خرجت الشعوب العربية إلى الشارع بالآلاف وبالملايين لتمارس حقها المشروع في التظاهر السلمي الذي يخوله لها ما أُسست عليه كل دساتير هذه الدول من نصوص وفصول، تؤكد وتتبنى المبادئ التي جاءت بها حقوق الإنسان، ومن بينها الحق في التجمع، لترفع صوتها عاليا وتعبر عن رفضها للطريقة التي تدار بها الأمور في البلاد، ولتعطي بدائل تساعد في تحقيق طموحاتها من أجل مصالح مستقبلية جماعية مشرقة.

لكن الغريب في الأمر هو ما نراه من قمع لهذه الحرية المشروعة التي تتغنى بها كل هذه الأنظمة وتعلن دائما دفاعها عنها، بل لطالما ادعت بأحقية المواطن في المشاركة السياسية من أجل بناء دول الحق والقانون. فلماذا يا ترى تخاف إذن هذه الأنظمة من تجمهر المواطنين ومن ممارستهم واستعمالهم لهذه الأداة التي هي البرهان القاطع على مدى سريان الديمقراطية في البلاد؟ في حين نرى أن الدول الغربية تحترم هذا الأمر ولا تتدخل لمنعه وحسمه مادام لا يُخل بالأمن العام ولا يمَس بمصالح أي من المؤسسات والمواطنين، و مادام يمارَس بشكل سلمي وحضاري؟

إن السبب في هذا يعود وبكل تأكيد إلى كون هذه الأنظمة القائمة ما هي في الحقيقة إلا أنظمة هشة، لم ُتبن على دعامات حقيقية تُخَوِّل لها الاستجابة لمطالب شعوبها، والدليل على هذا هو انعدام أي إستراتيجيات عربية جادة للتنمية تكون مبنية على رؤى واضحة وتأخذ بعين الاعتبار المعطيات التي تميز كل بلد من أجل تطوير حقيقي تلبية لحاجيات شعوبها ولكي ترتقي إلى العالمية وتهبط من المثالية الزائفة التي تعيشها.

إنها مجرد مومياءات خالية من المعنى و من الحياة، فهي لا تستطيع ضخ الحياة في مجتمعاتها ولا تستطيع تلبية رغباتها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية. أنظمة تخاف من يقظة شعوبها، تخاف من أن تُكشف حقيقتها، فهي تختبئ و تتستر بشعارات زائفة من مثل: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة”.

كيف هذ؟ وهل إرادة الأمة مهمة لذا أولي الأمر؟ أم إن الأمر مجرد كلمات وتعابير هي حبيسة الدساتير والقوانين إلى أجل غير مسمى؟ و إذا ما أرادت الأمة تغيير الحكومة الفاسدة أو أرادت مجانية الصحة أو أو.. ماذا يحدث؟ الجواب يأتي سريعا: “القمع” بالعصي والهراوت وبالبنادق والرشاشات ، في حين أن الدول الغربية لا يشكل لها أي مشكل تجمهر الناس وتظاهرهم في أشكال سلمية، ليعبروا عن مطالبهم كيفما كانت وحتى وإن رفعت الجماهير سقف احتجاجاتها، لأنها أنظمة بنيت أصلا وفعلا وقولا على قاعدة شعبية صلبة وهي واعية بعملها وبمدى فاعليتها وهي بهذا لا تخشى أن تُزحزح عن السلطة وحتى وإن كان، فهذا أمر عادي ومحتمل في أي وقت، لا مكان هناك للاستبداد بالسلطة، الشعب هو من يقرر ويحكم، وهذه هي الديمقراطية وهذا ما تقتضيه. وما شهدناه هذه الأيام من اعتقال وحبس لرئيس صندوق النقد الدولي “دومينيك ستروس” رغم وزن الرجل وانتمائه الذي يجهر به، لخير دليل على أن القانون هناك لا يجامل أحدا، وأنه لا مناص للمخطئ والمتهاون في واجبه الوطني والذي يلزمه باحترام كرامة الآخرين من مغادرة المكان وتركه للأنسب، وأيضا دليل على استقلالية القضاء بعدم إخضاعه لسلطة أي كان، إنما له كامل الحرية في الحكم بما يراه الأصوب والأحق، ليُطَبق على الجميع دون أي تمييز ودون أن يتعالى أي كان على قواعد القانون؛ فالمحكمة هناك هي صاحبة القرار الأخير .

وأيضا ما يحدث في إسبانيا من تظاهرات واعتصامات تمر في أجواء من التفهم والاحترام المتبادل بين السلطة والشعب، وليأت المتظاهرون إلى مكان الاعتصام محمّلين بكل ما يوفر لهم الراحة “الأرائك” مثلا دونما أي مشكل.

فهذه أنظمة بنيت على أسس صلبة وتلتزم كيفما كانت الظروف باحترام مواطنيها وحق ممارستهم لكافة حقوقهم المدنية والسياسية وهي تطبيق فعلي لما قاله ماوتسي تونغ إننا نخدم الشعب ولا نخاف أن يكون في عملنا نقص ولا أن يكشف هذا النقص وينتقد ويمكن لكل أحد أن يكتشف نقصنا. فإذا كان محقا أصلحنا خطأنا، وإذا كان ما يقترحه نافعا للشعب فإننا نعمل بوصيته).

أما نحن الشعوب العربية، فتكاد تجد أن الشغل الشاغل للسلطة هو البحث عن كيفية حماية نفسها ووجودها. ففي المغرب، على سبيل، المثال كل همّ ”المخزن” يتركز على شكل المظاهرة وأين ستقام وترويع الناس، بل وتحذيرهم من المشاركة، إضافة إلى تمرير الإشاعات وتزييف الحقائق لتشويه صورة شباب ”حركة 20 فبراير”. في السعودية تم إصدار فتوى بتحريم التظاهر وباعتبار ذلك خروجا على الحاكم وهو شيء محرم شرعا!!

في سوريا مند سنة 1962والناس يعيشون تحت قانون الطوارئ الذي يَحُدُ من حريتهم وحين رُفِع منذ بعض الأسابيع وحاول المواطنون ممارسة حرية التظاهر وعبّروا عن الرغبة في الإصلاح الشامل مما يضمن لهم العيش الكريم، نرى ما قوبلوا به ”الرصاص” دون أن يرف جفن للسلطة.

أنظمة رخوة لا تملك إرادة سياسية للتغيير، كلما تجمهر الناس اقْشَعرّ بدنها وأسرع نخاعها ألشوكي الخائر برد فعل انعكاسي يحرم المواطن الذي يفترض أنه حر على أرضه من أحق الحقوق و أثمنها والذي هو إبداء رأيه.

رددت الأنظمة الفاشلة نفس العبارات الواهية من أمثال عذرنا هو حفظ أمن البلاد والعباد، وتبدأ في اقتراح ما يسمى بالتعبير الحر غير المباشر المتكتم وذلك عبر الاستفتاء الشعبي، أو اللجوء إلى الانتخابات، والكل يعلم سر التمسك بهذين الخيارين اللذين لا يخلوان من الغش وتغيير للنتائج لصالح الفساد وأهله، وليبقى الأمر في ميزان السلطة وحدها من أغراضها ولِتُقمع الأصوات المنادية بالإصلاح. ونحن نرى كيف يتم تحويل هذه العملية الانتخابية في المغرب إلى أجواء احتفالية، بدائية، يتم فيها تبادل الولاء والطاعة بين المخزن والمواطنين ولتطمس الحقائق ويتم التزوير بكل شفافية ونزاهة وتحت أنظار الجميع.

لا يمكن لهذا الواقع من الاستمرار، فاليوم لم يعد بوسع هذه الحيل أن تنطلي على العقول بهذه السهولة، رغم استعمال كل الطرق إلا أن شمس الحقيقة أصبحت أكبر من أن تُحجب عن الناظرين، والأوضاع وصلت إلى حد يصعب معها لأي فصيح عليم اللسان أن يقدر على طمس ما يعيشه ويراه و يسمعه الناس كل يوم من ظلم وتعد على أبسط الحقوق الضرورية للإنسان.

إن الديمقراطية التي جعلتها هذه الأنظمة العربية ركيزة في صك دساتيرها، تقتضي الإنصات للصوت المعارض واحترام رأيه بل استعداد الحكومات في أي وقت للنزول عند رغبة الشارع في حال ما إذا اتخذ الشعب قراره برفض انتدابها لمواصلة تسيير شؤونه. هذا هو مغزى ما جاءت لصيانته ”الحريات العامة” التي هي الشطر الأساسي من حقوق الإنسان.

وهكذا بنت الأنظمة المتقدمة نفسها، على مبدإ احترام الفرد وحريته في القبول أو الرفض لكل ما تعرضه عليه الدولة، التي هي في الحقيقة ليست إلا ممثلة له ونائبة عنه لتسيير الشأن العام، أو فلتغير هذه الأنظمة المستبدة دساتيرها ولتجعل القمع وحماية مصالح السلطة، لا الشعب، ضمن فصولها، وسنحترم على الأقل وضوحها، وسيصبح التعرض للتظاهر أمرا ينص عليه القانون الذي هو أسمى من الجميع.

على هذه الأنظمة إن أرادت لنفسها الاستمرارية أن تغير من قناعاتها أولا وأن تتبنى هي أيضا، على غرار الأنظمة الغربية، سياسة منفتحة على شعوبها تحترم قواعد الديمقراطية، بدل اللجوء دائما إلى أساليب قمعية أظهرت التجربة عبر التاريخ وحتى في وقتنا هذا أنها أصبحت بالية وغير مجدية، وأن ليس هناك خيار أمامها إلا التغيير: تغيير سلوكها العدائي وتغيير هيمنتها السياسية والتخلي عن أطماعها وسلطويتها لأنه لم يعد المجال متاحا لكل هذا فعهده ولى وانجلى وهي الآن أمام شعوب هدمت جدار الخوف والوهن وخرجت لتطالب بكل حقوقها وإن اقتضى الأمر أن تبذل أروحها فداء لاسترجاع حريتها المسلوبة، لتصبح هي من يقرر مصيرها وهي من تفعل ولن ترضى بعد الآن أن يُفعل بها، ومن الأفضل للسلطة أن تسمع نصيحة ماوتسي تونغ الذي يقول: إن كل مسألة إيديولوجية وكل خصام داخل الشعب لا يمكن حلها إلا بطرق ديمقراطية بالمناقشة والنقد والإقناع والتربية ولا يمكن حلها بطرق الضغط والالتزام). فيا ليت حكام قومي يعلمون ويعتبرون.