تقديـم

أعادت الثورات العربية المباركة إلى الواجهة سؤال الدولة الدينية والدولة المدنية، سؤال قديم جديد يعود إلى الواجهة كلما اقترب الإسلاميون من الحكم أو تحدثوا عنه، خصوصاً إذا علمنا أن الثورات العربية تعرف مشاركة واسعة للإسلاميين إلى جانب الفضلاء الديمقراطيين من أبناء هذه الأمة. فما هو موقف الإسلاميين من الدولة المدنية؟ وكيف يقومون تجربة الدولة الدينية في تاريخ أوربا؟ وهل تبنيهم لخيار الدولة المدنية قناعة فكرية وسياسية أم مغازلة للديمقراطيين؟ وما العلاقة بين الدولة الوطنية ودولة الخلافة في الخطاب الإسلامي؟

الدولة الدينية

هي الدولة الثيوقراطية والتي يعتبر الحاكم فيها نائبا عن السماء؛ دولة يحكم فيها رجال الدين بتفويض إلهي مباشر وغير مباشر، وتتخذ شكلين أساسيين 1 : إما الحكم بتفويض إلهي مباشر يزعم فيه الحاكم أنه معين من قبل الله أو الحكم بمقتضى العناية الإلهية، وفيها يختار الشعب الحاكم لكن اختيارهم له هو إرادة إلهية وليس إرادة شعبية، بل إن الله هو من وجه الجماهير لاختياره، وفي كلتا الحالتين يعتبر الحاكم مسؤولا أمام الله وحده وليس أمام الشعب بل على الشعب السمع والطاعة، طاعة دينية وليست سياسية.

وبناء على الحق الإلهي، فإن الحاكم في الدولة الدينية يستأثر بحقين أساسيين هما: حق التشريع بما هو تحديد الحلال والحرام ووضع القوانين والتشريعات المنظمة للدولة والمجتمع والأفراد، وحق الطاعة والولاء من طرف الأمة بمقتضى نيابته عن الله، فهو ليس نائباً عن الأمة خاضغاً لمراقبتها ومحاسبتها بل هو نائب عن الله والمحاسبة من اختصاص الله في حقه. فإذا انتفت مقومات الدولة الدينية، بما هي نيابة عن الله في الحكم والتشريع وحق الولاء والطاعة الدينيين للحاكم لم تكن الدولة دينية.

هذا النموذج من الحكم عرفته أوربا في العصور الوسطى، حيث حكمت الناس بالحديد والنار وباسم القداسة والحق الإلهي ، فكانت التجاوزات والخروقات التي يشهد بها التاريخ والتي ستنعكس سلباً على الفكر الغربي عموماً وتحديداً موقفه من الدين وعلاقته بالسياسة والحياة العامة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل عرف تاريخ الإسلام والمسلمين نموذج الدولة الدينية في الحكم؟ الجواب قطعاً بالنفي، فلا يوجد حاكم من حكام المسلمين ادعى أنه معين من قبل الله أو أنه مشرع عن الله ورسوله. نعم كانت هناك أنظمة حكمت بالقوة والجبر وأحياناً بتأويلات لنصوص شرعية )المعتزلة نموذجاً( لكنها، حتما، لم تكن دولة دينية بالمعنى الغربي للكلمة، وإنما هي دولة تسلطية حكمت وفق الأهواء وليس وفق الدين، بدليل تسجيل التاريخ لقيام العلماء حراس الشريعة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه هذه الأنظمة وأمام تجاوزات السلاطين والملوك، ولم نجد في خطاب الإسلاميين عموماً من دعا إلى الدولة الدينية بل يعتبرونها وثنية جديدة.

الدولة المدنية

المدنية صفة لهذه الدولة، ويقصد بها في الاصطلاح المعاصر: الدولة الحضرية أو الحضارية، عكس البدوية، بما تحمله البداوة من معاني الترحال وعدم الاستقرار والتهميش والاحتكام إلى العدد والقوة والمال. الدولة المدنية هي دولة المؤسسات وسيادة القانون، دولة الشعب وليس دولة الملك أو الأمير أو الحاكم أو رئيس الوزراء، دولة ديمقراطية ضامنة للحرية وحافظة لحقوق جميع المواطنين، مهما كانت عقائدهم أو لغاتهم أو انتماءاتهم السياسية أو الفكرية.

مرتكزات الدولة المدنية

تقوم الدولة المدنية في الفقه الدستوري الحديث والمعاصر عل مرتكزات رئيسة هي:

1. الوثيقة الدستورية

يعتبر الدستور القانون الأسمى للدولة، فهو قانون يحد من سلطة الحاكمين ويضمن حرية المحكومين ويضع حداً للاستبداد والظلم والتعسف ونهب الثروات… هذه الوثيقة يشترط فيها على مستوى المضمون أن تقر بفصل حقيقي للسلط واستقلال مؤسسة القضاء والتداول السلمي على السلطة، دستور يؤسس لمؤسسات حقيقية وفاعلة. أما على مستوى الشكل ففي الفقه الدستوري خيارات لوضع الدستور الديمقراطي ، أفضلها تمثيلا لإرادة الشعب، خيار الجمعية التأسيسية المنتخبة من طرف الشعب والتي تناط بها مهمة وضع الدستور ومرجعيته وقوانينه.

2. اختيار الأمة للحاكم

توفى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعين أحداً من أقربائه أو غيرهم لخلافته، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يرونه أهلا للأمامة، وقد اتفق العلماء من أهل السنة والجماعة وغيرهم أن الإمامة تكون بالاختيار والشورى وليس بالنص والتعيين، ويرجح الاختيار على غيره لجملة من الاعتبارات هي:

أولا: أن النصوص القرآنية لا تؤكد مبدأ النص في تولية الحاكم، بل تؤكد مبدأ الاختيار والشورى.

ثانيا: لقد مثل إجماع السقيفة على الرغم مما يلاحظ عليه من قبل البعض، سابقة دستورية على وجوب إقامة الخلافة من جهة، ومن جهة ثانية على أن اختيار الحاكم والخليفة يكون بالانتخابات من الأمة وبإرادتها وممثليها الذين هم موضع الثقة التامة منها والذين يعبرون عن إرادتها تعبيراً صحيحاً) 2 .

ويرتبط بهذا المرتكز قواعد منها: أن الإمام أو الحاكم لا قدسية له، وليس ممثلا عن الله في الأرض، بل هو شخص تختاره الأمة وتحاسبه وتقومه أو تعزله: فإن أصبت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني)، وقاعدة: الحاكم أجير عند الأمة يعطي من بيت مال المسلمين وليس مالكا للبلاد والعباد.

3. الفصل بين السلط

انطلاقا من مبدإ أن “السلطة تحد السلطة” وضع جون لوك ومونتسكيو نظرية فصل السلط، وذلك لأن النفس البشرية ميالة إلى السيطرة وفرض القناعات الشخصية والأهواء على الآخرين، إذا لم يوجد من يوقف هذه الرغبات. فالجمع بين السلط من شأنه أن يؤسس لدولة الحكم المطلق والفردي، بل ذهب أحد الفقهاء إلى أن “الجمع بين السلط يؤله صاحبه”. من هنا كانت ضرورة الفصل بين السلط الثلاث، فالسلطة التنفيذية تحدد مهمتها في تنفيذ القوانين والتشريعات الصادرة عن السلطة التشريعية والتي يمثلها البرلمان، تم السلطة القضائية التي تفصل في المنازعات ودعاوى الاختصام. ولنا في تاريخ الإسلام نماذج ساطعة على استقلالية مؤسسة الإفتاء كمؤسسة تشريعية وكذلك استقلالية المؤسسة القضائية والتي من تجلياتها قصة الدرع المشهورة التي حكم فيها القاضي لصالح مواطن يهودي في خصامه مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

4. التمثيل النيابي

إن الأصل في السلطة على الأرض هو إجماع المجتمع) 3 ، فهو الذي يختار الحاكم ويعزله وهو الذي يشرع القوانين والأحكام المنظمة للمجتمع، لكن هذا الإجماع أو الاتفاق يتعسر عند توالي الوقائع والحاجة إلى تشريعات آنية، مما يستدعي نزولا من مستوى الجمهور إلى ممثلين عن الشعب، ممثلين يختارهم بنفسه ووفق إرادته بناء على الخبرة والرشد والأمانة. وفي هدي الإسلام نجد النبي صلى الله عليه وسلم عند بيعة العقبة أمر الأنصار باختيار اثني عشر نقيباً يمثلونهم لتعذر أخذ رأي الجمهور، وقد أخرج أبو داود في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يستقيم الناس إلا بعرفاء”، والعرفاء هم ممثلو الشعب ونواب الأمة.

5. التعددية العقدية والفكرية

من أبرز ما يميز الدولة المدنية أنها دولة الحريات، حرية الحركة والنقل والتعبير والتنظيم، فليس لجهة مهما كان نفوذها أن تحاصر أو تضيق على حرية الآخرين أو أن تحتكر وسائل الإعلام والاتصال دون سواها تسويقاً لمذهبها أو رأيها، كما أنه ليس من حق أحد أن يكره آخر على مذهب أو رأي أو إيمان بمعتقد غيبي.

فقد جاء القرآن الكريم ليثبت مبدأ “لا إكراه في الدين” فالإكراه التصوري أو الفكري أو العقدي مرفوض في الشريعة الإسلامية رفضاً مطلقاً، بل إن الدولة الإسلامية زمن النبوة وبعدها كانت سباقة إلى الاعتراف بحقوق غير المسلمين في ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم، والحفاظ على أمنهم الشخصي والجماعي في أنفسهم وممتلكاتهم، كما حرصت على إعفاء غير المسلمين من الخضوع إلى الشريعة، وأثبتت لهم حقهم في اتباع شرائعهم الخاصة بهم) 4 .

الدولة الوطنية والخلافة

بانتقاض “الخلافة” العثمانية، دخلت الدول العربية والإسلامية مرحلة الدولة الوطنية، والتي كانت شرطاً للغرب الإمبريالي للحصول على الاستقلال. تجزئة كان الهدف من ورائها إحكام السيطرة على الدول المجزأة والمشتتة، لكن التجزئة التي عرفها العالم العربي والإسلام هي تجزئة جغرافية لم تمتد لتشمل وحدة القلوب ووحدة الولاء للأمة. هذا الولاء الذي لا يتنافى مع ولاءات ثانوية قطرية أو قبلية أو أسرية، لكن الولاء الأصلي هو الولاء للأمة الإسلامية.

هنا يطرح سؤال الخلافة على الفاعل الإسلامي والذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، وهو في اعتقادنا هدف واقعي وضرورة استراتيجية لنهضة الأمة المسلمة وقوتها. ولعل تجربة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد أوربي ليست عنا ببعيد، فهذا الأخير رغم اختلاف لغات دوله والتاريخ الدموي والحروب الطاحنة في الماضي القريب، لم تمنعه من إقامة تكتل سياسي واقتصادي وعسكري كان مبتدأه تعاون على الفحم والحديد، تم اتسع هذا التعاون ليقيم سوقاً تجارية مشتركة وصولاً إلى عقد روما المؤسس للوحدة.

إن إقامة الخلافة على شكل كونفدرالي -مثلا- ليس حلماً ساذجاً أو “طوبي الفقيه” -كما يعبر عبد الله العروي- بل إن الضرورة إليها قائمة والإمكانية مستقبلا متاحة ولا يحتاج إلا إلى إرادة سياسية ووعي جماهيري شعبي عبر عملية بناء ثقافي أخلاقي تعمل على بناء الوعي الإسلامي ضمن القاعدة الشعبية، والانطلاق منها نحو بناء المؤسسات السياسية على والإقليمي والأمي.) 5


[1] محمد ضريف: القانون الدستوري: مدخل لدراسة النظرية العامة والأنظمة السياسية ص 31-32. منشورات المجلة المغربية لعلم الإجتماعي السياسي الطبعة الأولى 1998.\
[2] محمد المرواني: الدولة الإسلامية دولة مدنية: مجلة منار الهدى ص 34 العدد 8 دجنبر 2006.\
[3] حسن الترابي: السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع ص 231 دار الساقي، الطبعة الثانية 2004.\
[4] لؤي الصافي: العقيدة والسياسة: معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية ص 246 منشورات المعهد العالي للفكر.\
[5] المرجع السابق ص 114.\