واضح أن المشروع الذي قدم خطوطه العريضة خطاب 17 يونيو اهتم حصريا بالتخريجات على حساب المخارج، ولو اهتم بالمخارج ما كان له أن يصاغ بهذه الطريقة شكلا ولا مضمونا، وفي اعتقادنا الضعيف أنه حتى وإن تبنى المشروع في المرحلة الثانية من إعداده نظرية المخارج ما كان ليوفق في ذلك بالنظر إلى طبيعة المداخل وسقف المطالب التي اتسمت بها أجواء التعديل الخامس للدستور: ملكية برلمانية بدون خصوصيات،الفصل بين السلطة والثروة، فصل السلطات مع توازنها وتناغمها، التنصيص على محاسبة المفسدين، اقتران المسؤولية بالمحاسبة…

من يقرأ قليلا عن التحولات الديمقراطية عبر العالم ويتابع تحليلات المختصين بشأن الخطابات السياسية الرسمية، سيستنتج أن المغاربة في الشهر القادم مدعوون أكثر إلى بيعة المملكة الثانية منها إلى الاستفتاء على مشروع الدستور، وذلك بالنظر لعدة أسباب:

• ابتدأ مسلسل التعديل بتعيين الملك للجنة الدستور وتعيين رئيسها وسميت اللجنة ب”اللجنة الملكية لتعديل الدستور”؛

• عين الملك أحد مستشاريه البارزين لتولي الإشراف على الآلية السياسية لمتابعة الدستور، كما رسم الملك حدود وتصميم الدستور من خلال خطاب 09 مارس، وحدد وفق أجندة مقررة خارطة طريق الآلية المتبعة لإدماج الأحزاب والهيآت في المبادرة؛

• تكتمت اللجنة على ملابسات وأطوار الإعداد حتى أنهت أشغالها وسلمت المشروع، هذا مع بعض الخرجات الإعلامية الرامية إلى خفض سقف التوقعات المرتقبة؛

• مشاركة الأحزاب والهيآت النقابية كانت على سبيل الاستماع مع منع التمتع بصلاحية الاطلاع على المسودة، وهو ما أدى إلى ما تتبعناه من انسحابات مشروعة، لكنها وللأسف مستغربة من كل المشاركين الرسميين، بل ومستنكرة من البعض؛

• في الوقت الذي تعاني جل الأحزاب في جمع برلماناتها الداخلية بشكل استثنائي لمناقشة المسودة المقدمة مع التأخير، أعلن الملك للشعب مشروع الدستور؛

• لم يعلن الملك المشروع فقط، بل قال إنه سيصوت بنعم نظرا لأن الدستور سيضمن ربح قضية الوحدة الترابية حسب نص الخطاب؛

• على التو صرح الأمناء العامون للأحزاب أنهم سيصوتون بنعم، أما البرلمانات الداخلية فلازلنا ننتظر بياناتها ومبرراتها للتصويت.

مع كامل الأسف، هذه الآلية ستقسم المغاربة عمليا إلى مبايعين وغير مبايعين عوض أن تكون فرصة لاجتياز اختبار ديمقراطي لصالح الوطن والمواطنين.

صعب جدا أن يتقبل عاقل – في زمن آخر الصيحات الديمقراطية والتعايش السلمي – بهذه المقاربة المجسدة لشعار “معنا أو مع الإرهاب” بل إن الساسة والناطقين الرسميين والبلطجيين يقولونها بكل الوضوح “معنا أو مع أعداء البلد وأصحاب الأجندات الخارجية”. ونأسف للمرة الثانية لأنها تصريحات تعلن صراحة شعار “زنكة زنكة” على الطريقة المغربية.

لو أن الساسة عندنا تنبهوا لما يجري حواليهم لعلموا أن الوضع كان يقتضي ببساطة سماع صوت الشعب، ومحاولة التوافق معه حول قضايا الإصلاح وآلية المتابعة.

لكن فاتت الفرصة ودخل المغرب مرحلة ما قبل الحسم وهي مرحلة أراد لها النظام الرسمي أن تتسم بالاحتقان، ونتمنى ألا ينفتح البلد على المجهول.

الدستور الحالي بهذه الطريقة لم يحدد مخارج للإصلاح، بل أجهد نفسه للبحث عن تخريجات لإسكات صوت الشعب، وسواء اتسعت فترة التعبئة له أو ضاقت، لن نصل إلى حلول مقنعة، خصوصا أن الاقتراح انبثق تحت الإكراه وجواب المكره شرعا لا يجوز. فماذا كان الجواب:

• كثر الحديث عن مطلب الملكية البرلمانية، فجاء الدستور بتخريجة الملكية الدستورية البرلمانية… على شاكلة “إن شئتم زدتكم”؛

• تحدث الغاضبون عن حقهم في محاسبة المفسدين، فاقترح الدستور مؤسسة لمحاسبة الكبار ستنتظر من الكبار تحديد القانون المنظم لها؛

• تضررت حناجر المتظاهرين جراء المطالبة برئيس فعلي للجهاز التنفيذي، فجاء الرد باقتراح رئيس حكومة يترأس المجلس الحكومي ويصبح مرؤوسا في المجلس الوزاري صاحب القرار والفصل؛

• ما دام من أشرس الغاضبين دعاة لدسترة الأمازيغية، اقترح المشروع اعتبار الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وكأن حقوق المواطنة اعتراف باللغة على حساب تصفية مآسي التاريخ.

لو شئنا استخرجنا لكل مطلب جواب، وهي نباهة خارقة لواضع الدستور. لكن هل يمكن اعتبار كل ما طرح إجابات؟

نعم، إنها حقا إجابات، لكن أقل ما يقال في حقها، إنها خاطئة بامتياز إن لم نقل خارج السياق. لأن السياق هو بحث جوهر التعديل لا تعويماته. وجوهر التعديل بكل اختصار جواب عن سؤالين:

1. ما نوع النظام الذي نريد

2. لمن تكون السيادة في هذا النظام

فإذا كنا نريد نظاما ديمقراطيا، فمقتضياته حرية التعبير وضمان حق الجميع في تحمل المسؤولية … وهو ما انعدم بالكامل خصوصا في مواجهة مسيرات نهاية الشهر الماضي وما تلاها من اعتقالات ومحاكمات وتعد على الحق في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، بل التعدي على حق الحياة “يرحم الله الشهيد كمال عماري وكل شهداء الإصلاح”.

إرادة النظام الديمقراطي، تترتب عنها تمكين الشعب من السيادة، والسيادة في المعنى السامي هي إرادة التحكم والتقرير والمحاسبة.

بناء على ما سبق، وافتراضا منا على أن الاستفتاء -على غير عادته- سيكون نزيها، أين موقع الشعب في تجسيد السيادة من خلال صياغة المشاريع والقضايا المركزية والحساسة؟ بل أين هو من الحريات الأساسية والعيش الكريم؟

حاول المشروع الجديد أن يحدث بعض الإجراءات التقنية التي لا تحتاج في نظرنا أن تتصف بالسمو، لكن أبقى على المطبات بكل مضامينها، لأن حق “الفيتو” الواضح على كل هذه المقترحات سيكسر كل نية أو إجراء بديل عن الواقع الحالي المتسم بالفر دانية والاستئصال والاستبداد.

لن تخرج مضامين المشروع عن الخارطة التالية:

• حشد ترسانة هائلة من القوانين العامة والديباجات المفتقدة للدقة كمفاهيم وقوانين سامية وآمرة؛

• الإبقاء على جوهر النظام الحالي مع تمكينه من السيادة الموزعة في كل مجال على حدة؛

• مباشرة بعض التعديلات التقنية بخصوص المؤسسة التنفيذية مع الاحتفاظ بحق الحسم والمنع؛

• تبني بعض المؤسسات الجديدة للحكامة والعدالة الانتقالية مع تحييدها تحت طائلة التجميد؛

• اللعب على المفاهيم وتعويمها لاستيعاب بعض الشرائح الشعبية أو النخبوية المؤثرة: إسلامية الدولة، حقوق المرأة وقضية المساواة، احترام مواثيق حقوق الإنسان، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مع إبراز قضية البيئة…

• تغييب التكامل لربح قضية الدسترانية والتحكيم.

إجمالا أحاط المشروع كعادة المشاريع العربية بكل القضايا إحاطة استدراك لا مقاربة تحليل، لأن المشرع يعلم أنه لا سبيل إلى التنزيل مع سياسة المحاصصة والفسيفساء الحزبية وانعدام العقيدة الحزبية والسياسية.

لذلك سيبقى بيننا وبين الدستور الذي نريد مسافات ستقصرها الإرادة بدون شك، فالاستحقاق في نظرنا ليس هو الاستفتاء بل مضامين المشروع المقدم للاستفتاء، فلا تهم النتيجة إذن ما دامت الأرضية قلقة مهزومة. ولا تهم النتيجة ما دام اقتناعنا راسخا بوجود البون الشاسع بين أن يكون الاستفتاء تعبيرا عن إرادة أمة، وأن يكون انعكاسا لبلورة الاتجاه السياسي الرسمي.

فكلنا مع مقولة بورديو الشهيرة: ليس المهم أن نعرف كيف صوت الناخبون، بل المهم أن نعرف لماذا صوتوا، لأن احتساب عدد الأصوات يعتبر غير مجد إذا جهل معنى التصويت).

وليس أمامنا إلا أن نردد مع فلوري قناعته التامة: موضوع الانتخابات في البلدان العربية ليس تعبيرا عن الإرادة الشعبية، بل تعبير هو عن الإرادة الإلهية من خلال إجماع الأمة وتصويت أفرادها).

تصبحون على استفتاء.