وأخيرا أنزلت الدولة شارعها وحشدت جمهورها، ووظفت ورقة أخرى كانت تدّخرها لـ”الأيام السود”، ورقة الشارع المقابل لشارع 20 فبراير، والرأي المدافع عن خيار النظام، والصوت المبشر بخطاب الملك، والكلمة المزينة لدستور المنوني -تجاوزا-، والجمع “العرّاب” لمسار السلطة.

بالطبع من حق أي مواطن أن يحدد اختياره ويشكل رأيه حول ما يجري في المغرب من تدافع وحَراك وصراع مشاريع، ولستُ ممن يقولون أن كل من ينزل للشارع مدافعا عن رواية السلطة وأمانيها “بلطجيا” بالمفهوم الإعلامي المتداول اليوم، ولكني ممن اعتبروا إنزال الدولة لـ”جمهورها” يوم الأحد الفائت 19 يونيو لمواجهة مسيرات 20 فبراير واحتلال أماكن انطلاقها ومسارها ومناوشة أصحابها والاعتداء اللفظي والجسدي عليهم “عملا بلطجيا” بامتياز، وفعلا إجراميا في الميزان الأخلاقي والإنساني والقيمي والقانوني والسياسي.

وحين شاهدت مجموعة من المظاهر التي تعبِّر -من خلال الأفراد الذين أنزلتهم السلطة إلى الشارع- عن وعي متخلف لدولة ومشروع استبدادي لنظام، استدعى فكري مجموعة من الصور المتقابلة بين شارعي 20 فبراير و17 يونيو تُبيّن المستوى الحضاري والإبداعي والأخلاقي للطرفين، وهذه أهمها:

في الأشخاص.. جمال وقبح

شدني، وكل متتبع لحركة 20 فبراير منذ انطلاقها، أنها استطاعت أن تحشد وتجلب جمهورا محترما ومتخلِّقا ومتئدا ومنضبطا، يبدو على محيا أفراده الارتياح، وفي سلوكهم الاتزان، وفي مظهرهم الجمال. يحملون في القلب حبا عظيما للوطن، وفي العقل علما مفيدا للبلد، وفي اليد بسطا وجودا لأبنائه، كل أبنائه.

ولعل الصورة الأكثر تعبيرا عن معنى الجمال، الذي حملت لواءه الحركة في سماء المغرب، هي تلك التي كررتها السيدة السعدية الولوس، منذ 20 فبراير، إذ لم تتخلف عن الاحتجاج بمدينة البيضاء متوشّحة بوردها الذي تقدمه للناس وبالحلوى التي تهديها للأطفال، في فعل إنساني راق يعبر عن معدن نفيس، تزينه الخدمة والبذل والسلام وحب الخير للناس، بل إنها جادت حتى على رجال الأمن بزهرها المفعم سلمية يوم انهالوا عليها وعلى المحتجين بالعصا الغليظة في موقعتي 22 و29 ماي بحي سباتة بالدار البيضاء.

في المقابل ظهرت الأشخاص التي أخرجتها أجهزة الدولة (المقدمون والشيوخ والقياد والعمال وأعوان السلطة والبوليس السري والعلني…) متوترة، عنيفة، مستعرضة العضلات، مُتخلِّية حتى عن بعض ملابسها، لتقدم صورة قبيحة بشعة عن حقيقة “الدولة البلطجية” التي لا تتذوق الجمال، ولا تستشعر الأناقة، ولا تحترم الذوق الإنساني الرفيع، بل لا تجيد إلا ما هو أصيل متأصل فيها من بشاعة وشناعة وفظاعة. ولعل ما كشفته الصور والفيديوهات عن فضيحة الأحد 19 يونيو غني عن كل تعليق.

في الشعارات.. إبداع وانحباس

استطاعت حركة 20 فبراير أن تهيكل نفسها وتؤسس لجانا تابعة لها تشتغل على مدار الأسبوع إعدادا للمسيرات وتقويما لها، واحدة من هذه اللجان الفاعلة والمؤثرة “لجنة الشعارات” التي تبدع وتبتكر وتختار الكلمات وتنتقي الألحان، وهو ما ينعكس على جودتها واتساقها مع أهداف الحركة، ويضفي على احتجاجاتها ثراء شعاراتيا إبداعيا يدفع الملل والتكرار والنمطية.

وستظل شعارات “كلشي غادي بالرشوة…” و”الجماهير تقول الحل الوحيد” “وكلشي منحة ملكية” و”لا لا للدساتير في غياب الجماهير” و”رقعوا الدستور وجابوه…” و”واش انت مسطي تاكل ليا رزقي/عقلي”…، وغيرها كثير من عشرات الشعارات التي تردد لحنها الجميل على طول خارطة البلاد في مغرب ما بعد 20 فبراير، من أجمل وأبدع ما قدمه أبناء المغرب الحديث.

على النقيض من هذا الإبداع اللفظي واللحني كشف مدبرو مسيرات أنصار الدستور عن انحباس فظيع في نوعية الشعارات وجودتها بل ورداءتها، وأوضحت بالملموس “المستوى الإبداعي” لرجال السلطة ومن يدور في فلكهم، حتى أساء أصحابها إلى هدفهم وأحبطوا عملهم وجعلوا أنفسهم أضحوكة أمام العقلاء… وهذه عينة مما جادت به قريحة البلطجة المخزنية: “طلقونا عليهم طلقونا عليهم” (العنف)، “والشعب يريد الزطلة والفانيد” (التخدير)، و”موت موت يا العدو والملك عندو شعبو” (العدوان)، و”الملك زطروطو والملك زطروطو” (بدون تعليق).

في الأشكال.. نظام وفوضى

طيلة الأربعة أشهر الفائتة خرجت حركة 20 فبراير في مئات المسيرات بعشرات ومئات الآلاف في أزيد من مائة مدينة وقرية في احتجاجات أسبوعية، لم يسجل خلالها على الحركة وشبابها وقواها حالة عنف واحدة، ولا فوضى في الاحتجاج، ولا اضطراب في خط المسيرة.

اتسمت المسيرات بالنظام والانتظام، يحضر عشرات الآلاف إلى نقطة الانطلاق في الساعة المحددة دون أن يعرقلوا السير في كل الشوارع المجاورة، وينصرفون في هدوء وانضباط تامين لحظة الإعلان عن نهاية المسيرة، فلا يتعدى زمن انصراف الآلاف ربع ساعة من الزمن لتعود حالة السير إلى سيرها الطبيعي في الشارع الذي أنهت المسيرة فعالياتها فيه.

تُلقي نظرة عامة على المسيرة فتجد فيها اللافتات والأعلام موزعة على طولها، وتلحظ أن الشعارات يرددها الجميع في انسجام شبه تام، وترى بأم عينك أن المحلات التجارية والمقاهي والحوانيت تظل مفتوحة على مصراعيها ويمارس أصحابها نشاطهم في ذات الوقت الذي يمر أمامهم الآلاف من الناس، دون أن تقع سرقة ولا أن يحدث اعتداء، بل أصبح من التزامات شباب 20 فبراير أن يجندوا فريقا منهم لحماية المؤسسات البنكية والمرافق العامة في مشهد لا يمكن لأي مغربي إلا أن يفتخر به وبصانعيه.

ولما أنزلت الدولة شارعها، وليوم واحد فقط، وقع الاعتداء الجسدي والمادي على الأشخاص والممتلكات، وتحول اعتداء “بلطجية الدولة” على مسيرة 20 فبراير بآسفي إلى مواجهات بالحجارة كادت تنزلق إلى الهاوية، وحدث الاعتداء على شخصيات ورموز وطنية كما وقع مع المناضلة خديجة الرياضي والحقوقي عبد الإله بن عبد السلام في الرباط، ووقع السطو على نقطة انطلاق ونهاية مسيرة البيضاء والتحرش بالمتظاهرين وحرق راية ترمز للحركة وقطع سبيل محتجين وسرقة هواتفهم (كما اعترف أحدهم في الفيديو المشهور على اليوتوب)، وتكررت مشاهد جماهير الكرة من اعتلاء لسقف الحافلات وتخريب لزجاجها واعتداء على سيارات خاصة وترهيب الآمنين والسكان…

بل إنك حتى إن تتبَّعت “التنظيم الذاتي” لهؤلاء لما وجدت غير الفوضى والاندفاع والهيجان والركض والهرولة في مجموعات “كلها يلغي بلغاه”، رغم اتحاد الهدف وسمو المقصد!!

في الأفهام.. معرفة وجهل

وضعت حركة 20 فبراير لنفسها أهدافا ومبادئ ورسمت مسارا سياسيا وحركيا اختطته بفهم ناضج ومطالب واعية، وكشف شبابها ورجالها ونساؤها عن معرفة مميزة، فتحدثوا بالمكتوب والمسموع والمرئي، وشاركوا في الحوارات واللقاءات، وأجابوا عن أسئلة الصحفيين والإعلاميين والأغيار، وكشف شبابها، وهم في مقتبل العمر، عن وعي متزن وقدرات حوارية جيدة ودفاع مستميت عن الفكرة والمشروع، وكانوا فرسانا في نشرات الأخبار المغاربية لقناة الجزيرة وغيرها من المساحات الإعلامية المتاحة.

تحدثت 20 فبراير عن الدستور والطرق الديمقراطية لوضعه وتعديله، وعن السلطة والثروة وضرورة فصلهما، وعن قداسة الأفراد وإلزامية نزعها عنهم وعن ممارستهم للسياسة، وعن الحق الطبيعي لكل أبناء الوطن في العيش الكريم الذي يحفظ آدميتهم ويحترم طهر ما نفخ الله فيهم من روح… وصاغت كل ذلك بناء على وعي ومعرفة وعلم ودراسة وبحث.

ورغم أن للدولة نخبتها ومفكريها وعلماءها وسياسييها إلا أن جولتها يوم الأحد 19 يونيو غلب عليها طابع الجهل والجهالة والضحالة الفكرية والفقر السياسي، شباب ونساء لم يطالعوا -في سوادهم الأعظم- بندا واحدا من الدستور، ولا يفقهون شيئا في السياسة، ولا حقوق الشعوب، ولا “أصلية” الأمة و”لاحقية” الدولة، ولا حرفا من حقيقة التدافع السياسي والمجتمعي القائم.

للأسف كشفت لغتهم السائدة عن حجم الأمية الضاربة أطنابها في المجتمع، وأظهرت أحاديثهم ضغط الفاقة حين تدفع ضعاف النفوس إلى بيع الصوت مقابل 100 أو 200 درهم. نساء لا يُجدن سوى الزغاريد وترداد عبارة “عاش الملك”، وشباب ومراهقون وقاصرون -ومجرمون أيضا- يملؤون خواء الفكر بقوة العضلات وضحالة الفهم بصخب العربدة. إنها، يا للحسرة، نتيجة المشروع الحضاري للدولة المغربية، الديمقراطية جدا والمتقدمة جدا!!

في المشاريع.. شراكة واستفراد

الشراكة في بناء الوطن، والحوار الجماعي الباني لمستقبل الشعب، والتشاركية والتشاور بين مختلف الفرقاء على صعيد واحد من الحقوق والالتزامات دون سمو لأحد ودون خطوط حمراء في النقاش، ومشروع ينبثق من شعب لا من فرد أو مؤسسة، ودستور يجسد إرادة الأمة لا إرادة الحاكم، وديمقراطية حقيقية مرتكزة على أساس السيادة الشعبية التي تؤسس لسمو الدستور لا ديمقراطية صورية مرهونة لمنحة القصر وسمو الملك، وإنهاء زمن الاستحواذ والاستفراد والاستعلاء والسمو والشخصنة والفردانية وما يصحب ذلك من منطق المنح والعطاء والمن، ذلك هو قصب الطلب الذي جاءت لتضعه وتؤسس له 20 فبراير.

لا أخال عاقلا وراشدا وموضوعيا يعارض هذه المبادئ السياسية والدستورية الرشيدة، التي تسترجع الدولة إلى حضن الأمة، وتؤسس شعبيا لدولة المجتمع وسلطة الشعب، وتحقق توازن السلط وفصلها، وتعطي للانتخاب معناه وجدواه وحقيقته، وتضع البشر جميعا على قدم المساواة كما خلقهم رب البشر سبحانه لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالأمانة والكفاءة، والشعب فيصل بين المتصدين منهم للشأن العام وحَكَم، يختار عبر الانتخاب ويراقب عبر المؤسسات.

في مقابل هذا المشروع الديمقراطي يهتف جَمْع المخزن للمشروع السلطوي الاستبدادي الاستفرادي؛ لا بأس أن يعين الملك اللجنة ويختار أعضاءها ويحدد الثوابت وخارطة التعديل وزمن الاشتغال، ولا ضير أن يحافظ على صلاحياته الكبيرة وسلطاته الواسعة فهو مَلِك وورث المُلْك عن أبيه الملك، وما يمنع أن يبقى رئيس جميع السلطات ورأس الدولة والسامي فوق الكل والحكم بين الجميع، بل لا يتعارض -وفق مبدئهم- مع الديمقراطية في شيء دستورٌ كانت تلك منهجية وضعه وذلك جوهر مضمونه، والملكية المطلقة أليق بالخصوصية المغربية وألصق بالمزاج الشعبي. وما المانع بعد كل ذلك أن نسجل أنفسنا في عداد الدول الديمقراطية، وأن نقول بأننا دخلنا مرحلة انتقالية، وأننا دلفنا إلى الملكية الثانية، وأن نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية؟!! فعلا، في ميزان “شهادة الزور” ما المانع؟!!!!!!!!!!!!!

كانت تلك بعض المفارقات التي وقفتُ عليها وأنا أشاهد شارعين متباينين في كل شيء، في الأشخاص والشعارات والاحتجاجات والأفهام والمشاريع. وللقارئ واسع التأمل والنظر.