في هذا اليوم، 20 رجب 1432، الموافق 23 يونيو 2011، اجتمع المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دورة استثنائية لمناقشة الموقف من مشروع دستور 2011. وبعد الدراسة والمناقشة والمداولة أقر المجلس الورقة التالية وصادق بالإجماع على مقاطعة الاستفتاء على مشروع الدستور المقرر في 01 يوليوز 2011، كما قرر الدعوة للمقاطعة.بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه

جماعة العدل والإحسان

المجلس القطري للدائرة السياسية

مشروع دستور 2011: وفاء وعصرنة لروح الاستبداد

عاشت جماعة العدل والإحسان، كباقي مكونات الشعب المغربي، ما سبق الإعلان عن تعديل الدستور وما تلا ذلك وما يعرفه الشارع السياسي من مخاض. وكان من الممكن أن ننأى بأنفسنا عن الانجرار إلى ملهاة مناقشة الأمر من أساسه لأننا نعلم – كما يعلم المناورون أنفسهم – أن مسألة التعديل ما هي إلا محاولة للالتفاف على مطالب الشعب، ومحاولة كذلك لنيل رضا حلفاء الخارج وطمأنة حلفاء الداخل.

ولكن حتى تكون للجماعة مساهمتها في النقاش الدائر، خاصة وأن قضية الدستور نقطة واحدة من جملة القضايا التي حركها الشباب، نبسط في هذه الورقة قراءتنا لمشروع دستور 2011 الذي لم يرتق إلى أن يدخل المغرب والمغاربة إلى نادي الدول الديمقراطية رغم ما أحيط به من تهويل.

إن هذا المشروع كان خارج سياق انتظارات وتوقعات الجماهير التي خرجت إلى الشارع مطالبة بإسقاط الفساد والاستبداد، وفصل الثروة عن السلطة، وتحرير الإعلام، وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة، وفصل السلط وتوازنها، وإلغاء الاحتكار، ومحاسبة المفسدين، ووضع حد للإفلات من العقاب، ووقف التدخل في الحياة السياسية وصناعة الخرائط الانتخابية، والمطالبة بحياد الإدارة. وبذلك فهو دستور خارج السياق العام الذي تعيشه البلاد.

لم يخرج هذا المشروع عن صنف الدساتير الممنوحة شكلا، وغير الديمقراطية مضمونا، والمفروضة بأساليب الإكراه والمساومة والتضييق على أصحاب الرأي الآخر. ولم يمس بنية الدولة المخزنية، ولا جوهر الملكية التنفيذية التحكمية، ولا الإدارة البيروقراطية الخادمة للمشروع المخزني.

نتحدث في هذه الورقة عن مشروع الدستور الجديد من خلال سياقه ومنهجية إعداده وشكله ومضامين بنوده ونختم بخلاصات.

السياق

يتميز سياق هذه المراجعة الدستورية بمجموعة من المميزات منها:

– ربيع عربي تميز بخروج الشعوب العربية في انتفاضات سلمية كانت نتيجتها تنحية أكثر من نظام مستبد حكم شعبه بقبضة من حديد وأفسد حياته السياسية والاجتماعية، وأباح لنفسه وحاشيته التصرف في ثروات البلاد بدون حسيب أو رقيب؛

– حركة رفض واسعة وسط الشعب للدستور السائد والمؤسسات المغشوشة، والفشل الذريع للسياسات العمومية المتبعة منذ عقود من الزمن. وهو ما جسدته مئات المسيرات التي شهدتها مختلف مدن المغرب وقراه منذ 20 فبراير، والتي طالبت بإسقاط الفساد والاستبداد ورفعت خلالها صور المفسدين والمستبدين مطالبة بتنحيهم ومحاكمتهم؛

– حملة عنف قادها النظام المخزني لإيقاف زحف الاحتجاجات في الشارع، مستعملة كل وسائل العنف، ومتجاوزة كل منطق في التعاطي مع مسيرات احتجاجية سلمية، وقد سقط خلالها سبعة شهداء في الحسيمة وصفرو وآسفي (رحمهم الله) ومئات المصابين؛

– حملة اعتقالات ومحاكمات عشوائية طالت مناضلي حركة 20 فبراير غابت فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة وتميزت بأحكام قاسية وزعت على متظاهرين سلميين يطالبون بمطالب مشروعة؛

حملة تضييق وتشويه شملت جل المعارضين مستهدفة حياتهم الخاصة بالأباطيل والإفك، وفي مقدمتهم أعضاء وعضوات وقياديون من جماعة العدل والإحسان.

– حملة مسعورة على الصحف الخاصة من قبل الأجهزة الأمنية التي تتحكم في البلاد بيد من حديد وتحن إلى سنوات الرصاص. والحكم على الصحفي رشيد نيني بعقوبة سالبة للحرية ومتابعته بمقتضيات القانون الجنائي عوض قانون الصحافة.

– عدم تجاوب السلطة الحاكمة مع مطالب المحتجين والاكتفاء بالمناورة والالتفاف ربحا للوقت وانحناء للعاصفة.

احتجاجات قطاعية واجتماعية واسعة تكشف حقيقة الحيف والإجحاف ضد قطاعات واسعة من المجتمع المغربي.

المنهجية

أقل ما يمكن أن يقال عن هذه المنهجية أنها:

– منهجية غير تشاورية مبنية على الاستفراد والاستحواذ وليس الحوار، فالملك هو الذي حدد، في خطاب 9 مارس، ثوابت الدستور التي يفترض أن تنبثق عن حوار وطني، وهو من وضع المرتكزات السبع للمتن الدستوري، وهو من عين اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور، وهو من حدد طريقة اشتغالها، وهو من كانت له الكلمة الأخيرة في وضع مشروع الدستور. ولذلك فقد ظل الملك محتكرا للسلطة التأسيسية التي يجب أن تكون للشعب؛ ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشادغافر 29.

– منهجية غير تفاعلية لأن دور اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور اقتصر على الاستماع وتلقي المذكرات دون أي إلزامية لتعليل ما أخذته منها أو رفضته؛

– منهجية إقصائية لأنها أقصت جزء كبيرا من المعنيين الحقيقيين بتغيير الدستور الذين طالبوا بذلك منذ 20 فبراير وقبله، وكانوا يضعون تغيير الدستور من ضمن الشروط لتحقيق انفراج سياسي في البلاد وضمان انتقال ديمقراطي حقيقي؛

– منهجية اختزالية لأنها تختزل مشاكل البلاد في الوثيقة الدستورية، وتتناسى باقي القضايا المتعلقة بالفساد واحتكار السلطة والثروة والمعلومة واقتصاد الريع والحيف الاجتماعي واستغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة وتبذير المال العمومي. ولذلك لم يكن بريئا أن تقتصر خطابات الملك على موضوع الدستور وحده وكأن لا عرض لدى الدولة في ما يخص باقي المطالب؛

– منهجية تمويهية لأنها أحدثت آلية سياسية للتتبع والتشاور وتبادل الرأي لم يكن لها من دور في حقيقة الأمر إلا المصادقة والمباركة على مسودة دستور لم تتسلمه مكتوبا إلا قبل عرضه على المواطنين ب 24 ساعة، مما يعني عدم الاعتراف لها بصفة الشريك في وضع المشروع وتنقيحه قبل عرضه على الأمة، ولعل من أشكال التمويه تسريب أكثر من مسودة لمشروع الدستور؛

– منهجية تقنية حصرت دور اللجنة في مهمة تقنية تقتصر على تلقي المذكرات وفحصها وتبويب مضامينها وصياغة مسودة غير ملزمة للقصر يمكن أن يتدخل في مضمونها كيفما شاء دون حسيب أو رقيب؛

– منهجية استباقية لأنها تتوقع النتيجة مسبقا، ولذلك كانت أجهزة أخرى، هي وزارة الداخلية، تشتغل بالموازاة على ورش الإعداد للانتخابات مع أنه يفترض إرجاء هذه الخطوة إلى ما بعد الاستفتاء.

الشكل

تميزت الهندسة الدستورية من حيث الشكل بما يلي:

– إغراق النص الدستوري بالأوصاف والمرادفات التي لا فائدة منها إلا الإطناب والإطالة بدون دلالة قانونية دقيقة، بل في كثير من الأحيان كان الهدف إخفاء البنية التسلطية للنظام الحاكم بالمغرب، وهذا سر الانتقال من 108 فصل في دستور 1996 إلى 180 في دستور 2011؛

– صياغة الكثير من الفصول في شكل إعلانات ومبادئ عامة أكثر منها قواعد دستورية واضحة ودقيقة؛

– إرجاء الكثير من التدقيقات في ما يخص أجرأة الحقوق أو تركيبة المؤسسات إلى قوانين تنظيمية، حيث تفوق الإحالات عشرين قانونا تنظيميا قد تخرج إلى الوجود وقد تتأخر وقد لا ترى النور، كما هو الشأن بالنسبة للقانون التنظيمي المتعلق بالحق في الإضراب الذي نصت عليه الدساتير السابقة؛

– عدم التنصيص على الملك كسلطة رغم تمتعه باختصاصات وصلاحيات وسلط كثيرة ومتنوعة، مما يعني اعتبار الملك فوق كل السلط ويسمو حتى على الدستور، ويؤكد أنه غير معني بفصل السلط وتوازنها؛

– الحرص على دسترة الكثير من المجالس التي تتداخل اختصاصاتها أحيانا وتتقاطع مع اختصاصات الحكومة، وذلك بهدف تكريس ملكية تنفيذية، وممارسة مهام سياسية خارج رقابة الحكومة والبرلمان؛

– توسيع الديباجة، أصبحت تضم 15 فقرة، مقارنة مع ديباجة دستور 1996 وتعويم الهوية المغربية بمتقابلات كثيرة من شأنها التشويش على كل انتماء واضح يشكل أساسا لكل تطور وتقدم؛

– كثرة الإحالات في الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية على القانون مما يجعل الباب كله مجرد إعلانات لا ترقى إلى إقرار حقوق وحريات واضحة وحمايتها؛

– ليس هناك باب في الهندسة الدستورية الجديدة عن علاقة الملك بالسلطة التنفيذية رغم وجود الباب السادس الذي يتحدث عن العلاقات بين الملك والسلطة التشريعية والعلاقات بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.

المضمون

أقل ما يمكن أن يوصف به مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء أنه غير ديمقراطي ويكرس استمرارية النظام الاستبدادي مقنعا بمظاهر ديمقراطية سرعان ما ستكشفها الممارسة اليومية كما وقع مع ما سبقه من دساتير. وسيتضح كل هذا من خلال:

فيما يخص الحقوق والحريات الأساسية:

24- التنصيص على مجموعة من الحريات و الحقوق الفردية في شكل إعلانات وربط ممارستها بالقانون، مما يفتح مجال التضييق في التقنين ؛

25- غياب الحق في الوصول إلى المعلومة، خصوصا بالنسبة لعمل الإدارات العمومية، في ما يتعلق بالصحافة، وهذا كان مطلب التجمعات المهنية للصحافيين، وكذا توصيات المناظرات حول الإعلام؛

فيما يخص السلطة الملكية:

– يتبين من التنصيص على أن “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية” رغبة لإرضاء توجهات مختلفة، دون الامتثال حقيقة لأي وصف من تلك الأوصاف باستثناء وصف الملكية؛

– نص الفصل الثاني في فقرته الأولى على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة “ممثليها”، واعتبر التنصيص على ممثليها إضافة نوعية بالمقارنة مع دستور 1996 الذي كان ينص على أن السيادة تمارس”.. بصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية”، الأمر الذي قد يوحي بأن التمثيل قد أصبح منحصرا في ممثلي الأمة المنتخبين، لكن عند التدقيق يتبين أن مشروع الدستور الحالي لا يزال يتضمن ثنائية التمثيل، فالفقرة الثانية من الفصل الثاني تنص على أن “الأمة تختار ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم”، في المؤسسات المنتخبة، هذا يعني أن هناك ممثلين للأمة في المؤسسات المنتخبة، وممثلين من خارج المؤسسات المنتخبة؛

– ارتباطا بالتمثيل دائما، نلاحظ أن الفصل 7 جعل من أهداف الأحزاب السياسية “المشاركة في ممارسة السلطة” فقط، مجرد المشاركة، عكس ما هو متعارف عليه ديمقراطيا بحيث يكون الهدف الأساس للأحزاب السياسية هو الوصول إلى الحكم وتطبيق برامجها. وبالإضافة إلى ذلك فقد تضمن الفصل نفسه مجموعة من العبارات العامة التي تفسح المجال واسعا للتأويل، مما قد يسهم في تقييد الأحزاب السياسية؛

– في الفصل 41 يلاحظ إضافة صفات جديدة للملك، فقد أصبح حامي الملة والدين، وكان التنصيص في دستور 1996 على”حامي حمى الدين” فقط، وتمت إضافة “الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية”. وفي الفصل نفسه تمت دسترة المجلس العلمي الأعلى، الذي تحددت وظيفته في دراسة القضايا التي يعرضها عليه الملك، وإصدار الفتاوى بشأن المسائل المحالة عليه، مما يعني أن للملك الحرية المطلقة في تدبير المجال الديني، ويكون ذلك بظهائر لا تخضع للتوقيع بالعطف؛

– في الفصل 42، يوصف الملك بكونه “الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة”، الأمر الذي يجعل الملك ليس فقط فوق كل المؤسسات الدستورية، وإنما أيضا له سلطة التقرير في وضعها وسيرها، وكل ذلك انطلاقا من إمكانات التأويل التي تتيحها عبارة “الحكم الأسمى”، خاصة وأنه لم تتم الإشارة دستوريا إلى الحالات التي يمكن أن يكون فيها التحكيم، أو إلى كيفيات ممارسته، أو حدوده. ونلاحظ في الفصل 42 دائما أن الملك هو الساهر على احترام الثوابت الدستورية التي وضعها، مما يكرس سمو المؤسسة الملكية على كل المؤسسات الدستورية؛

– وحسب الفصل 42 دائما نلاحظ بأن الملك يمارس مهام واسعة ترتبط بالسهر على احترام الثوابت الدستورية، التي هي وظيفة المحكمة الدستورية في الدول الديمقراطية، بواسطة ظهائر توقع بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ماعدا في حالات خاصة؛

– أزال النص الحالي القدسية عن الملك، لكن يلاحظ أن عبارة” شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام”(الفصل46)، تثير بعض الاستغراب على اعتبار أن الدين الإسلامي والاختيار الديمقراطي، اللذين هما من الثوابت، يقتضيان عدم انتهاك حرمة أي شخص، ملكا كان أو غير ملك، ويوجبان توقير واحترام كل الأشخاص؛

– من الأمور التي أثارت نقاشا واسعا ولم يتم التطرق لها في المتن الدستوري ثروة العائلة الملكية وتدخلاتها الاقتصادية؛

– يرأس الملك حسب مشروع الدستور الكثير من المجالس، نذكر منها:

. المجلس الوزاري،

. المجلس الأعلى للأمن،

. المجلس العلمي الأعلى،

. المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

للملك سلطة التعيين في كثير من المناصب، نذكر من ذلك:

. تعيين رئيس الحكومة،

. تعيين أعضاء الحكومة،

. التعيين في الوظائف العسكرية،

. تعيين أكثر من نصف أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية،

. تعيين رئيس المحكمة الدستورية،

. تعيين 6 أعضاء من اثني عشر عضوا المكونين للمحكمة الدستورية،

. تعيين رئيس المجلس الأعلى للحسابات،

. تعيين رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

لقد أضاف مشروع الدستور الجديد بعض التقييدات والتحديدات المرتبطة بسلطة الملك في التعيين، لكن العارف بالبنية المخزنية يدرك أن تلك التقييدات والتحديدات لا جدوى لها في ظل ميزان قوى راجح لفائدة القصر؛

– للملك سلط مهمة فيما يتعلق بالحكومة، فبالإضافة إلى تعيين رئيس الحكومة ورئاسة المجلس الوزاري يعين أعضاء الحكومة، بناء على اقتراح من رئيسها، وله أن يعفيهم أو يعفي بعضهم بمبادرة منه أو باقتراح من رئيس الحكومة، ومن الضروري أن ترفع إليه مداولات المجلس الحكومي؛

– للملك سلط مهمة فيما يتعلق بالبرلمان، فله حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، وهو من يصدر الأمر بتنفيذ القانون، وله أن يخاطب الأمة والبرلمان. وإذا كان الفصل 52 يوحي ببعض التطور في هذا المجال، بحيث منع أن يكون مضمون الخطاب الملكي موضوع نقاش داخل مجلسي البرلمان فقط، بعدما كان في السابق المنع عاما، داخل البرلمان وخارجه، فليس هناك مبرر لمنع النقاش داخل البرلمان. وبالإضافة إلى ذلك، فللملك حق تشكيل لجان لتقصي الحقائق (الفصل67)، ويفتتح الدورة التشريعية في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر (الفصل 68)، وله أن يطلب قراءة جديدة لكل مشروع أو مقترح قانون (الفصل95)، بالإضافة إلى المجال التشريعي الواسع الذي ينفرد به الملك، خاصة في المجال الديني والعسكري والأمني، وفي كل ما يتعلق بالسهر على الثوابت الدستورية؛

للملك سلط مهمة فيما يتعلق بالقضاء، فبالإضافة إلى رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإلى تعيينه لغالبية أعضائه، فهو الضامن لاستقلال السلطة القضائية، وله أن يطلب من المجلس الأعلى للسلطة القضائية آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بسير القضاء (الفصل 114)، والأحكام القضائية تصدر وتنفذ باسمه (الفصل 124)، وموافقته ضرورية على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛

– للملك سلط مهمة فيما يتعلق بالدستور، بحيث تمكنه صفة الحكم الأسمى وصفة الساهر على احترام الدستور من إمكانات كبيرة للتأويل الدستوري، وله أن يراجع الدستور بصفة فردية، ويعرض مشروع المراجعة على استفتاء شعبي، كما له حق عرض مراجعة بعض مقتضيات الدستور، بمقتضى ظهير، على البرلمان بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية الذي يعينه، و”يصادق البرلمان”، وليس يناقش، بأغلبية ثلثي الأعضاء على ذلك (الفصل 174)؛

وبالإضافة إلى كل ذلك للملك صلاحيات أخرى، فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يعتمد السفراء ولديه يعتمد السفراء، ويوقع على المعاهدات ويصادق عليها، بعضها بشكل منفرد، وبعضها الآخر بعد الموافقة عليها بقانون، وله ممارسة حق العفو، وله إعلان حالة الاستثناء بظهير، وله إعلان حالة الحصار بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة( الفصل 74)، وله إحالة القوانين والاتفاقيات الدولية على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، ويرفع إليه التقرير السنوي لمجلس الأعلى للحسابات.

فهل يعقل أن يتمتع حاكم بكل هذه الصلاحيات المطلقة ثم لا يخضع للمحاسبة والمتابعة؟ فضلا عن أنها سلطات واسعة لا تترك مجالا للحديث عن أي نظام ديمقراطي بأي وجه من الوجوه. مع العلم أن الفصل الأول ينص – من جملة ما ينص عليه – على” ربط المسؤولية بالمحاسبة” وهذا تناقض فاضح داخل نفس الوثيقة..

فيما يخص السلطة التنفيذية:

– تم تخصيص 8 فصول فقط للسلطة التنفيذية مقابل 19 فصلا للملكية و26 فصلا للسلطة التشريعية و21 فصلا للسلطة القضائية. مما يؤكد أن هذه السلطة برأسين يمثلهما رئيس الحكومة والملك؛

– رغم التنصيص على ترقية الوزير الأول، الذي كان مجرد منسق للعمل الحكومي، إلى رئيس للحكومة، فإنه لا يمثل الرأس الأوحد للسلطة التنفيذية لأنه يبقى تحت سلطة الملك الذي يعينه “ف47″، ويشاركه في إعفاء الوزراء “ف47″، والقضايا الأساسية للعمل الحكومي تحسم في المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك ” ف48″، وحتى في حالة تفويض الملك له بترؤس هذا المجلس، فإن التفويض يكون بناء على جدول أعمال محدد سلفا “ف 48″؛

– رغم دسترة مجلس الحكومة “ف92” فإنه يبقى مجرد مجلس للتداول وليس التقرير، ورئيس الحكومة ملزم بإطلاع الملك على خلاصات مداولات المجلس؛

– تمت إحالة العديد من الصلاحيات التنفيذية إلى المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك “ف 48 و49″، وكذلك القضايا الأمنية والاستراتيجية إلى المجلس الأعلى للأمن الذي يترأسه الملك “ف54″؛

– هناك حرص مبالغ فيه على الانتقاص من صلاحيات الحكومة بحصر مجالات برنامجها الحكومي في ميادين السياسة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية والخارجية ” ف88″؛

– هناك حرص، بمبرر الحكامة الجيدة، على الانتقاص من صلاحيات الحكومة بدسترة العديد من المؤسسات “المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مجلس الجالية المغربية بالخارج، الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز، الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، مجلس المنافسة، الهيئة المركزية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها…”، وهي كلها هيئات تعمل تحت إشراف الملك الذي يعين أعضاءها؛

– لا سلطة للحكومة على مديري المؤسسات الأمنية رغم أنها مجرد مديريات تابعة لوزارة الداخلية؛

– لا سلطة للحكومة على العمال والولاة والسفراء ووالي بنك المغرب الذين يعينهم الملك في المجلس الوزاري “ف 49″؛

فيما يخص السلطة التشريعية:

– لا يمثل البرلمان وحده السلطة التشريعية، ولكن الملك يقاسمه التشريع في مجالات عديدة، وينفرد عنه بالتشريع في مجالات أخرى “ف 41 و42″؛

– رغم أن البرلمان المنتخب هو الذي يمثل الأمة التي اختارته وانتخبته فإن الملك له حق حله “ف 96″؛

– لم تنقل صلاحيات تحديد التقسيم الانتخابي، سواء المتعلق بمجلس النواب أو بالجماعات الترابية، إلى البرلمان، ولكن نقل إليه فقط التشريع في مبادئ التقسيم الانتخابي “ف62” و”ف72″؛

– عدم التنصيص على عدد أعضاء مجلس النواب وإرجاء ذلك إلى قانون تنظيمي، وبالمقابل، هناك تنصيص على عدد أعضاء مجلس المستشارين؛

– لا تعرض الحكومة سنويا على البرلمان إلا حصيلة ميزانيات التجهيز في إطار قانون التصفية المتعلق بقانون مالية السنة الفارطة “ف 76”. وهذا انتقاص لدور البرلمان في مراقبة العمل الحكومي؛

– لم يأت المشروع بحل لمعضلة التقييد الذي يطال مقترحات وتعديلات البرلمان أثناء مناقشة مشروع قانون المالية كما ينص على ذلك الفصل 77؛

– يقع البرلمان تحت وصاية دائمة للملك الذي له أن يطلب من كلا المجلسين قراءة جديدة لكل مشروع أو مقترح قانون ولا يمكن للمجلسين رفض طلب هذه القراءة الجديدة “ف 95″؛

في ما يخص السلطة القضائية:

– يعتبر الملك ضامن استقلال السلطة القضائية، وإذا اعتبرنا أن الملك هو نفسه سلطة من السلطات التي أسس لها مشروع الدستور، فإن من الضروري الحديث عن ضرورة استقلال القضاء عن سلطة الملك؛

– يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويعين 5 من أعضائه بصفة مباشرة (أحدهم باقتراح من المجلس العلمي الأعلى الذي يترأسه الملك) ويعين 5 أعضاء بصفة غير مباشرة (الرئيس الأول لمحكمة النقض – المجلس الأعلى الحالي- والوكيل العام للملك به، ورئيس الغرفة الأولى به، والوسيط، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان). أي أن الملك، إضافة إلى نفسه، يعين 10 أعضاء، في حين ينتخب القضاة 10 أعضاء. فالمجلس ملكي بامتياز؛

– تحدث المشروع عن استقلال قضاة الأحكام، لكنه أخضع قضاة النيابة العامة لسلطة التعليمات “القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها”، والتي هي حاليا سلطتهم الرئاسية (تسلسلية من نواب وكيل الملك إلى الوكيل إلى نواب الوكيل العام إلى الوكيل العام إلى المحامين العامين بالمجلس الأعلى إلى الوكيل العام به) والتي يوجد على رأس هرمها وزير العدل، الذي تمنحه بعض القوانين صراحة سلطة توجيه الأمر للنيابة العامة؛

– اقتصرت مهام المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تلك التي كان يتمتع بها المجلس الأعلى للقضاء، وبالخصوص النظر في الوضعية الفردية للقضاة من تعيين وتأديب ونقل وترقية، مع إضافة مهام إعداد التقارير الاستشارية السنوية حول سير مرفق القضاء. ولم يخول للمجلس صلاحيات تفتيش المحاكم، التي هي حاليا، طبقا لقانون التنظيم القضائي، في يد وزير العدل؛

– لم يخول للمجلس أهم اختصاصين وهما: الإشراف على الإدارة القضائية (خصوصا كتابة الضبط والمصالح الإدارية للمحاكم)، وكذا رسم السياسة القضائية (قانون المسطرة الجنائية الحالية يجعل وزير العدل هو من يضع السياسة الجنائية)؛

– تم الإقرار الدستوري، في هذا المشروع، بحق القضاة في ممارسة العمل الجمعوي وتأسيس الجمعيات المهنية، ولكن، في المقابل، تم رفع منعهم من الحق النقابي إلى مستوى المبدأ الدستوري بعدما كان هذا المنع منصوصا عليه فقط في النظام الأساسي لرجال القضاء. وهو توجه يناقض تطلعات وتحركات العديد من القضاة؛

– دسترة مجموعة من المبادئ العامة للتنظيم القضائي على شكل إعلانات؛

– عدم إخضاع قضاة المحاكم المالية (المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات) لوصاية ورقابة المجلس الأعلى للسلطة القضائية رغم أنها تمارس اختصاصات قضائية، وكذا المحكمة الدستورية التي أصبحت لها صفة قضائية؛

– تم تغيير اسم المجلس الأعلى إلى محكمة النقض، مع العلم أنه لا يمارس فقط اختصاص النقض، بل له اختصاصات قضائية أخرى.

فيما يخص الجهات والجماعات الترابية:

– فصول قانونية عامة وفضفاضة تحتاج إلى تدقيق وتفصيل ولا تعكس أن هذا الورش هو الدافع الأساسي لتعديل الدستور كما صرح بذلك الملك في خطاب 9 مارس 2011، مما يعني أن الحراك الشعبي الذي عرفته البلاد منذ 20 فبراير هو الدافع الحقيقي؛

– معيقات سياسية مرتبطة بالطبيعة المركزية والبنية المخزنية للدولة لم تتم الإشارة إلى وسائل لعلاجها وإيقاف مفعولها؛

– استمرار تدخل الدولة من خلال سلطات الوصاية مما قد ينعكس على مسلسل التقرير التنموي المحلي، فمن خلال الفصل 145 يتبين استمرار الحضور القوي للولاة والعمال بصفتهم ممثلين للسلطة المركزية؛

– إرجاء التفصيل في الاختصاصات والشروط الأساسية إلى مجموعة من القوانين التنظيمية؛

– تداخل بين الجهات وباقي الجماعات الترابية في ما يخص طبيعة الاختصاصات؛

فيما يخص الحكامة الجيدة:

أضاف المشروع الجديد باب الحكامة الجيدة، وهذه بعض الملاحظات بشأنه:

– افتتح هذا الباب بمبادئ عامة وعبارات فضفاضة تفتقد للأجرأة من قبيل: يمارس أعوان المرافق العمومية وظائفهم، وفقا لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة) “ف 155″؛

ولتجاوز هذا الإشكال علينا انتظار ميثاق للمرافق العمومية، فهو الذي سيحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية والأجهزة العمومية “ف 157″؛

– تعدد المؤسسات والهيئات التي نص عليها الدستور الجديد المتعلقة بحماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، بل يمكن للقانون أن يُحدث، عند الضرورة، هيئات أخرى للضبط والحكامة الجيدة. فهل نحن بحاجة إلى دسترة كل هذه الهيئات والمجالس (وعددها 10) حتى ننعم بحماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية رغم ما تكلفه من نفقات إضافية، أم أن منطق إرضاء أغلب الأطراف هو الهاجس الحاضر وليس الانتقال نحو غد أفضل؟ إضافة إلى هدف استيعاب وترويض النخب.

إن تعدد هذه المؤسسات والهيئات يجيب بالواضح على انعدام وجود الثقة في مؤسسات القضاء والحكومة والبرلمان..

– هناك تداخل الاختصاص بين بعض هذه الهيئات؛ مثل التداخل بين اختصاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز. فهل نحن بحاجة إلى هذه الهيأة بجانب المجلس المذكور؟

تم التنصيص في هذا الباب على مجلس الجالية المغربية بالخارج. وما يلاحظ، بخصوص المغاربة المقيمين بالخارج، وفقا لهذا الفصل 163 والفصلين 17 و18، كونهم يتمتعون بحق التصويت والترشيح في الانتخابات، ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية، دون أن يشمل ذلك تنظيم لوائح ودوائر انتخابية في المهجر.

على أن تأليف وصلاحيات وتنظيم وقواعد تسيير هذه المؤسسات والهيئات العشر سيحدد بقوانين مستقبلية.

– ومن أهم المؤسسات التي أنيطت بها مهمة الحرص على الحكامة الجيدة، هناك المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات، حيث حافظ هذا الباب على ترتيبه وعنوانه وعدد الفصول المنظمة له وهي أربعة. وعرف بعض التعديلات منها تعديلات سطحية فضفاضة، كإضافة عبارة المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، ويضمن الدستور استقلاله. ويمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية). ومنها تعديلات مرتبطة بالشفافية والحكامة الجيدة وتهم نشر المجلس الأعلى للحسابات جميع أعماله، بما فيها التقارير الخاصة والمقررات القضائية، ورفعه للملك تقريرا سنويا، يتضمن بيانا عن جميع أعماله، ويوجهه أيضا إلى رئيس الحكومة، وإلى رئيسي مجلسي البرلمان، وينشر بالجريدة الرسمية للمملكة، وتقديم الرئيس الأول للمجلس عرضا عن أعمال المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان، ويكون متبوعا بمناقشة. وتقديم مساعدته للهيئات القضائية.)

– أما دسترة مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية، فهو تحصيل حاصل، لأن توسيع نطاق الرقابة الموكولة للمجلس الأعلى للحسابات أتى بها قانون التصريح الإجباري للممتلكات وقانون الأحزاب.

– إن الملاحظة الأساسية هي أن نفس الانتقادات التي أثيرت سابقا بخصوص دور المحاكم المالية مازالت مطروحة في المشروع الجديد، فهناك تحكم في هذا الجهاز القضائي من قبل جهة واحدة، وغياب ضمانة حقيقية لاستقلاله، وغياب الإمكانيات اللازمة لاشتغاله وغياب إرادة حقيقية لتفعيل دوره في مجال محاربة الفساد، وهذه كلها عوامل كافية للقول بأن أهم عناصر الحكامة المالية غير متوفرة.

خلاصات

يتبين مما سبق ما يلي:

– لا يزال هناك إصرار على الفردية والاستفراد بالقرار، إما بشكل مباشر كما هو الحال في المجال الديني والعسكري والأمني، أو بشكل غير مباشر كما هو الحال في باقي المجالات؛

– لقد أكدت الشهور الماضية، منذ خطاب 9 مارس 2011، استمرار احتقار المغاربة، والاستهانة بعقول الناس، حيث كانت الحيلة والكذب والتزوير والتمويه والمناورة والالتفاف، هي العملات المستعملة في ورش يفترض فيه أن يؤسس لميثاق دستوري، مع كل ما تحمله كلمة ميثاق من دلالة على العهد والوفاء بالأمانة والتعاقد والتشارك؛

إن منهجية الدستور وشكله ومضمونه بعيدة كل البعد عن مبادئ الدين الإسلامي، مبادئ الشورى والحرية والعدل والكرامة، وبعيدة كل البعد عن قيم الديمقراطية الحقة. فهل سيكف أصحاب القرار عن التغني بثوابت حرفوها تحريفا لتكريس استبدادهم واستمراره.

إن جماعة العدل والإحسان تتوجه بنداء حار إلى القوى الحية في البلد من علماء عاملين وحركات إسلامية وأحزاب وطنية غيورة بمناضليها وجماهيرها، وإلى الطبقة الشغيلة بكل تنوعاتها وشرائحها، وإلى النخبة المثقفة المنصتة لآهات الوطن، وإلى كل العقلاء في كل المواقع، وإلى كافة الشعب الأبي بمختلف مكوناته خاصة نبضه الحي الشباب الرائع الرائد الذي بذل ويبذل جهده ووقته بل دمه وروحه – رحم الله موتاه وتقبلهم في الشهداء – لنفض غبار عقود الظلم عن الأمة.

إن المنعطف التاريخي والمرحلة الحاسمة التي تعيشها الأمة مشرقا و مغربا تدعونا إلى الترفع عن المصالح الفئوية والحزبية، وتجبرنا على الارتفاع إلى مستوى اللحظة ، وما يتطلبه ذلك من توطين للإرادات على بذل كل ما في الوسع لتحيى أجيال اليوم والغد حياة الكرامة.

ما جدوى الدستور والحديث عن الدستور إذا كانت الكلمة الأولى والأخيرة للتدبير المخابراتي لرعاية الفساد والاستبداد وحمايتهما من كل من يقف في وجههما ويجهر بفضحهما ويطالب بالإطاحة بهما. إن الآلة المخزنية في إطار تبادل الأدوار قد أوكلت إلى أسوإ ما فيها أن يتولى “تدبير المرحلة” قتلا وسجنا وتشويها وبهتانا وكذبا وعنفا لم يسلم منه حتى الأئمة والخطباء وحملة القرآن الكريم في “دولة إسلامية” لها مجلس علمي أعلى يرأسه “أمير للمؤمنين”.

علمتنا سنة الله في الكون أنه ليس هناك مكان بين العدل والاستبداد، فإما أن يسلبك المستبد كل شيء رزقك وحريتك وكرامتك، وإما أن تنال كل ذلك وغيره إذا رفعت رأسك وصوتك في وجه الطغيان والجور.

إن الشعب المغربي عودنا – رغم ما مورس عليه ويمارس – أن يكون في الموعد مع التاريخ وأن يقول كلمته المجلجلة كلما دعته الضرورة التاريخية لإسماع صوته، فأكيد – إن شاء الله – أنه لن يتخلف عن موعده ذلك، ولن يتنكب طريق العزة التي تسلكها الأمة جمعاء بشكل غير مسبوق منذ ستة أشهر.

لكل ما سبق، فإننا في جماعة العدل والإحسان، نرفض أن نشهد الزور، ونتحمل المسؤولية أمام الله عز وجل وأمام الشعب في رفض هذا الدستور، ونتشبث بكامل حقوقنا في التعبير عن رأينا، وندعو كل الشرفاء من أبناء هذا الوطن إلى التكتل لرفض هذا الدستور المفروض فرضا.

إنها كلمة الحق التي سنبقى صادعين بها مهما كان الثمن.

إن الشعب المغربي، كباقي الشعوب، يستحق دستورا ديمقراطيا وليس دستورا مفروضا يكرس الاستبداد، لذلك ندعو إلى مقاطعة الاستفتاء الدستوري التأكيدي المعروفة نتائجه سلفا، والذي سيكون على أساس لوائح انتخابية مغشوشة وغير سليمة بإجماع كل مكونات الساحة المغربية، وتشرف عليه وزارة الداخلية المعروفة بتاريخها في التزوير والضبط والتحكم.

المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

الرباط في 20 رجب 1432

23 يونيو 2011