تتوالى ردود الفعل السياسية القوية الرافضة للدستور الممنوح المفروض الذي أعلن عنه في خطاب 19 يونيو. فبعد رد حركة 20 فبراير الشعبي المدوي، والذي عبرت عنه الحركة في شكل مسيرات ووقفات عمت ربوع المملكة، وأعلنت خلاله الحركة بكل مكوناتها السياسية والشبابية والجمعوية والمدنية عن رفضها للدستور المقترح شكلا ومضمونا، ومقاطعتها للاستفتاء المزمع تنظيمه في مستهل الشهر القادم، جاءت قرارات العديد من الأحزاب والقوى السياسية رافضة لمضامين الدستور ومنددة بالمنهجية غير الديمقراطية وغير الشعبية التي اعتمدت في صياغته.

العدل والإحسان: الدستور تحدث عن كل شيء ولم يعط أي شيء

عبرت جماعة العدل والإحسان عن رفض الواضح لما جاء به الدستور على لسان ناطقها الرسمي الأستاذ فتح الله أرسلان في بلاغ صحافي عمّم على وسائل الإعلام الوطنية والدولية، والذي خلص إلى هذا الموقف بعد قراءة في سياقات ميلاد الدستور السياسية والاجتماعية: ففي الوقت الذي كان ينتظر أن تسود أجواء سياسية وحقوقية منفتحة وديمقراطية تبني الثقة وتعطي انطباعا عاما عن حسن النية وعن إرادة حقيقية في التغيير، إذا بالوضع يتفاقم أكثر باستمرار الاعتقال السياسي، والتوسع في احتكار الثروة الوطنية، والقمع الوحشي للمتظاهرين، وتزوير الحقائق حول الانتهاكات، وإصدار الأحكام الجائرة في حق مناضلي حركة 20 فبراير والحقوقيين والصحافيين، وشن حملة اعتداءات وتشويه قذرة ضد المعارضين والمغردين خارج سرب المخزن).

وسجل البلاغ مجموعة من الملاحظات حول الدستور المقترح أهمها: تميز الدستور بأسلوب تعويمي تحدث عن كل شيء ولم يعط أي شيء.) وتكريس الدستور الصلاحيات المطلقة للملك، فهو رئيس المجلس الوزاري، ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ورئيس المجلس الأعلى للأمن، ورئيس المجلس العلمي الأعلى، وله سلطة حل البرلمان وإعفاء الوزراء، ويعين رئيس المحكمة الدستورية ونصف أعضائها، وسلطات أخرى واسعة غير مقيدة، إضافة إلى صفة الحكم الأسمى وإمارة المؤمنين التي تخول للملك صلاحيات فوق الدستور.)

النهج الديمقراطي: الدستور يكرس نظام الحكم الفردي المطلق للملك

جاء رد فعل حزب “النهج الديمقراطي” في بيان صادر عن “الكتابة الوطنية”، داعيا إلى مقاطعة الاستفتاء حول مشروع الدستور، وفي نفس الوقت الاستمرار في النضال لتفكيك بنية المخزن كشرط ضروري لإقرار دستور ديمقراطي.

ورأى البيان أن مشروع الدستور الجديد يكرس نظام الحكم الفردي المطلق للملك، حيث الحكومة لا تحكم فعلا ولا تحدد ولا تدير سياسة البلاد بكاملها، ووزراؤها ليسوا سوى موظفين كبار لدى القصر كلفوا بالجانب التدبيري).

كما رأى الحزب أن البرلمان في مسودة الدستور المطروح على الاستفتاء ليس الجهة الوحيدة للتشريع ولا يمكن أن يلعب دوره كاملا في الرقابة)، كما أن القضاء ليس مستقلا، والشعب ليس بالتالي هو مصدر السيادة وكل السلط التي لا يمكن الحديث عن أي فصل وتوازن بينها بالنظر لهيمنة المؤسسة الملكية).

كم أوضح البيان أن الاستفتاء المزمع تنظيمه يوم الجمعة فاتح يوليوز المقبل لا تتوفر فيه شروط الحرية والنزاهة)، بما أن الاستفتاء سيتم على أساس لوائح فاسدة قاطعها الشعب بالملايين وبإشراف من وزارة الداخلية صاحبة الباع الطويل في التزوير وفي ظل إغلاق أبواب الإعلام في وجه القوى الحية واحتكاره شبه المطلق من طرف المخزن.)

تحالف اليسار الديمقراطي: محتويات الدستور محكومة بالنظام السياسي التقليدي

نفس الموقف عبر عنه تحالف اليسار الديمقراطي -المكون من ثلاثة أحزاب هي المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي- على لسان اللجنة التنفيذية الوطنية لتحالف اليسار الديمقراطي، المجتمعة يوم الأحد 19 يونيو 2011، حيث دعا إلى مقاطعة الاستفتاء بعد قراءة متأنية لمضامينه وللظرفية السياسية التي أحاطت بميلاده.

وقال التحالف بناء على المؤشرات المتمثلة في غياب الإرادة الرسمية للتجاوب مع مطالب حركة 20 فبراير ومطالب الشعب المغربي واعتمادها على الأساليب التقليدية في منهجية الإعداد التي تفتقد لآليات المشاركة الحقيقية والقمع الذي أودى بشهداء، وممارسة التعتيم والتضليل الإعلامي والإرهاب الفكري وفرضها لأجندة بشكل انفرادي وانعدام شروط حوار وطني حقيقي. بناء على ما سبق، فإن اللجنة التنفيذية الوطنية لتحالف اليسار الديمقراطي: تعتبر أن محتويات الدستور الجديد والمرتكزات التي انبنى عليها تظل محكومة في جوهرها وعمقها بالنظام السياسي التقليدي وبالتالي لا ترقى إلى مستوى بناء نظام سياسي ديمقراطي …)

ورأت بناء على قرار النظام المضي في سبيل الدستور الممنوح أن المغرب ضيع على نفسه فرصة تاريخية لا تعوض في شرطها التاريخي ليظل سجين الماضي السياسي التقليدي المحافظ.)

الكونفدرالية: منهجية وضع الدستور أخلّت بالإشراك الفعلي والحقيقي

ولم يتأخر رد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل هي الأخرى، حيث قرر المجلس الوطني خلال اجتماع عقده المجلس الاثنين 20 يونيو بالدار البيضاء مقاطعة الاستفتاء على مشروع الدستور المقرر يوم فاتح يوليوز المقبل.

وعلل المجلس قرار المقاطعة بكون المنهجية المعتمدة في تحضير وإعداد الدستور أبعد ما تكون عن المنهجية التشاركية، مما أخل بالإشراك الفعلي والحقيقي). وأضاف أنه من حيث المضمون لم يجب مشروع الدستور بالكيفية اللازمة والمطلوبة والمنتظرة عن الإشكال الدستوري والسياسي الحائل دوما دون تقدم وتطور بلادنا، مما فوت الفرصة مجددا على المغرب لرفع كل أسباب الانحباس السياسي والتخلف الاقتصادي والحيف الاجتماعي والتذبذب الثقافي وتداخل السلط.)

المؤتمر الدولي للشباب الأمازيغي: التعديل مناورة لوضع حد لاحتجاجات “20 فبراير”

كما دعا المؤتمر الدولي للشباب الأمازيغي، في نداء أصدرته لجنة تنسيقه الدولية، إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور الجديد باعتبار التعديل الدستوري مناورة هدفها وضع حد لاحتجاجات حركة شباب 20 فبراير دون الاستجابة لمطالبها).

واعتبرت لجنت تنسيق المؤتمر الدولي للشباب الأمازيغي أن الدستور الجديد يكرس العنصرية والتمييز ضد الأمازيغيين) وأن كل تلك الفقرات عن البرلمان ودسترة مؤسسات مخزنية لن تستفيد منه إلا أحزاب الفساد واللوبيات المتواطئة مع المخزن).

كما ندد النداء بالتأثير على نتيجة نفس الاستفتاء، وقال نندد بالتدخل المباشر للملك في الاستفتاء على الدستور المعلن، ما يكشف على ألا جدوى من استفتاء الشعب المغربي حوله ما دام الدستور المعلن عنه سيتم إقراره.)

المرصد الأمازيغي: الدستور مُرِّر في جو من السرية والغموض والالتباس

من جهته اعتبر المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات مشروع الوثيقة الدستورية المقترحة للاستفتاء لا ترقى إلى مستوى تطلعات الشارع المغربي التي عبرت عنها حركة 20 فبراير.

ورأى المرصد الأمازيغي أن المنهجية التي تم إتباعها في إعداد مسودة مشروع الدستور قد أدت إلى ما كان متوقعا من تمرير مشروع دستور في جو من السرية والغموض والالتباس الذي أقصى بشكل تام قوى المجتمع المدني كما تعامل بشكل مهين مع الأحزاب السياسية المغربية)، وأضاف أحيل المشروع على الاستفتاء بسرعة فائقة لم تسمح لأي طرف من الأطراف بتدارسه وإبداء الرأي حوله والسعي إلى اقتراح المضامين البديلة)، وأكد إدانة المرصد: للأسلوب الذي تمت به تعبئة أحزاب سياسية محافظة، في اللحظات الأخيرة لإعداد مشروع الدستور، بغرض الالتفاف على مكاسب طالما طالبت بها القوى الديمقراطية الحية بالبلاد بذريعة الحفاظ على التوازنات بين الأطراف المختلفة).

كما اعتبر المرصد الأمازيغي بأن مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء هو في حقيقته دستور معدل يتضمن بعض المكاسب في إطار استمرار بنية الاستبداد التي لم تتغير، والتي ما زالت تمركز كل السلطات في يد الملك، مما يجعلها مكاسب مقيدة بصيغ قانونية تمثل عوامل عرقلة كلما تطلب الأمر بذلك)، وأضافت الوثيقة أن ترسيم اللغة الأمازيغية يعد مكسبا هاما جاء ثمرة لجهود مختلف الفاعلين في الحركة الأمازيغية منذ عقود طويلة، وحلفائهم من داخل التنظيمات المدنية والسياسية)، وعلق على الصيغة التي وردت بها في الدستور باعتبارها تثير التباسات وتأويلات كثيرة بتخصيص فقرة منفردة لكل لغة من اللغتين الرسميتين على حدة عوض جمعهما في فقرة واحدة باعتبارهما لغتين رسميتين للدولة)، وأردف: يبعث على الاعتقاد وجود تراتبية بين لغة رسمية أولى هي العربية ولغة رسمية ثانوية هي الأمازيغية، وبما أن اللغة لا تنفصل عن الإنسان فان الأمر يتعلق في هذه الحالة بمواطنين من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية).

واستغرب المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات ما أسماه دسترة كل المؤسسات الاستشارية التي أنشئت، بقرارات ملكية، بغرض تدبير ملفات استراتيجية، واستثناء المؤسسة الرسمية التي تعنى بالشأن الأمازيغي)، معتبرا ذلك يدفع لطرح أكثر من سؤال حول خطة الدولة للتدبير المقبل للشأن الأمازيغي..)

الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يدعو الطلبة لمقاطعة الاستفتاء

الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بدورها رأى أن العقلية المخزنية لم تتغير، حيث منطق الاستفراد والاستعلاء والتعليمات، وقمع الأصوات المخالفة والمزعجة، وما الحملة المخزنية المستمرة ضد القوى الحية في البلاد وفي مقدمتها حركة 20 فبراير التي تطالب بمطالب عادلة ومشروعة، إلا خير دليل على ذلك). وأضاف موضحا سياق المنح الدستوري حملة وحشية وقمعية، لم ترحم الصغير ولا الكبير، لم تميز بين المرأة والرجل، فكان نصيب الكل على السواء، إصابات بالمئات وكسور ورضوض لازالت الأجساد تعاني من مراراتها، اعتقالات واختطافات وتهديدات لم يسلم منها طلاب المغرب وكل حر أبي، مسار قمعي توجه المخزن بقتله الشهيد كمال العماري – مناضل في حركة 20 فبراير، ومناضل سابق في أوطم – بمدينة أسفي نتيجة تدخله الوحشي يوم 29 ماي 2011 م على مرأى ومسمع من العالم، كل هذا رافقته حملة إعلامية مغرضة بتزويرها للحقائق لتضليل الرأي العام المغلوب على أمره المكره على نمط واحد من المعلومة المدعومة لأغراض تضليلية، بل وصل استبداد النظام أن سخر بلطجيته ليقولوا نعم بطريقتهم العنيفة، ويعتدوا على كل من له رأي مخالف).

ودعا الاتحاد، في شخص الكتابة العامة في بيان لها، طلاب المغرب إلى مقاطعة الاستفتاء حول مشروع الدستور، باعتباره لا تتوفر فيه شروط الحرية والنزاهة، بالإضافة إلى كونه استفتاء على دستور عليل منهجية وشكلا ومضمونا) ورأى أنه لا ديموقراطية حقة في ظل دستور ممنوح، وإن المدخل السليم هو المدخل التأسيسي الانتخابي في صياغته).

وندد في المقابل بالاختطافات والاعتقالات والاعتداءات المتكررة والتحرشات والمحكمات الصورية التي تطال مناضلي حركة 20 فبراير)، واستنكر الحملات الإعلامية الشعواء ضد أبناء الحركة التي يقودها الإعلام المخزني وتابعوه)، ودعا إلى محاكمة الجلادين وكل المتورطين في سنوات الاستبداد والفساد.)

حزب الأمة: المغرب بحاجة إلى بداية سياسية صحيحة وصادقة

ولم يتأخر رد حزب الأمة كثيرا حيث أعلن الحزب ضمن بيان له أنه: يعلن رفض المراجعة الدستورية وقد قرر مقاطعة الاستفتاء حولها).

وزاد نفس البيان الموقع من الأمين العام محمّد المرواني بأن المغرب بحاجة إلى بداية سياسية واحدة صحيحة وصادقة بدل بدايات كثيرة ومغشوشة)، كما أورد حزب الأمة بأن قرار إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي قد تميز بالمحدودية ولم يشمل الجميع مما أفقده القيمة السياسية المعتبرة وأبرز بعده التناوري المندرج تحت عنوان إستراتيجية التهدئة والاحتواء)، كما أضاف: تم الإبقاء على المفسدين والمتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مراكز القرار السياسي والأمني، والحال أنه لا إصلاح في إطار بنية ينخرها الفساد وخرق القانون والاستقواء الأمني.. كما لم تتخذ أية تدابير لتسوية وضعية الأحزاب السياسية الممنوعة من حقها المشروع في العمل السياسي ومنها حزب الأمة، والحال أن أحد شروط الانفراج السياسي هو كفالة حرية التعبير والتنظيم).

وأضاف بأن الإرادة السياسية الرسمية المعلنة قد سقطت في اختبارات ملموسة من جهة المقدمات والمداخل السياسية وآليات الإعداد ومضامين المراجعة الدستوري بانتصار أطروحة الملكية التنفيذية.)

اتحاديو 20 فبراير: الدستور لا يستجيب لتطلعات شرائح واسعة من الشعب المغربي

وفيما يشكل إشارة لبداية ميلاد حركة تصحيحة، أعلن شباب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المنخرط في دينامية 20 فبراير، رفضهم لمشروع الدستور المعروض على الاستفتاء. ويأتي الإعلان عن موقف الشبيبة الاتحادية متعارضا مع موقف الحزب الذي دعا إلى التصويت لصالح الدستور.

وجاء في البيان الصادر عن عناصر من الشبيبة الاتحادية، والذين يطلقون على أنفسهم “اتحاديو 20 فبراير”، أن مشروع الدستور رغم بعض الإيجابيات التي جاء بها فإنه لا يستجيب لتطلعات شرائح واسعة من الشعب المغربي المؤمن بالديمقراطية، الحرية والعدالة الاجتماعية والذي انخرط بتلقائية ووعي في مسيرات 20 فبراير)، وأن هذا المشروع لا يستجيب لمطلب الملكية البرلمانية كما طالب بها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال مؤتمراته وخرج من أجلها اتحاديو 20 فبراير منذ اليوم الأول للتظاهر).

كما انتقد البيان ما أسماه بـتشويه منهجية التشاور ضمن مسلسل التحضير لمسودة الدستور والذي طبعه الارتجال والتسرع مما أدى إلى عدم فتح المجال للنقاش العمومي حول المضامين الأولى للوثيقة قبل صياغة تصور توافقي للمراجعة الدستورية).

كما تعهد البيان باستمرار انخراط الشباب الاتحادي في دينامية 20 فبراير واستمرارهم في المطالبة بدستور ديمقراطي يؤسس لملكية برلمانية ديمقراطية)، وندد البيان بما وصفها بـالاعتداءات الوحشية والإجرامية التي تعرض لها الشباب اتحاديو 20 فبراير ومجموعة من المناضلين بحركة 20 فبراير على يد بلطجية متحكم فيها من طرف جيوب مقاومة الإصلاح.)