تذكير

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالات باحثة عن معضلة العمل السياسي والمجتمعي في المغرب وكاشفة لموطن أزمة التفكير السياسي حين التعاطي مع قضايا مصيرية؛ كقضية الدستور، سواء من حيث منهجية بنائه وسياقات تعديله وبلورة مضامينه وآليات تنزيله.

لذلك، وفي ظروف صعبة يمر بها المغاربة اليوم بين يدي وضوح في شأن إرادة الشعب في التغيير والإصلاح الحقيقي، وأمام إصرار بنية نظام سياسي على الحرص على امتلاك السلطة والثروة وامتصاص إرادة التغيير عبر جرعات شكلية والالتفاف على هذه الإرادة باستثمار رصيد تاريخي من خبرة الترويض والتدجين والقمع والحصار والتشويه والتهميش للمعارضة الداعية إلى التغيير منذ فجر الاستقلال السياسي الصوري، لذلك نؤكد، مرة أخرى، على أن نظام التفكير السياسي في قضايا مصيرية لابد أن يمتلك قدرا كبيرا من العلمية والمسؤولية والجرأة والحكمة بالنظر بعيدا واعتبار حقوق الأجيال القادمة عند تصديه لقضايا لا ترتبط بالجيل الحالي وببعض حقوقه المهضومة في الحرية والعيش الكريم فقط، بل تمتد لتغطي مصير الأجيال القادمة، وهو ما ينتج فكرا استراتيجيا يمكن من الفهم العميق للواقع المعيش ونقده نقدا جذريا متكاملا، مما يؤهل لبناء استراتيجية نضالية مجتمعية متكاملة.

فمنذ أن تحرك الشباب في حركات 20 فبراير وفي سياق آثار ما سمي بالربيع العربي تأكد أن المغاربة أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما يكون النظام هو المسؤول عن أيهما سيختار الشعب المغربي أمام الاستمرار في التعبير عن إرادته في التغيير:

1- تراجع القصر إلى الوراء وتفويض السلطة للشعب بعد رد كل مظالمه السياسية والاجتماعية وغيرها وفق خطة تكون فيها الأمة حاضرة ومراقبة ومحاسبة وليس على طريقة طي صفحة الماضي من خلال تعويضات مالية.

2- التشبث الأعمى بالمواقع، وهو حتما سيؤدي إلى مواجهة بين إرادة التغيير وإرادة مقاومته؛ إرادة التشبث بالمواقع السياسية والمالية والاقتصادية، ولاشك أن هذا الخيار سيؤدي إلى مهالك كثيرة بمعيار النظر المجرد وإن كانت بمعيار التغيير الشامل أمرا لابد منه، لأن ساعتها تكون حركة التغيير في موقع لا يقبل نهائيا الوقوف في منتصف الطريف بما هي حركة امتداد تاريخي.

من هنا، وبعد العرض الرسمي لوثيقة الدستور، لابد من التذكير بضرورة فتح نقاش واسع حول كليات ومرجعيات الدستور المغربي كمدخل أساسي لفقه وفهم مسار التغيير والإصلاح في المغرب والوعي بأفقه الموضوعي، ذلك أن أفق حركات 20 فبراير لن يكون معارك جزئية حول تفاصيل دستورية، وإنما الأساس هو حول المرجعية التي تبني كليات الدستور وتشكل روحه الناظمة لتفاصيل أبوابه وفصوله وقوانينه التنظيمية.

ولذلك فلسنا في حاجة إلى تقييم جزئيات التعديل الدستوري من حيث منهجية بنائها وصيغ تنزيلها حتى تصير واقعا، لأن ذلك لن يكون إلا جزء من أجزاء التفعيل على الطريقة المغربية الرسمية، وإنما تكفينا الخطوط العريضة للدستور “الجديد” لندرك أننا بحاجة إلى جرأة كافية لنقول علميا ومعرفيا وعمليا إن المغاربة لن ينفتحوا على واقع الحرية الحقيقي إلا إذا ناقشوا كليات دستور تكرست طريقة بنائه وتعديله وتنزيله على عقلية المِنح، وهي عقلية ناتجة عن تكوين فكري وبناء نفسي تاريخي مقتضاها: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، عقلية ممتدة في عمق التاريخ المغربي راكمت خبرتها لتؤسس نموذجا مغربيا في الحكم الاستبدادي يراد له التأبيد من خلال مرونة كبيرة في التكيف مع المعطى الواقعي وتسخيره لضمان الاستمرار والامتداد في المستقبل.

كليات الدستور المغربي

لابد من التأكيد هنا على أن حركة التغيير الجذري لا تروم أساسا هدم الدولة والسلطة لأنهما مؤسستان يشكلان مكسبين عظيمين للبشرية في التنظيم والتدبير العامين والخاصين، ولذلك فحركات الربيع العربي كانت واعية بهذه القضية وراهنت على توفير الظروف والشروط المناسبة لإفراغ هاتين المؤسستين وفروعهما الهيكلية والتنظيمية بكل القطاعات والمجالات من قيم الاستبداد والفساد وعناصرهما المادية والبشرية والمعنوية، أي من قبضة الأنظمة الاستبدادية، وإعمارهما بقيم الحرية والعدل والكرامة.

لذلك فالدستور لا يستمد شرعيته وقيمته من النظام السياسي الذي طالما صاغه على مقاساته وتكيفاته مع المعطيات الجديدة داخليا وخارجيا، وإنما يستمد الشرعية والاعتبار من حركة نهضة تاريخية عامة للشعب واعية ومستوعبة لمطالب المرحلة والمستقبل والمصير.

ومن هنا فليست أبواب الدساتير وفصولها وقوانينها التنظيمية هي المتحركة في الواقع اليومي والحياتي للناس والأمم فقط، بل كليات ومرجعيات هذه الدساتير التي تصنع نوع التربية ونوع العلم وطرائق التعلم والتنشئة ونظام العلاقات السياسية والمجتمعية من خلال إجراءات تفصيلية تغطي كل المجالات والقطاعات. ربما تحتاج في مرحلة ما إلى مستويات من الإصلاح التي عليها تتشكل قواعد المعارضة والنقد الرسميين لا على قواعد الانتباه إلى ماهية الكليات والمرجعيات وعلاقتها باختيار الشعب الحر وبمدى خدمة مستقبله ومصيره التاريخيين، إذ على هذه الأرضية الجامعة تصاغ الدساتير وتتغير بحسب الاستجابة الاجتهادية والتنظيمية لكل مرحلة ولمدى علاقتها بالمراحل التي تليها تحقيقا لأفق استراتيجي جامع.

ومن ثمة فحركات التغيير الجذري لا تسقط في فخ الاحتواء والترويض والتدجين كلما توفرت على حس نقدي مرجعي منتبه إلى علاقة كل تغيير أو إصلاح بواقع الحرية في الحاضر وبماهيته في المستقبل؛ فحركة الأمم التاريخية لا تكون من أجل جزئيات دستورية أو معيشية، لأن هذه مهمة المعارضة الإصلاحية الرسمية.

ومن ثمة تختلف المواقف السياسية باختلاف مواقع المعارضة وماهياتها.

وما ينبني على هذا أنه ينبغي تحديد ماهية وأفق حركة التغيير المطلوب اليوم بما هو مطلب شعبي واضح. ولعل الاستمرار المسؤول في كشف كليات الدستور القائم من المقدمات الواجبة لذلك.

فإلى كشف كليات الدستور المغربي ونقدها.

ينبني الدستور المغربي على ثلاث كليات، هي ركائز النظام السياسي الأساسية:

الأولى: كلية دينية (إمارة المؤمنين).

الثانية: كلية تاريخية (امتداد عميق في التاريخ المغربي)

الثالثة: كلية سياسية (الاختيار الديمقراطي حسب مقاس محكم، والذي كان تتويجا محكما من خلال اندماج النظام السياسي الواعي في صيرورة التجربة الغربية الحديثة) (يراجع مقالنا: أفق التغيير في المغرب، وكتابنا الإلكتروني: وهم الديمقراطية ومداخل الحرية في المغرب).

وقد تحالفت هذه الكليات في سياق حركي طويل وفر ثلاث صور سياسية واقعية حاكمة للعملية السياسية جملة وتفصيلا من خلال احتكار السلطة والثروة وتسخير كل واحدة منهما لخدمة الأخرى، مما شكل واقعا طبقيا ونخبويا متفاوتا عقد عملية أية معارضة في جمع قوة الشعب المغربي في اتجاه التغيير والإصلاح الحقيقيين:

الصورة الأولى: الكل موجود ولا أحد يشكل قوة مؤثرة، وهي قاعدة هامة في التوازن السياسي والمجتمعي الذي يقوده النظام وحلفاؤه، مما جعل أغلب التنظيمات والشخصيات تعود في آخر المطاف النضالي لتربط وجودها المصيري ببقاء واستمرارية النظام السياسي الحالي.

ولاشك أن هذه القاعدة عقدت نظام التفكير السياسي لدى النخبة في المغرب وجعلت منه تفكيرا جزئيا، غالبا، لا يستطيع أن يوفر آليات فكرية وعملية قادرة على اختراق بنية النظام السياسي وتفكيكها لتأهيله أو تغييرها في الاتجاه الصحيح وفتح أفق الحرية للشعب المغربي.

الصورة الثانية: شعب ملكي وملكية شعبية، وهي المقصودة في الخطاب الرسمي بالخاصية المغربية عند التحدث عن واقع الملكية في المغرب.

ولاشك أن الفراغ الكبير والهوة السحيقة التي صنعتها القبضة القرونية للاستبداد التاريخي في المغرب بين الشعب ونخبه من علماء ومفكرين ومثقفين ساهمت بشكل كبير لتكون هذه الصورة الوهمية واقعا استغاث مؤخرا بدور “المقدمين والشيوخ” لأجل التعبئة للأطروحات الرسمية.

الصورة الثالثة: كل المؤسسات موجودة ولكنها وظيفية وخادمة للمؤسسة الأم (القصر)، بحيث يمكن لكل المغاربة أن ينخرطوا في فعاليات المؤسسات السياسية والمجتمعية ولكنهم مجرد موظفين عاديين أو سامين بما هم أشخاص ماديين أو معنويين. وهي مؤسسات ضعيفة تُقوى بحسب الحاجة إليها وتضعف بحسب درجة الاستغناء عنها، وهو ما أفقد المنافسة المجتمعية والسياسية وغيرها، بصفة عامة، أية قيمة، لأنها غير مؤطرة بواقع الحرية الذي تنفتح معه آفاق البناء المجتمعي الذي لا يكون إلا بتكافؤ الفرص وتقاسم التضحيات والمسؤوليات ومن ثمة توفير جو عام ضامن للأمن والاستقرار والاطمئنان والاستفادة المتساوية من خيرات البلد وإنتاجاته المتنوعة.

ولاشك أن تحكم هذه القاعدة الصورة في العملية السياسية والحركة المجتمعية والاجتماعية جملة سيؤدي إلى احتكار السلط وتجميعها في يد واحدة مهما كانت التفريعات الدستورية والتنظيمية التي تؤكد على مبدأ الفصل بينها.

بين يدي هذه الكليات الجاثمة على صدر الدستور والمانعة له من تنفس الصعداء واستنشاق هواء الحرية، والتي تشكل الركائز الأم للنظام السياسي في المغرب، يترسخ الاعتقاد أننا أبعد ما نكون عن وضع الخطوات على سكة التغيير وأننا نخطئ اتجاه مدخل الحرية.

ولذلك ما لم تحصل نهضة علمية ومعرفية وعملية مجتمعية قادرة على نقد هذه الكليات نقدا ينتج تفكيكا صحيحا لبنية نظام سياسي ممتد في الوعي والنفس والتاريخ ويملك كل وسائل المرونة، أيا كان شكلها ومضمونها، للامتداد في المستقبل.

إن هذه النهضة، التي يصر النظام السياسي وحلفاؤه على قمعها وتهميشها وحصارها، هي التي ستحسم بوعي مجتمعي هائل من خلال الجواب عن السؤال: ما هو النظام السياسي الأصلح لنا في المستقبل القريب: هل الحفاظ على الأمر الواقع والعمل على تطويره ضمن كلياته وأصوله، أم هناك خيار آخر على المغاربة، بما فيهم مكونات النظام السياسي الحالي، الاقتناع بأنه الخيار الذي سيجنب الأمة مهالك عظمى؟ إذ مع الحركات التاريخية الشعبية حينما تحصل لحظة الاصطدام بين إرادة التغيير وإرادة مقاومته ميدانيا يكون الثمن باهظا، ولئن خفف من وطأته زوال الاستبداد والفساد وبدأ المرحلة الانتقالية مهما طال زمن المواجهة. ولعل الربيع العربي خير دليل.

في نقد كليات الدستور المغربي

النقد هنا عملية متكاملة تحلل وتركب بناء على نتائج التحليل؛ فهي عملية تفكيك شاملة، لذلك لا يعتقد أحد أنها سبح نظري وترف فكري، بل هي ضرورة قصوى ومصيرية لتحديد مسار بناء الواقع السياسي والمجتمعي في المغرب ومستقبله. ولاشك أنه سيتهرب منها من يخاف نتائجها مسبقا أو من لا يملك الوسائل العلمية والمعرفية والعملية لإنجازها، فيهرب إلى الأمام ليعتمد سلاح الإعلام المتاح اليوم للجميع لفرض تصور معين بالإكراه الإعلامي، وحتما هو تصور يسلم بالأمر الواقع ويبحث في الشبكة العنكبوتية عن كيفيات تطويره بما هي مادة جاهزة.

إن عملية النقد الموضوعي ستفضي إلى خيارين:

الأول: صلاح وصواب كليات الدستور المغربي القائم، وهي في الأصل ركائز النظام السياسي، مع العمل على تطويرها وتوفير الإمكانيات المعنوية والمادية لضمان فعالياتها وجدواها في المستقبل. ولاشك أن هذه منهجية الملك محمد السادس والأحزاب الرسمية والنخب المتحالف معها.

الثاني: عدم صواب وعدم صلاح هذه الكليات والمرجعيات للمرحلة المعيشة والمستقبل المنظور فضلا عن مستقبل الأجيال العريض والكبير والذي لا يعلم إلا الله تعالى تفاصيله وحيثياته في حين تريد الأنظمة الاستبدادية القرونية أن تفرض نمط حكم على هذا المستقبل.

وهنا ينبغي أن يتحدد المدخل الجامع لبناء المستقبل بالتأسيس الحقيقي لبناء قواعد الحرية الحقيقية.

وهذا ما يدفعنا دوما لعرض هذه الكليات للنقد والمناقشة والحوار المجتمعي والسياسي والفكري، وإن أدينا ثمنا على هذا العرض وما زلنا نؤديه ليقيننا أن في ذلك تكمن مصلحة الشعب المغربي والأمة قاطبة، ونصر على عرض واقتراح مدخل الميثاق الجامع والأفق الاستراتيجي المصيري للأمة المؤطر ليوميات العمل الميداني وتفاصيله.

أ- الخلافة وإمارة المؤمنين

يأتي هذا العنوان استمرارا في بيان الخط السياسي لمشروع العدل والإحسان الذي يتعرض دوما للتشويه والحصار وسوء الفهم، وهي عوامل تدفع كثيرا من الباحثين من أبناء الجماعة ومن غيرهم لمزيد البحث عن مضامينه وتفاصيله العلمية والعملية.

الخلافة أصل كلي مرجعي، وأفق استراتيجي مصيري يعني كل الأمة الإسلامية شيعة وسنة وغيرهم من طوائف المسلمين، بل أكثر من ذلك؛ إن الخلافة لا ترتبط بوجود الإسلام والمسلمين من حيث هم فرادى بدليل أن الإسلام في انتشار مطرد على المستوى الفردي، ولكن الخلافة في التصور الإسلامي هي مطلب إنساني كوني يقترحه الإسلام تصورا على العالم لأجل بناء القواعد الصحيحة للحرية الحقيقية والعدل الإنساني والكرامة الآدمية. ولهذا تفاصيله في مشروع العدل والإحسان.

ولذلك فإمارة المؤمنين قضية جزئية جدا جدا وثانوية جدا جدا في التصور الخلافي الإسلامي، ومن ثمة فأي خلط بين مفهوم الخلافة ومفهوم إمارة المؤمنين هو مدخل حقيقي للارتباك في الفهم والتصور وفي بناء المواقف وفي قراءتها. وهو ما يكشف على أن الذين اعتبروا أن ما تقترحه العدل والإحسان بديلا عن النظام السياسي الحالي هو نظام الخلافة فقد فقدوا البوصلة الحقيقية لتقييم واستيعاب وفهم مواقفها العملية. ولا حديث هنا مع الخرافيين عبر صفحات وبوابات الإعلام الارتزاقي.

فالخلافة مطلب إنساني اجتهد مشروع العدل والإحسان في بيان أسسه العلمية والمعرفية والتربوية والحركية بما هو نظر استراتيجي مصيري وفر وعيا سياسيا كبيرا في تأطير وبناء مراحل العمل الدعوي السياسي وتدقيق المواقف خلال هذه المراحل.

إن الخلافة بوصلة علمية معرفية إنسانية وفق التصور الإسلامي لواقع العلاقات الدولية بين الدول والشعوب، ولذلك لا خيار للأمة، بما هي أمة الإسلام، إلا أن تتحرك في اتجاه هذه البوصلة قياما بالواجب الإنساني شاء من شاء واعترض من اعترض. ولعل نهضة الشعوب اليوم لإسقاط الاستبداد والفساد وبناء قواعد الحرية والعدالة الاجتماعية خطوة تاريخية وهامة في الطريق، وستحصل لحظة الموافقة التامة بين إرادة الأمة وإرادة الإنسانية للقيام بهذه المسؤولية العظمى، وذلك طريق طويل وشاق.

ومعنى هذا، فيما يخص موضوعنا، أن الموقف من النظام السياسي الحالي ليس موقفا مبنيا على فتوى فقهية جزئية، وليس موقفا سياسويا يروم المزايدة السياسوية على الخصوم لمزيد إحراج ولكسب مواقع ومغانم، بل مرتبط بالوعي الكبير بعلاقة إنجاز وتحقيق مطالب الشعب اليوم، سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية وغيرها، بحقوق الأجيال القادمة في الحرية والكرامة الإنسانية.

إنه من الجريمة الكبرى في حق الأجيال القادمة أن نفرض عليهم نمط حكم، إذ الواجب وجوبا كاملا العمل على توفير شروط وظروف الحرية والعدل والكرامة الحقيقية للأجيال القادمة، وهي تختار نظام حكمها وطرقه ومضامينه وتفاصيله. لذلك فلن توقع العدل والإحسان على أي صورة من صور الحكم ما لم تكن خادمة لهذا المطلب الجوهري والمصيري، إذ من دون العمل لهذا المطلب العظيم لن تكون العدل والإحسان.

فالخلافة، إذن، ليست نمط حكم بقدر ما هي قواعد كلية قائمة على ركائز العدل والحرية والكرامة ولكل مرحلة شكلها المناسب لها الذي يحدده جيلها. ومن ثمة فلو كنا نريد أن نعيش لزماننا فقط لما تكبدنا هذا العناء الكبير وهذا الضغط الشديد وهذه الآلام التي تهون أمام ما ينتظرنا جميعا من كبير خدمة وعظيم بذل لهذه الإنسانية المعذبة بفعل استكبار المستكبرين وظلم المتسلطين وفساد المفسدين.

إمارة المؤمنين صفة أطلقت على خليفة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، عمر بن الخطاب، ومن ثمة فليست هي الخلافة ولا تعبيرا عنها إن جردت من سياق تفاعل قواعد الحرية الحقيقية والعدل الشامل والكرامة الآدمية الإنسانية، وهي القيم التي ضحى من أجلها رسول الله وصحابته الكرام.

ولذلك فنقد الكلية الدينية هنا، المتمثلة دستوريا في إمارة المؤمنين، لا يهدف إلى بيان أنها ليست خلافة، ولاهي إمارة المؤمنين العمرية، ومن ثمة وجب الاعتراض عليها، وإنما لأنها تزييف تاريخي علومي أربك حركة الأمة تماما على مستوى نظام تفكيرها وتفاصيل حياتها وأفق مسارها بإرباكها بعلاقتها الصحيحة مع الإسلام، إذ لا تظهر خطورة هذه الكلية الدينية إلا حينما ننتبه إلى تزاوجها مع عمق تاريخي لنظام سياسي ليس وليد نهضة مجتمعية بقدر ما هو تغلب فئة على فئة في ظروف تاريخية ومجتمعية وسياسية مكنت الغالب من الاستمرار في الحكم ليؤسس لقواعده عبر مسار تاريخي طويل جعل الملكية الوراثية جزءا من ماهيته وخاصية وجوده، وهي معضلة فكرية ونفسية ومجتمعية وسياسية تفرض نقاشا واضحا حولها لتجديد العلاقة بها أو لتغييرها إذا أصبحت غير مناسبة للواقع المعيش والمستقبل المنظور.

لذلك فالنقاش الفكري والأصولي باعتماد المنهجية الأصولية التقليدية في نقد هذه الكلية غير مناسب تماما وإن يكشف عن ثغرات هائلة ضمن بنيتها، لأن هذه الكلية لن تنهزم أمام منهج البحث عن شرعيتها من عدمها، لأن نظام التفكير في الباب محكوم بقبضة هذه الكلية نفسها في الفقه السياسي والأصولي الموروثين. ومن ثمة فإن هذه الكلية لن يتحصل فهمها ونقدها إلا من خلال قوة علمية تستمد مضمونها من قوة مفهوم الخلافة بما هو كلية علمية دلالية شاملة؛ أي أن فهم واقع “إمارة المؤمنين” كدلالة مزورة لن يتحصل معناه الصحيح إلا من خلال العلم بمعنى الخلافة من حيث هي أصل علمي كلي حاكم لابد أن يتحرك على أرض الواقع ليبني تفاصيله من خارج قواعد جزئية مزورة معنى وسياقا.

وهكذا نستطيع أن نزيل اللبس في فهم موقع معارضة جماعة العدل والإحسان وإدراك موقفها السياسي الجذري، ومقتضاه: لا يمكن أن تسلم جماعة العدل والإحسان مستقبل الأجيال القادمة لقبضة كلية لا تسمح بالانفتاح الحقيقي على قيم الإسلام العظمى في بناء العلاقات المجتمعية ونظامها، والعلاقات الدولية ونظامها وقواعدها، بل إن هذه الكلية من أكبر الحجب لهذه القيم، خاصة لما ندرك خطورة تزاوجها مع كلية سياسية تتجلى في الاختيار الديمقراطي على مقاس خصوصي! ذلك أن تزواج هذه الكلية مع اختيار الديمقراطية عبر اندماج النظام السياسي الواعي في التجربة الغربية زاد الأمر تعقيدا ولخبطة (سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية، والإسلام هو المصدر الرئيس للتشريع؟)؛ فلا نحن أمام كلية دينية صحيحة ولا نحن أمام ديموقراطية حقيقية.

إن كثيرا من علمائنا ما سكتوا عن هذا لأن النصوص الواضحة تمنعهم من ذلك، ولكن لأن أغلبهم محكومون بقبضة منهجية أصولية تقليدية لا تسمح بالانفتاح على أفق تجديدي شامل قاطع مع التسلط والغلبة السياسية، لذلك فهم يقلبون بين أيديهم بعض القواعد الأصولية والمقاصدية في تبرير الواقع، ولاشك أن كل من يتابع تصريحاتهم ومواقفهم يكتشف وكأن هؤلاء الرجال قابضون على الجمر يخافون من رميه حتى لا تشتعل نار تلتهم الجميع.

إننا أمام ضرورة علمية وهي الكشف عن علاقة الزور بين هذه الكلية الدينية وقيم الإسلام الحقيقية في الباب، ولذلك ثمنه…….. وأفقه.

ب- الاستبداد والديمقراطية ومطلب الحرية

كان من قدر المغاربة أن يعيشوا تحت قبضة الاستبداد من خلال “الديمقراطية”، وهو تزوير مريع حينما تكرس فقد الحرية من خلال بناء معنى خاص للديمقراطية، كما كرست المعنى الديني للحكم من خلال مفاهيم مزورة المعنى تماما.

فلما تأتي بأبسط عداد في الحساب ويقوم بعملية الجمع لكل صناديق الاقتراع عبر التراب الوطني سيجد كلمة واحدة: الاستبداد، وهو نفس الشيء منطبق على الدستور حيث إذا جمعت فصوله المائة والثمانون لن تجد إلا الاستبداد المطلق، وهكذا؛ فكل عملية جمع في المغرب تعطيك الاستبداد نتيجة حتمية من خلال جزئيات الديمقراطية المغربية.

ومن ثمة لابد من كشف العلاقة المزورة للنظام السياسي في المغرب مع الديمقراطية الحقيقية، وهو مدخل فكري وسياسي حركي لابد منه للكشف عن فساد المرجعية الدستورية في المغرب وأنها لن تسمح بأي إصلاح حقيقي.

إننا لن نخوض في كثير تفاصيل لبيان المراد هنا، ولكن المقصود هو أن تفكيك علاقة النظام السياسي مع معاني الديمقراطية الحقيقية لا يقل أهمية عن تفكيك علاقته مع قيم الإسلام الحقيقية في الحكم، كما لا يقل أهمية عن ضرورة التأكيد على أنه لن يستطيع نظام سياسي صارت ماهيته تتكون من تحالف وتزاوج هذه الكليات الثلاث والتي أفرزت لنا سلطة ارتبطت ماهيتها بضرورة احتكار الثروة ومصادرها.

وهكذا فالمغاربة لا يبحثون اليوم عن تعديلات دستورية، بقدر ما يبحثون عن المدخل الذي يخلصهم من قبضة هذه الكليات وتفاصيلها التي صارت أخطبوطا فتاكا أفقدهم كل معاني الاستقرار والأمن والاطمئنان، أخطبوط يرونهم في كل جزئيات حياتهم اليومية لحظة بلحظة وساعة بساعة ودقيقة بدقيقة؛ أخطبوط الفساد ومصادره، والزبونية وآلياتها، والمحسوبية وقواعدها.

وهكذا، فحينما تنظر في أبواب الدستور وفصوله وتبحث عن روحه ومضمونه لن تجد إلا تكريسا لواقع الكليات الثلاث، وهو واقع الاستبداد والفساد.

فهل يدرك النظام السياسي أنه بتكريس هذا الواقع يدفع البلاد إلى الهاوية، وساعتها سيفقد كل شيء، وستبقى إرادة الأمة قائمة حتى بناء واقع الحرية الحقيقية لأنه مطلبها المصيري.