كل أمة تَحْمِل في ذاتها مقومات نهوضها من كبوتها وقومتها من سقطتها ورجال انبعاثها من جديد بعد كمونها وأفول نجمها. والأمة الإسلامية بشعوبها بعدما عانت من صدمة الاستعمار وما تمخض عنه من مسخ للفطر وصياغة للعقول وطرد للدين ونهب للخيرات وتكريس للتبعية وشل للإرادة الذاتية… وعانت عقودا من الحكم الاستبدادي، تعرف نهضة مستجدة وقومة متجددة وانبعاثا جديدا.

تعرف الشعوب العربية اليوم تحولا مشهودا بعد أن كان منشودا من الاستكانة إلى الاستماتة، فما هي عوامل الاستكانة؟ وكيف حصل هذا التحول؟ وما أهم إرهاصاته التي سبقته؟ وأية عوامل ساهمت فيه؟ أسئلة نقارب الجواب عنها في هذا المقال.

إن مرَدَّ استكانة الشعوب العربية إلى عوامل عدة، العاملُ الأساس أو أصلُ البلاء ومنبعُ المشكل هو فساد الحكم، وباقي العوامل تكون تبعا له ونتائجَ لمقدماته وحصادا لزرعه الخبيث.

أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث “تداعي الأمم” بأن منشأ غثائية الأمة هو الوهن، وفسره بحب الدنيا وكراهية الموت، وبالنظر في التاريخ الإسلامي نجد أن حب الدنيا تربع في عرش قلوب الحكام فنزعوا إلى جباية الأموال وجمع الثروات اغتناء على حساب الأمة، وقلد اللاحق السابق حتى سمعنا ورأينا ثروات حكام المسلمين اليوم تفوق مديونية شعوبها أضعاف المرات. ولما كان الحاكم يحب الدنيا فالمحكوم المغلوب على عوائده – دون إلغاء اعتبار ما جبل الله عليه النفوس من حب المال- فيسعى جهده لكسبه ويكد لجمعه وتَعداده، فصار مألوفا تحصيله من حرام والتهارش والتقاتل من أجله والتنافس غير الشريف في طلبه، وبات لغة التواصل الإداري (الرشوة) لقضاء المصالح وإحقاق الباطل وإبطال الحق، وكرس ذلك شيوع ثقافة الاستهلاك.

لم يحقق الحكام العدل في الاقتصاد إنتاجا وقسمة وتوزيعا، فرزحت شريحة عريضة من الشعوب تحت وطأة الفقر والبؤس، فانشغلت بهموم المعاش واستقالت عن الشأن العام. فالعدل في الحكم عامة وفي الاقتصاد خاصة ما يزال مطلبا للشعوب تتوق إلى تحقيقه.

إلى جانب اغتناء الحكام الفاحش وتفقيرهم الشعوب عملوا لإحكام قبضتهم على السلطة وتكريس استكانة الشعوب وتبعيتها لهم طوعا وكرها على:

– بث الخوف في النفوس بقمع المعارضين ووئد الانتفاضات في مهدها، وممارسة ممثلي السلطة بمختلف مراتبهم وبعض الموظفين الإداريين الإرهاب النفسي والتعسف على الناس، مما حدا بالآباء بوعي أو بغير وعي إلى زرع الخوف في نفوس أبنائهم لهول ما سمعوا عن سنوات الاختطاف والتعذيب…

– تشكيل طبقة سياسية موالية؛ فالأنظمة العربية أجادت فنون الاحتواء والإدماج لمن كان طيعا والاستدراج بكل الوسائل لمن كان عصيا، فوسعت دائرة الموالاة لها وقلصت دائرة المعارضة الحقيقية لها حتى وإن وُجدت يكون تأثيرها ضعيفا لا يرقى إلى مستوى تحرير الإرادات من الاستكانة، فخُلِّي بين الأحزاب الموالية وبين الشعوب ومُُكِّنت من وسائل التواصل معها، لكنها غلَّبت خدمة مصالحها الشخصية وكذَبت عليها في كل سوق انتخابية تُهَيِّجها بالخطابات الحماسية المرصَّعة بالوعود والشعارات وتُغِري بالمال شراء للذمم ضربا على وتَرَي الفقر وعدم الوعي. لكن توالي خيبات الشعوب مع تعاقب الولايات الانتخابية كانت كافية لتُعَرِّي حقيقة الأحزاب وتفضح فشلها، فيكون لعدم ثقتها في العمل الحزبي مُسَوِّغا واقعيا لا تحجبه التبريرات ولا الاعترافات بأخطاء الماضي ولا المتمنيات المستقبلية المُحتشِمة.

– توظيف الأنظمة للمال والسلطة ووسائل الإعلام لفرض منهاجها على الشعوب وإقناعها به في كل مناسبة، فالإعلام الوحيد لا يُكرِّس إلا منطقها ولا يصنع إلا رأيا عاما ترتضيه يخدُم مصالحها وتوجهاتها، ففي غياب الحرية الإعلامية التي تسمح بتقارع المشاريع وتدافع البرامج والسياسات وتضمن حرية الاختيار بين بدائل متعددة، لا تجد نسبة كبيرة من الشعوب بُدَّا – في غياب الوعي – من السير الأعمى مع الإعلام الرسمي مُنخدعة به مُصدِّقة له.

– تهميش الحركة الإسلامية ومحاصرتها بكل الوسائل والحيلولة بينها وبين الشعوب بالبهتان المفترى والتهديد والاعتقال والتعذيب… فأخوف ما تخاف الأنظمة أن يكون للحركة الإسلامية سند شعبي جماهيري خاصة بعد فشل الأحزاب في التأطير.

– نهج سياسات تعليمية تُفْرِغ المناهج والبرامج من المضمون التربوي المُستنِد إلى تعاليم الإسلام وقيمه، فتنشأ أجيال مغتربة عن دينها، أفواج من الشباب الرخو الناعم الغارق في مستنقع الميوعة والعبث، لكن ما أن اصطدم بالواقع المُرِّ والمستقبل الغامض والأفق المجهول المسدود، وما أن تفَتَّحت له بارقة المطالبة بالحقوق حتى تشَكَّل لديه وعي حوَّله من عبث ولا مبالاة إلى تَهَمُّم واهتمام ومن سلبية ومفعولية إلى إيجابية وفاعلية. وإن جادت مؤسساتنا التعليمية بأدمغة فلا مكان لهم في بلدانهم، إنما هم هدايا “رخيصة” للدول التي تجيد احتضان الكفاءات تَعِرف لها قدرها وتُنزلها منزلتها.

هذه العوامل مُجتمِعة وغيرها مما لم نأت على ذكره جعل أحزابا ومفكرين ومثقفين وأدباء يَدينون بدين الأنظمة فكانت الاستكانةُ سيدةَ الموقف خطابا وممارسة، إلا من رحم الله ممن اختاروا خط المقاومة والممانعة والمصاولة ودفعوا الثمن، فكانوا ملاذا لكل صوت حر ولكل ذي إرادة حرة تأبى الظلم وتتشوف للعدل. وفضَّل البعض الحيادَ ورفْضَ المدافعة خوفا وعجزا. وبقيت الشعوب تحيى حياة الذلة والخنوع والخضوع المشروط وغير المشروط.

إن رصيدا مهما من المقاومة والممانعة سطَّرته المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وقبلُ في أفغانستان والبوسنة والهرسك والشيشان بدماء زكية، وسجَّلته القوى المعارضة للأنظمة إسلاميين وغيرهم وكل صوت حر بمواقف ناصعة، ومثَّلته الشعوب العربية بفرحها بانتصار المقاومة في لبنان وغزة على اليهود، وخروجها في مسيرات ومظاهرات مليونية نصرة وتضامنا مع الشعبين الفلسطيني والعراقي ودفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسيء إليه. هذا الرصيد كان بمثابة نبضات أحيت قلب الأمة الواهن وتدريب ميداني لتفجير الغضب على صنائع الاحتلال وعلى خذلان الحكام واكتفائهم بالتنديد.

من حيث لا يحتسب الجميع جاءت الهَبَّات والغضْبات العربية الأخيرة قدَرا من الله على يد الشعوب، فسَرَت روح المقاومة في أوصالها، فتحققت مكاسب عظيمة: فرار حاكم تونس ورحيل حاكم مصر ليستميت الشعبان التونسي والمصري من أجل الإصلاح السياسي للنظامين الاستبداديين. وتبقى استماتة الشعوب الأخرى في مواصلة الاحتجاج تنظيما لاعتصامات ووقفات ومسيرات سلمية، وفي ليبيا استماتة من نوع آخر مقاومة مسلحة اضْطُرَّ إليها الشعب الليبي بموازاة مع التحرك السياسي.

إن استماتة الشعوب العربية بكل شرائحها وتلاوينها السياسية وانتماءاتها الحقوقية والنقابية والجمعوية والمدنية… مطلب عزيز ومطمح منيف دونه عقبات كأداء وصبر وصمود وبذل وتضحية وصدق ويقظة وحرص حتى لا يُلتفَّ على المطالب ويُسْحب البساط من إنجازات الشعوب وتُخدع كما خُدِعت زمانا، فالحكام لا يألون جهدا في احتواء الهَبَّات وقذفها باتهامات، ولا يتعففون من استعمال السلاح لقمعها، والشعوب واعية بالثمن تؤديه، وما الدماء الزكية التي سالت والأرواح الطاهرة التي عانقت الشهادة والاعتقالات التي طالت المحتجين… إلا ثمن أُدِّي يُعَلِّم صناعة الموت من أجل صناعة الحياة ويربي على العزة والشهامة والرجولة ، ولا يزيدها العنف ضدها إلا استماتة على استماتة حتى دحر الاستبداد.

لا خيار للشعوب سوى الاستماتة، ولا نجاح لها بدون الاشتغال على عقبات ثلاث:

العقبة النفسية: وهي أصعب العقبات، وتتمثل في كسرِ هاجس الخوف لدى الشعوب، وزرعِ الأمل والتفاؤل بالتغيير والثقةِ في القدرة على تحقيقه، ومعيارُ النجاح في هذه العقبة هو ازدياد المُحتجِّين عددا ونوعا، فالتحاق كل قطاع يشكل إضافة نوعية وقوة للاحتجاج.

العقبة العقلية: وهي عقبة لا تقل أهمية عن سابقتها، فالإقناع العقلي للشعوب عموما والشباب خصوصا بضرورة المطالبة بالحقوق والاستماتة في وجه الاستبداد يُعدُّ عاملا حاسما؛ ذلك أن الحماس الفوَّار النابعِ من اندفاع عاطفي إن لم يسْنَدْه اقتناع عقلي سُرعان ما تنطفئ شُعلته وتخبو جِذوته، فالأمر يقتضي أن يحصل وعي حاد وعميق بالمرحلة التاريخية واللحظة التاريخية التي تمر بها الشعوب العربية، يتضح لها الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بصورة جلية حقيقية لا تخطئ التشخيص، وتنجلي أمامها معالم مستقبل أفضل في كل المجالات، لكن من أولى الأولويات أن تَفْقَه وتُفَقَّه أن صناعة المستقبل لا تحصل بجرة قلم أو وَعْدِ لسان، بل بالانتقال من عقليةِ المطالبة إلى عقليةِ المشاركة الفعالة الواعية بثقلِ مهام إصلاح الفساد الذي يتطلب وقتا طويلا وتضافرا للجهود كلُّ من موقعه وحسب كفاءته.

العقبة العملية: وهي نتاجُ وثمرةُ النجاحِ في العقبتين السابقتين، فانتقالُ الغضبِ المخزون في النفوس على الاستبداد والوعيِ الكائن في العقول إلى سلوك احتجاجي يتخذ أشكالا متعددة ويحرز نجاحا بعد نجاح برهان النجاح في هذه العقبة، فتصعيدُ الإرادات والعواطف والهمم والجهود عامل حاسم وكلمة فصل.

جماعُ القول أن الشعوب العربية تعيش تحولا مشهودا مباركا من الاستكانة إلى الاستماتة، تحولا يُشكِّل منعطفا كبيرا في تاريخ الأمة نأمل أن يفتح صفحة جديدة تتدرج بها من المفعولية إلى الفاعلية ومن الذلة إلى العزة ومن التبعية إلى الاستقلالية، وهذا رهين بإجراء إصلاح عميق لا يستثني مجالا من المجالات وفق سُلَّم أولويات واضح.