استرق مفهوم التنمية أضواء العولمة الاقتصادية السائدة في وقتنا الراهن وأضحت أرقامها ومؤشراتها مفخرة علوا لبعض الأمم, وبالمقابل مهانة ودناءة للبعض الآخر.

التنمية والنمو من فعل نما ينمو مثل فعل ربا يربو لها دلالة على الزيادة والتطور, والمقصود بها مجموع التطورات والتغيرات الإيجابية التي يحققها بلد من البلدان على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والإداري والتعليمي والصحي وغير ذلك, بهدف تحقيق الرفاهية لأبنائه وضمان استمراريتها والتحكم في مصادرها ولو على حساب العديد من الشعوب المقهورة؛ ولذلك فهي مدار تنافس وتدافع بين الأمم, وصراع مع الطبيعة وتبديد لمواردها وتخريبها وتبذيرها بلا حدود.

ومع ذلك فإن هذه التنمية التي تنحصر في المطالب والرغبات المادية للإنسان, وبأي وسيلة وبأي أسلوب, تظل تنمية عرجاء في غياب المغزى الوجودي للإنسان وأخلاقه ومصيره بعد الموت, إنها تنمية تغذي الجسد وتهمل الروح, كطائر قُصَّ أحد جناحيه يحاول عبثا أن يطير! فأنى له ذلك.

فالتنمية الشاملة إذن ينبغي أن تأخذ في الاعتبار الأول الإنسان بما هو مخلوق لم يخلق عبثا, ولا ينبغي أن تمضي فترة حياته القصيرة هدرا, تؤزه شهواته أزا, ناسيا لآخرته غافلا عن ربه؛ إنها تنمية تقوم على عمارة الأرض والسير في مناكبها واستثمار ثرواتها دون البغي والإفساد فيها, ولن يستقيم أمر الدنيا إلا بما استقام به أمر الآخرة, وما هذه الحروب و الويلات والكوارث التي ترزح وتئن تحت وطأتها البشرية ببعيدة عما كسبت أيدي الناس, قال الله عز وجل وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.

التنمية المرجوة لا بد لها من شروط مادية ومعنوية, فأما المادية منها فتتمثل في ملاءمة الظروف وكفاية الموارد الطبيعية المتاحة دون إغفال تأثير الواقع الدولي, وأما المعنوية منها وهي التي تكتسي أهمية كبرى فتتعلق بمؤهلات الإنسان واستعداداته من إرادة وعزم لا يلين ودقة تخطيط وامتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا, وقبل ذلك كله تمكين الإنسان من استشعار كرامته الآدمية وحرمته وحريته وعزته, ومن ثم استشعار المسؤولية والأمانة حيال نفسه وبني جنسه وبيئته حاضرا ومستقبلا, والعمل الدؤوب في سعي حثيث ليس لأجل تنمية آنية فحسب, بل لتشييد أسس متينة للتنمية المستدامة التي لا تبغي الفساد في الأرض بالاستغلال الجشع والتلويث البشع؛ قال الله المنان عز وجل في سورة الإسراء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر و البحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا, خالقه يكرمه ويفضله وفراعنة الخلق تهينه وتجرده من مكرمة وهبها الملك الوهاب إياه! وقال الفاروق عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)!

إن الإنسان المستعبد المهان والمهضوم الحقوق لن يعمل ولن ينتج بإخلاص لتحقيق التنمية, إنما يعمل اتقاء أذى المستبد المتحكم أو طمعا في نوال يرجوه, ولا يقوم بالمهام الموكلة إليه إلا تحت طائل المراقبة والمحاسبة, وغالبا ما يكون مترقبا للغش والاختلاس كلما سنحت له الفرصة, ولا شأن له بالمصلحة العامة الجماعية, لسان حاله يقول: “أنا وبعدي الطوفان”.

سلام على التنمية والتنمية المستدامة إذا عطل الموظف مصالح العباد, وتهاون المدرس في تربية وتعليم الناشئة, وتباطأ الطبيب في القيام بواجبه, واستفحلت الرشوة والزبونية والمحسوبية, ذاك حال الإنسان في ظل أنظمة الاستبداد الجبري الجائر, فهي التي تتحمل النصيب الأوفر من وزر هذا الفساد, وهي التي أعاقت تنمية الإنسان وحضارة الإنسان… أنصع النماذج لهذه الأنظمة في بلاد العرب والمسلمين عجل الله فرجهم, آمين.

وعلى العكس مما ذكر نجد الإنسان المكرم المعزز المسؤول يتحرك وينتج بوازع داخلي وبدافع المصلحة العامة, متحفزا متوثبا للصالح العام, يسعى جاهدا للنهوض بأمته لتتبوأ مكانة رفيعة في مختلف ميادين التنافس والصراع والزعامة والسيطرة, ولا أدل على ذلك من مثال الإنسان الياباني الذي أبهر العالم بإنجازاته رغم انعدام الموارد الطبيعية وقساوة الظروف, وكل البلدان التي انعتقت من ظلام الاستبداد وأخذت مصيرها بيدها, هي من تختار حكامها وتتابع إنجازاتهم وتحاسبهم, وتضع سياساتها في جو من التشاور والديمقراطية, فشعوبها معنية بتدبير شأنها العام, ما يجعلها متحفزة للبناء والرقي, نافضة عن نفسها غبار الخمول ومنطلقة نحو التنمية بالرغم من جسامة التضحيات.

عندما تنتزع شعوب أمتنا المظلومة كرامتها الكاملة, إذ من المؤكد أن أي فرعون لن يقوم بمغادرة طوعية, وتلك ملحمة دونها خرط القتاد, إلا أن ييسرها الله رحمة بالعباد, أقول: عندها سيرى العالم العجب العجاب, سيرى الشعوب “الخاملة” المأسورة بالأمس منطلقة نحو التقدم, تطوي مسافة الزمان التي سبقها بها الغرب الصناعي العلومي, تخصم من قوت عيشها الزهيد أصلا, وعن طيب خاطر, لأجل إنجاز المشاريع التنموية والاستراتيجية والتيكنولوجية العالية الجودة.

هكذا يكون يكون حال تونس ومصر إن شاء الله, وتتحرر بلاد المسلمين ورقابهم تباعا بإذنه جل وعلا من مخالب وأنياب الوحوش الديكتاتوريين, لتقدم أمة الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبشرية المثال الحي للإنسان الطاهر المصلح والنموذج الأرقى التنمية المستدامة الحقيقية بكل أبعادها, وإنها لعقبة واقتحام حتى النصر, وما ذلك على الله بعزيز.

وعليه نخلص إلى أن الاستبداد, بما هو مصادرة وتحطيم للكرامة الآدمية, يعرقل تنمية البلاد والعباد ويحول دون استفادتهم مما سخر لهم الخالق سبحانه من نواميس الكون وخيراته, وجعلها لهم متاعا حسنا, وأرادها لهم بجوده وإحسانه مزرعة للآخرة ومطية إلى النعيم المقيم في دار الخلود. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.