دناءة الخلق وخستها هي قمة الانحطاط وعلامات الاحتضار لكل نظام سياسي يعتمد عليها في سياسة شأن بلده. واستعمال هذا الأسلوب والتعامل به مع الخصوم السياسيين دليل على قمة الفشل في رهان الديمقراطية وكسب تعاطف الشعب وتأييده. نظام بلدنا الحبيب له الباع الطويل والسبق العريق في هذا المجال. بل هو من أساتذة العالم في هذا التخصص. فلكم أفلح مخزن هذا البلد في مد يد العون لديمقراطيات الغرب وحل ملفات أمنية استعصت عليها بتكنولوجياتها، فكان المنقذ كفاءات وطنية متواضعة وأساليب خسيسة لا أخلاقية مريعة من إنتاج سراديب الداخلية المغربية .

وسائل يسأل، في ظرف زحف الربيع العربي الحساس، لماذا تمد دول الشرق العربي يد العون الخليجي للمغرب الأقصى؟ لماذا وافق على مصافحتها وهو وإلى التعاون المغاربي مع ذوي القربى أحوج؟ هل طرأ تغيير في علم الجغرافيا ليصبح مضيق جبل طارق جزءا من بحر الخليج؟ سؤال محير ويا للعجب!

قيل إذا عرف السبب بطل العجب.

كل ما في الأمر أن دول التعاون الخليجي أحست بِحرِّ الثورات يهب على مقربة منها وعلمت أن المال والنفط لن يجديا نفعا في الحفاظ على استقرار أنظمتها الدكتاتورية بعد أن فهمت درس ليبيا إذ المال والنفط لم ينفعا مجنونها في إسكات صرخة الليبيين وإيقاف ثورتهم المباركة. بل تحتاج في انعقادها إلى السر السحري الذي أبهرهم به الاستثناء المغربي المزعوم. مقابل المال والنفط تطلب دول الخليج من مخزننا الخبرة والكفاءة في القمع والتنكيل وشراء الذمم ونصب كمائن أخلاقية لكل شريف.

منذ زمن الاستقلال إلى يومنا هذا، كم من معارض شريف حر صارخ في وجه ظلم المخزن وفساده طالب للتغيير، ما إن يغرر ب “التغيير من الداخل” وب ” أن الضرورة تقتضي..” وتقدمه أصوات بعض الشعب المشارك في اللعبة السياسية على باقي الأحزاب، حتى يغدو المنافح والمدافع بشراسة عن النظام والفساد. تحول لا يفسره إلا شراء ذمة أو مساومة بعد نصب كمين في الأخلاق أو الفساد. وكم من متهم بالفساد في المحاكم، بعد يومين أو ثلاث يصطف أمام عدسات الإعلام مع رؤوس الفساد في المجلس الأعلى لنهب المال العام. صفقة ومقايضة. بيع وشراء.

لنضع نقط الأخلاق على حروفه. من المسؤول الأول والأخير عن الفساد الأخلاقي في هذا البلد؟ أعظم بها من خسة أخلاق أن تحل علينا راقصة خليعة ماجنة، خفيفة على الخشبة ثقيلة على الميزانية، ضيفة تحت الرعاية السامية باسم الثقافة العالمية. والفنان المغربي الأصيل ممنوع ومتهم بالفساد الخلقي ونحن محرومون من إبداعه لا لشيء إلا لأنه “علاّ الصوت” من أجل البلاد وأولاد البلاد. الفنان الأصيل يُسرق وعلى الراقصة العالمية يُغدق!

من المسؤول الأول والأخير عن الخلاعة الإعلامية لهذا البلد؟ والإعلامي الحر متهم ومعتقل يحاكم. لا لشيء إلا لأنه محبوب لدى الجماهير التي مقتت شطحات “الأولى” و”الثانية” طوال الليل والنهار ، ففرت إلى عموده في “المساء”.

من المسؤول عن التصفية الجسدية للخصوم وأبناء البلد وفبركة مسرحيات التملص؟ من صدق ما وقع في الحسيمة وخريبكة وأضحوكة “أركانة”؟ من قتل الشهيد كمال العماري ومن كان قبله في زمن الرصاص؟ ماذا جرى في صفرو وسيدي إفني والعيون؟ فكان دائما المخرج : فزاعة الإرهاب وأعداء الوحدة الترابية والأوباش والعناصر المشبوهة، تارة، وتارة أخرى التعتيم والكذب في الإعلام.

من المسؤول عن شراء الذمم في الاستحقاقات الانتخابية الماضية وعن التزوير لنتائج رأي الشعب في اختيار ممثله ومن يطمع أن يحمل همه؟ ورغم “الضمانات السامية” على النزاهة والشفافية فقد حفظ الشعب المسرحية الانتخابية التي تفتتح بوعود المسؤول بالحرص على النزاهة في الاستحقاق المقبل وأنه لن يكون تزوير كالذي كان في الانتخابات الماضية. وكلما جاءت انتخابات جديدة لعنت بالتزوير أختها التي سبقتها كأنها لم تغن بالأمس. بهذه الأخلاق المنحطة تحولت الانتخابات من أبهى صورة للديمقراطية إلى لعبة في ميدان السياسية.

من المسؤول عن سرقة المال العام والرشوة ونهب خيرات البلاد وكل طوامِّ بذاءة الأخلاق؟ وخيرة أبناء الشعب وصفوته من أساتذة وأطباء وحاملي الشواهد العليا تُضرب أمام البرلمان وينكل بها أشد تنكيل. والأمي مستغرق في نومه في قبة البرلمان والسارق الراشي المفسد يُقرب ويَترقى من مجلس أدنى إلى مجلس أسمى.

ما أكثر هذه المجالس العليا في هذا العهد الجديد التي تستهلك الرصيد النضالي لبعض الشرفاء الذين غرر بهم ، وتنهب بتعويضاتها ومناصبها ميزانية الدولة. ولزيادة الاستهلاك والنهب تبشرنا الطبخة الدستورية الجديدة بإحداث مجالس أخرى أكثر سموا وعلوا بدسترتها . لتصبح السرقة والرشوة و”الزرواطة”… مرسمة في الدستور تحت أسمائها المستعارة: “… الأعلى للحسابات” و”… الاقتصادي والاجتماعي” و”… المركزية للوقاية من الرشوة” و”… الوطني لحقوق الإنسان” و”الأمني” و”المرأة” و”الطفل” و”الشباب” وهلم جر.. .

إذا كان النظام هو الفاسد ومنحط الأخلاق ويتصف بكل الصفات البذيئة فكيف يؤتمن على الأخلاق النبيلة والحفاظ عليها ومحاربة الرذيلة. ولا نستغرب من أن يتهم المعارض المستعصي على الترويض بهذه التهم لأن المخزن لا ينفق إلا مما يملك وكل إناء بما فيه ينضح.

هذا الاستثناء المغربي المتمثل في جميع أنواع الفساد والخسة والكذب التي خدمت وجوده واستمراره لعقود لأنها كانت مقرونة بالخوف المتجذر في الشعب وصمته. وفي نفس الوقت كانت هذه الأمراض تنخر كيانه وتأكل منسأته. وها هي رياح التغيير تهب عليه من الشارع لتدلنا على احتضاره ودنو أجله. ولو كانت الشعوب تعلم أنه بانتفاضتها وخروجها من صمتها ستستنشق – منذ زمان- نسيم الحرية الكرامة والعدل، ما لبثت في العذاب المهين.

فَلَمَّا قضينا عليه الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْض ِتَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّو كانوا يعلمون الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ سورة سبأ 14.