يعرف الدستور عادة بأنه القانون الأسمى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة، بسيطة أم مركبة، ونظام الحكم، ملكي أم جمهوري، وشكل الحكومة، رئاسية أم برلمانية، وينظم السلط من حيث التشكيل والاختصاصات والعلاقات والحدود بينها، وينظم الحقوق والحريات ويضع الضمانات. ولذلك فإنه يتميز بالسمو على كل التشريعات والمؤسسات والأشخاص.

ولأنه بهذا السمو والأهمية فلا يتصور إقراره بمنطق الغالب والمغلوب أو بناء على حسابات عددية مثل ما عليه الأمر في الانتخابات التشريعية والبلدية، ولكن يحكم منطقَ إقراره التوافقُ الناتج عن حوار مجتمعي يكون بمثابة لحظة بيداغوجية لتعلم معاني الاحترام والاعتراف المتبادل وإرادة العيش المشترك. بل إن قوة الدستور تكمن في قدرته على الحفاظ على وحدة ونمو نسيج مجتمعي متنوع ومتعدد.

وفي المغرب، نعيش منذ ثلاثة أشهر تقريبا على إيقاع ساخن يطبعه احتجاج في الشارع يطالب بدستور جديد شكلا ومضمونا.. وبعد انتهاء هذه المدة طلعت علينا الآلية السياسية للمتابعة وتبادل الرأي والمشورة، التي يترأسها محمد معتصم مستشار الملك، بصيحة جديدة في مناقشة مسودة الدستور، حيث عرض على أمناء الأحزاب الخطوط العريضة للمسودة شفاهيا ليبدوا ملاحظاتهم عليها في نفس الجلسة.

وجه الغرابة في هذه الطريقة يكمن في اختزال الأحزاب في أمنائها العامين مما يضعفها ويؤكد أنها أحزاب مبنية على أشخاص وبعيدة عن الطابع المؤسساتي، وهذا أمر لا يخدم المسار الديمقراطي ويجعل ميزان القوى دائما لفائدة الطرف القوي والمنظم والمتحكم في اللعبة السياسية، ويكمن في الاقتصار على خطوط عريضة بدون صياغة نهائية رغم أن الدستور وثيقة قانونية لا يمكن اعتبار مرحلة الصياغة فيها مجرد عملية تقنية، وخاصة في ما يخص انتقاء المصطلحات وترتيب الفقرات وتقسيم الأبواب، ويكمن في الاقتصار على العرض الشفوي مما يجعل أمناء الأحزاب مشتتين بين التدوين والتركيز والاستيعاب والمناقشة، خاصة وأن العديد منهم بعيد عن التخصص القانوني. ولعل ما تسرب من تفاصيل، عبر وسائل الإعلام، يؤكد أن هؤلاء الأمناء كان شغلهم الشاغل هو التدوين إلا أن يكون التسريب تولته جهات أخرى هدفها جس نبض المجتمع ومدى قابليته لما تسرب حتى تمضي فيه أو تراجعه بدون الظهور بمظهر من يستجيب لضغط الشارع. وهذه مسألة أخرى.

بعد الاطلاع على الخطوط العريضة لهذه المسودة يتأكد أننا لم نخطئ التقدير حين سمينا لجنة المانوني ب”لجنة استماع” لا علاقة لها بالجمعية التأسيسية التي طالب بها الشارع طيلة الأشهر الثلاثة الأخيرة في مئات المسيرات الحاشدة في كل مدن المغرب وقراه. وهذه أكبر ثغرة ستظل مرافقة للدستور المغربي الذي يفتقر إلى الصبغة الديمقراطية من حيث طريقة صياغته، مما يجعله في عداد الدساتير الممنوحة التي يحتكر فيها واضعه، وهو الملك، السلطة التأسيسية وهو ما يجعله أسمى من الدستور نفسه.

لقد تقدمت الأحزاب والمنظمات بأزيد من مائة مذكرة ولم تتلق جوابا مفصلا عن مذكراتها، وتصرفت لجنة المانوني في كل المذكرات بدون رقيب، ولم تمنح الفرصة للهيئات التقريرية للأحزاب لمناقشة المسودة قصد إدخال تعديلات عليها ومقارنة مقترحاتها مع صيغة المشروع للاستفتاء. وهذه وحدها كافية لتصنيفه ضمن الدساتير غير الديمقراطية لأنها لم تبن على تشاور واسع وجدي.

وفي ما يخص المضمون، يمكن القول بأن شكل النظام لم يتغير، إذ بقي عدم تلازم ممارسة السلطة بالمحاسبة قائما في حق الملك الذي ينفرد بتدبير المجال الديني والعسكري بدون مساءلة، وما زالت الحكومة أسيرة المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك إلا في حالة التفويض بناء على جدول عمل محدد سلفا، في القضايا التنفيذية، ولمجلس الأمن في القضايا الاستراتيجية والأمنية. من سنحاسب في حالة فشل تدبير الحقل الديني كما حدث بعد تفجيرات 16 ماي حين اكتشف الجميع أن المسؤولية يتحملها، بشكل مباشر، من مكن لتيار وهابي وفكر متشدد على حساب إسلام متسامح عرف به المغرب منذ القرون الأولى للإسلام؟ ومن سنحاسب في حالة الإخفاق في تدبير أي ملف عسكري واستراتيجي؟ هل سنحاسب الملك وهو الذي نصت المسودة على أنه “غير مسؤول”؟ أم الحكومة التي لا يوقع بالعطف أي من وزرائها على هذا النوع من الظهائر؟

ولوحظ كذلك ميل إلى تعويم الهوية والمرجعية الإسلامية للدولة بعدم التنصيص على اعتبار الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع، وعدم دستورية كل التشريعات المخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، بل إن الاتجاه العام ينحو نحو سمو الاتفاقيات الدولية، وعدم تمثيلية علماء الشريعة في المحكمة الدستورية.

وهناك تنصيص مبدئي على الكثير من الإيجابيات في الدستور مع ترك التفصيل فيها لقوانين تنظيمية، مما يذكرنا بعقود مرت ظل فيها التنصيص دستوريا على حق الإضراب دون صدور القانون التنظيمي المنظم له إلى حد كتابة هذه السطور. وهذا أمر يخص في المسودة الجديدة دسترة ترسيم الأمازيغية والمجلس الحكومي والمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وفي ما يخص النقاش العمومي حول مشروع الدستور يلاحظ حرص على تقليص الحيز الزمني للنقاش العمومي ورغبة في مباغتة الأحزاب وإصرار على حرمان الرأي المخالف من التعبير في وسائل الإعلام العمومي، وخير مثال هو عدم تغطية انسحاب حزبي “الطليعة” و”المؤتمر الوطني” والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث لم يسمع المشاهد دواعي انسحابها كما سمع، على الأقل، آراء المطبلين والممجدين، وكما فتح الباب لأمين عام حزب للحديث عن موضوع لا يهمه، حين قام بقراءة مفندة لأسباب انسحاب هذه التنظيمات الثلاثة.

وسيتضح أكثر عدم تكافؤ الفرص أثناء حملة التعبئة للاستفتاء، حيث ينتظر أن يصبح الإعلام العمومي بوقا للرأي الرسمي الداعم للمشروع، وينتظر التضييق على دعاة المقاطعة بالاعتقالات، وينتظر تسخير كل إمكانيات الدولة لترغيب المواطنين وترهيبهم حتى يصوتوا لفائدة الدستور الجديد، وهذا هو سر التضييق على الاحتجاج في الأحياء الشعبية.

وفي ما يخص الكتلة الناخبة يلاحظ اقتصار على تحيين اللوائح عوض مراجعتها كليا، وإصرار على عدم اعتماد البطاقة الوطنية كبديل عن بطاقة الناخب. والنتيجة أن حوالي ستة ملايين مغربي غير مسجلين في هذه اللوائح، يضاف إليهم خمسة ملايين من مغاربة الخارج محرومون من حقهم الدستوري في المشاركة في الاستفتاء. وهكذا نكون أمام إقصاء مباشر لنصف الكتلة الناخبة التي حصرتها المراجعة الاستثنائية في 13 مليونا و106 ألفا و948 ناخبا بعد حصرها بصفة نهائية يوم 6 يونيو الجاري.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك الجهاز المشرف على الاستفتاء، وهو وزارة الداخلية، المعروف بسوابقه في التزوير والتحكم، فإننا سنكون إزاء استفتاء شكلي معروفة نتائجه قبل إجرائه، ولذلك يكون من العبث انتظار المسودة مكتوبة مهما كانت جودتها.

ناهيك عن كون المشكل لا يتعلق فقط بالوثيقة الدستورية وحدها في ظل الفساد المخيم على الساحة السياسية والتضييق على الحريات العامة واختراق الهيئات السياسية وعدم حياد الدولة واستغلال النفوذ والتضييق على الصحافة واحتكار الإعلام العمومي وحملات التشويه التي تطال المعارضين وغير ذلك من المطالب المشروعة التي رفعتها حركة 20 فبراير.

إننا أمام دستور ممنوح شكلا، وغير ديمقراطي مضمونا، وتم إقراره باستفتاء غير نزيه، وأشرفت عليه وزارة مطعون في حياديتها، وبناء على لوائح انتخابية مغشوشة، ولم يخضع النقاش بشأنه لحوار حقيقي وتكافؤ فرص في التعبير.

تبخرت الآن كل الشعارات حول تغيير بنية الدولة والثورة الثانية والملكية الجديدة لأن الأمر لا يعدو تعديلا تقنيا لا علاقة له بالجيل الجديد من دساتير الحقوق. وما على كل من خرج إلى الشارع إلا الاستمرار في النضال من أجل دستور ديمقراطي.

بدأت المقال بتعريف للدستور، وأختمه بالشق المكمل من التعريف، وهو أن الدستور تجسيد لميزان القوى في المجتمع. وواهم من يتصور أن بإمكانه الحصول على دستور ديمقراطي بدون تغيير ميزان القوى الراجح لفائدة المخزن الذي يحتكر السلطة والثروة والمشروعية والمعلومة والقوة، بل هناك من “القادة السياسيين”، سامحهم الله، من يضع نفسه في كفة المخزن ويطالب بدستور ديمقراطي.

أرأيتم كيف نحتاج إلى وضوح سياسي أولا حتى يعرف الشعب من معه ومن ضده؟