1 – القوانين الإلهية والطبيعة

لقد جعل الله لكل من العلوم الطبيعية والاجتماعية قوانينها الخاصة ، مثال ذلك: قانون الجاذبية لنيوتن “Newton”: الذي يعبر عن العلاقة الحتمية بين إلقاء جسم صلب في الفضاء وسقوطه على الأرض.

وقانون رد الفعل: الذي يخضع كل فعل لرد فعل مساو له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه. وقانون تمدد المعادن بالحرارة: الذي يقيم ارتباطا حتميا بين الحرارة وتمدد المعادن… الخ.

وكل هذه القوانين لا يطرأ عليها تغيير رغم تغير الأزمنة والأنظمة والأشخاص، لأنها من وضع الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى، وليس للإنسان يد للتدخل فيها بالتحريف أو التغيير أو التزوير.

2 – قانون رد الفعل وسريانه على الإنسان

والذي يعنينا في هذه القوانين قانون رد الفعل، الذي لا يستثنى منه الإنسان في مجال تصرفاته مع الآخرين، إلا أن الفرق بين الإنسان والجماد أو الحيوان في رد الفعل هو الوقت، إذ في كل المخلوقات يكون رد الفعل آنيا، إلا الإنسان، فقد تطول المدة أو تقصر حسب الظروف والملابسات.

3 – مدى وعي الحكام بقانون رد الفعل

هل وعى حكام العرب قانون رد الفعل، وعلموا أنهم على قدر معاملتهم لشعوبهم يكون رد الفعل منهم مساويا له في المقدار، أو قد يكون أكثر منه لاختلاف طبيعة الإنسان عن سائر المخلوقات، لما فيه من وازع الانتقام البشري.

4 – كما تدين تدان

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “البر لا يبلى، والذنب لا ينسى والديان لا يموت، فكن كما شئت فكما تدين تدان” 1 .

أي إن الحسنة لا تضيع على ابن آدم، والذنب لا ينسى ولو بعد حين، والديان هو الله عز وجل حي لا يموت،

وفي رواية عن أبي قلابة وعن أبي الدرداء رضي الله عنهما موقوفًا: “البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديان لا يموت اعمل ما شئت كما تدين تدان” 2 .

5 – ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

أيها الحاكم، اسخر كما شئت، واضحك على من شئت، واعتد على من شئت، واجرح من شئت، وأحسن إلى من شئت، واظلم من شئت، فالله لا يضيع مثقال ذرة من خير، ولا يضيع مثقال ذرة من شر، فمهما فعلت من خير تجزى به في الدنيا قبل الآخرة، ومهما فعلت من شر صغيرا أو كبيرا تجزى به بالمثل تماما في الدنيا قبل الآخرة؛ قال عليه الصلاة والسلام: “ابن آدم، كن كيف شئت، كما تَدِين تُدان”، أي كما تُجازي تُجازى وعلى الباغي تدور الدوائر.

6 – داؤكَ منكَ وما تبصر

من الديوان المنسوب لسيدنا علي كرم الله وجهه قوله:دواؤك فيك وما تشـعر *** وداؤكَ منكَ وما تبصــر
وتحسبُ أنكَ جرمٌ صغيرٌ *** وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي *** بأحرفه يظهر المضمــر
قد يتساءل حكامنا مع أنفسهم رغم ما هم فيه من بذخ وترف وسلطة وجاه… لماذا معيشتنا مكدرة ؟ لماذا لا نشعر بالسعادة والفرح والسرور؟ لماذا نعيش في هموم وغموم وأحزان وضيق الصدر؟ لماذا نغضب بسرعة ونعاني ضعف البصيرة؟ ولو تأمل حكامنا في ذلك، لعلموا أن الآفة فيهم، والبلية منهم، فسبب تلك الشرور والمصائب التي تحيط بهم هي أنفسهم! قال تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وقال تعالى: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ، وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ، فالجزاء من جنس العمل ، والحصاد من جنس البذرة ، واعملوا يا حكامنا ما شئتم فكما تدينون تدانون!

إلا أن حكامنا لا يروا ذلك؛ لأنهم طُبعوا على الجهل والظلم وحُسن الظن بالنفس، والرضى بأفعالهم. قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا.

هكذا أنتم أيها الحكام ! أنتم الظالمون الجاهلون، فكيف تشتكون وأنتم القاعدون في طريق مصالحكم، تقطعونها عن الوصول إليكم؟ وكيف تتبرمون وأنتم الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على قلوبكم؟ وكيف تتظلمون وأنتم الحجر الذي قد سد مجاري الماء الذي به حياتكم؟ ومع ذلك تستغيثون: العطش العطش! فليس منكم أضر منكم على أنفسكم كما قيل:ما تبلغ الأعداءُ من جاهل *** ما يبلغ الجاهل من نفسهيقول الأستاذ عبد السلام في رسالته التي وجهها نصيحة لملك المغرب الراحل الحسن الثاني – رحمه الله – والمعنونة ب”الإسلام أو الطوفان”: فدعني أصدقك وأنصحك لكيلا تهوي في النار، دعني ألتمس لك عذر الجهل بالإسلام لئلا يحشرك الله مع الذين اتخذوا دينهم هزؤا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا) 3 ، فأنت أيها الحاكم الظالم وتدعي أنك مظلوم، وأنت المعرض وتزعم أنهم طردوك وأبعدوك! تولي ظهرك الباب، بل تغلقه على نفسك، وترمي مفتاحه وتضيعه وتقول:دعاني وسدَّ الباب دوني فهل إلى *** دخولي سبيل بينوا لي قصتي!فيا حكام العرب ،كونوا عقلاء، فالعاقل ينظر إلى نفسه، ويحاسبها، ويعرف أنها محلُ جناية ومصدر البلاء؛ لأنها خلقت ظالمة جاهلة، وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وفعل قبيح. وهذا النظر يدعوكم إلى العمل على إخراجها من هذين الوصفين، فتبذلون جهدكم في تعلم العلم النافع الذي يخرجكم عن وصف الجهل، وتبذلون جهدكم في اكتساب العمل الصالح الذي يخرجكم به عن وصف الظلم.

واعلموا يا حكامنا أنكم إذا عشتم في ضيق وهم وغمّ وكرب وخوف وقلق، فذلك بسبب بعدكم عن ربكم، وإعراضكم عن خالقكم وفاطركم… فانظروا في أنفسكم، ودققّوا النظر، فستروا سبب ذلك لائحاً أمام أعينكم. أما إذا لم تروا ذلك، فالأمر كما قال الشاعر:قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ *** وينكر الفم طعم الماء من سقم

7 – صدى الحياة

يحكى أن أحد الحكماء خرج مع ابنه خارج المدينة ليعرّفه على تضاريس الحياة في جوٍ نقي بعيداً عن صخب المدينة وهمومها، سلك الاثنان وادياً عميقاً تحيط به جبال شاهقة، وأثناء سيرهما تعثر الطفل في مشيته وسقط على ركبته، فصرخ الطفل على إثرها بصوتٍ مرتفع تعبيراً عن ألمه: آآآآه، فإذا به يسمع من أقصى الوادي من يشاطره الألم بصوتٍ مماثل: آآآآه، نسي الطفل الألم وسارع في دهشةٍ سائلاً مصدر الصوت:ومن أنت!؟

فإذا الجواب يرد عليه سؤاله: ومن أنت؟ انزعج الطفل من هذا التحدي بالسؤال، فرد عليه مؤكداً: بل أنا أسألك من أنت؟ ومرة أخرى لا يكون الرد إلا بنفس الجفاء والحدة: بل أنا أسألك من أنت؟ فقد الطفل صوابه بعد أن استثارته المجابهة في الخطاب، فصاح غاضباً “أنت جبان”، فهل كان الجزاء إلا من جنس العمل.

وبنفس القوة يجيء الرد “أنت جبان”. أدرك الصغير عندها أنه بحاجة لأن يتعلم فصلاً جديداً في الحياة من أبيه الحكيم الذي وقف بجانبه دون أن يتدخل في المشهد الذي كان من إخراج ابنه قبل أن يتمادى فيتقاذف الشتائم. تملك الابن أعصابه وترك المجال لأبيه لإدارة الموقف حتى يتفرغ هو لفهم هذا الدرس، تعامل – الأب كعادته – بحكمةٍ مع الحدث، وطلب من ولده أن ينتبه للجواب هذه المرة، وصاح الأب في الوادي “إني أحترمك”، كان الجواب من جنس العمل أيضاً، فجاء بنفس نغمة الوقار “إني أحترمك”، عجب الابن من تغيّر لهجة المجيب ، ولكن الأب أكمل المساجلة قائلاً: “كم أنت رائع” فلم يقلّ الرد عن تلك العبارة الراقية “كم أنت رائع”. ذهل الطفل مما سمع، ولكن لم يفهم سر التحول في الجواب، ولذا صمت بعمق لينتظر تفسيراً من أبيه لهذه التجربة الفيزيائية، علّق الأب الحكيم على الواقعة بهذه الحكمة ، “أي بني: نحن نسمي هذه الظاهرة الطبيعية في عالم الفيزياء (صدى)، لكنها في الواقع هي الحياة بعينها، إن الحياة لا تعطيك إلا بقدر ما تعطيها، ولا تحرمك إلا بمقدار ما تحرم نفسك منها، الحياة مرآة أعمالك، وصدى أقوالك، إذا أردت أن يحبك أحد فأحبه، وإذا أردت أن يوقرك أحد فوقره، وإذا أردت أن يرحمك أحد فارحمه، وإذا أردت أن يسترك أحد فاستره، وإذا أردت الناس أن يساعدوك فساعد غيرك، وإذا أردت الناس أن يستمعوا إليك ليفهموك، فاستمع إليهم لتفهمهم أولاً. لا تتوقع من الناس أن يصبروا عليك، إلا إذا صبرت عليهم ابتداء.

أي بني، هذه سنة الله التي تنطبق على شتى مجالات الحياة، وهذا ناموس الكون الذي تجده في كافة تضاريس الحياة، إنه “صدى الحياة”، ستجد ما قدمت، وستحصد ما زرعت.

8 – البطانة وأثرها سلبا أو إيجابا على الحاكم

إذا استوعب الحكام نظام “صدى الحياة”، ولم يستغشوا ثيابهم، ولم يصروا، ولم يستكبروا استكبارا، فلا ينتظروا الاحترام والتقدير إلا إذا احترموا شعوبهم وقدروها، ولا ينتظروا الإخلاص والوفاء والتضحية، إلا إذا كانوا قدوة صالحة ونموذجا في الإخلاص والوفاء والتضحية مع شعوبهم، عليهم أن يفكروا في شعوبهم ليفكر شعوبهم فيهم، عليهم أن يفسحوا لشعوبهم المجال ليعبروا عما يريدون، ويقبلوا ما يقترحوه بصدر رحب، بل يزيدوا على مطالبهم، لتسعى الشعوب بمحض إرادتها لوضع قوانين ترفع من شأن حكامها وتقدرهم… ولن يتحقق ما سبق ذكره إلا إن كان للحكام بطانة صالحة تشجعهم على الخير وتعينهم عليه، كما هو الشأن بالنسبة للطفل الذي رزق صحبة صالحة من أبيه، وجد فيها المرشد الصالح، والموجه الناصح، قال تعالى في سورة الكهف: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا وَالي إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا، وَمَنْ وُقِيَ شَرَّهُمَا، فَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَ مِنَ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا” 4 . فدين الحكام على دين بطانتهم، فلينظروا من سيقربون، ومع من يستشيرون.


[1] أخرجه ابن عدي (6/158، ترجمة 1649 محمد بن عبد الملك الأنصاري)، وقال: ضعيف جدًّا. والديلمي (2/33، رقم 2203).\
[2] حديث أبى قلابة المرسل: أخرجه عبد الرزاق في الجامع عن معمر (11/178، رقم 20262)، والبيهقي في الزهد (2/277، رقم 710) .وحديث أبي الدرداء الموقوف: أخرجه أحمد في الزهد (ص 142).\
[3] الإسلام أو الطوفان صفحة 44.\
[4] إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه ابن حبان (6191) من طريق الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن المبارك في “مسنده” (272)، وأبو يعلى (5901)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار للطحاوي 5/358 ح 2117 تحقيق: شعيب الأرنؤوط الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى – 1415 هـ، 1494 م، والترمذي في “السنن” (2369)، وفي “الشمائل” (134)،. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.\