيسها بطريقة مبتذلة للغاية، أول خطبة جمعة تناقض ادعاءات مشروع الدستور. فقد ردد الخطباء المغلوبون على أمرهم الخطبة التي كلفتهم الوزارة بتلاوتها على مسامع المصلين، وهي خطبة موحدة على جميع ربوع المغرب. ومن غريب ما جاء فيها أن التصويت بنعم لمشروع الدستور الجديد واجب ديني ووطني، وهو امتثال لأمر الله عز وجل، وطاعة لأولي الأمر.

وبهذا تكون وزارة الأوقاف أول من خالف ادعاءات مشروع الدستور ، لأن إعلانهم عن الاستفتاء، هو فتح للمجال أمام الشعب ليقول كلمته بكل حرية. وإلا فلا معنى لهذا الاستفتاء، إذا كان التصويت بنعم واجبا. و من أقسى مظاهر الاستخفاف بالدين وبعقول المغاربة أن تجعل الوزارة من التصويت بنعم واجبا دينيا وامتثالا لأمر الله. لا لوم بعد اليوم للحداثيين والعلمانيين إن قاموا ضد دين وزارة الأوقاف. إننا نفترض بهذا التحليل أن تكون هذه الوزارة قد تصرفت بمحض إرادتها، تصرفا ينبغي أن تحاسب عليه. أما إذا تعلق الأمر بإملاء من جهات وصية على الوزارة الوصية، فالأمر أدهى وأمر. إذ يفترض أن تعمل هذه الجهات على السبق إلى الوفاء لمبادئ مشروع الدستور الجديد، مبادئ حقوق الإنسان، ومن جملتها حرية الرأي والتعبير، والحريات السياسية، وحرية التدين. إن حرية التدين هذه تتنافى مع المقاربة البوليسية وديماغوجية ما يدعى في المغرب ب”تأطير الحقل الديني” على سنة الدكتاتور بن علي، وتتنافى مع خطبة تمليها الجهات الرسمية لتكدر صفو العبادة باستخفاف كالذي حدث البارحة في مساجد المغرب. لقد آن للمساجد أن تتحرر من هذه الوصاية، ومن الاستبداد والاستخفاف. فإذا كانت هيمنة الدولة على وسائل الإعلام الرسمية، ومنعها المعارضة الحقيقية من ولوجها للتعبير عن رأيها، أمرا مرفوضا في منطق الديمقراطية، ودلالة واضحة على عجز أطروحة الدولة وهشاشتها، فإن ممارسة نفس الهيمنة على المساجد تعيد إلى الذاكرة صور الحجاج بن سويف الثقافي، وأمثاله ممن جعلوا الناس ينفرون من خطب المساجد وهم يرددون “ألغوا فإن الإمام قد لغا”.

إن الخطأ فادح للغاية، ويتطلب اعتذار من يعنيهم الأمر للشعب المغربي حالا، وإذا كانت هذه خطة تبنتها الدولة عن وعي فلا معنى لهذا الاستفتاء، ولا معنى لدستور يتم خرقه في أجواء الاستفتاء عليه، فقد ولد ميتا. ولنسأل خطباءنا ومجالس الإفتاء (إن سمح لهم بذلك) أيصلى عليه، أم قد كفانا فيه يكفوني؟