مقدمة

لقد اقتضت سنة الله تعالى في كونه أن لكل بداية نهاية، فلا سرمدية لأي حال من الأحوال. وكثيرا ما يتردد على ألسنة المغاربة: “ما يدوم حال أو دوام الحال من المحال”، و مهما طال ظلام الليل يتبعه نور الفجر، ” ولن تجد لسنة الله تبديلا “.

لقد طالت على أمة محمد صلى الله عليه وآله و سلم مصيبة العض والجبر، كانت بدايتها على إثر الانكسار التاريخي الذي أعقب فترة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم. هذا الانكسار الفاجع تمثل في تحول الأمر من شورى وعدل وإحسان ورحمة إلى وراثة وظلم وهوان ونقمة.

ها نحن نشهد حاليا، بحمد الله، أحداث نهاية هذه المصيبة، راجين منه اللطف في الأقدار الجارية.

تصديق البشارة

لا يسع المؤمن الحقيقي إلا التسليم لخبر الوحي، ومن الوحي ما نطق به الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ففي حديث مشهور من رواية الإمام أحمد نجد في آخره: “ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”، ذكر الحبيب المصطفى هذه البشارة بعد ذكره مرحلة العض والجبر التي كان لا بد أن ترزح الأمة تحت نيرها ما شاء الله من الزمان قدرا مقدورا.

نهضة الأمة

ويصنع الباري جل جلاله أحداثا تطلق الشرارة الأولى فتنهض الأمة من كبوتها, ذلك ابتداء ببلد إفريقي صغير، هو تونس، حق الفخر والعز لأهل تونس الأبطال، تقبل الله شهداءهم وكافة شهداء الإسلام وعجل شفاء جرحاهم آمين.

لم يكن هذا البلد في حسابات السياسيين والمهتمين هو المرشح الأول لتفجير ثورة يمتد لهيبها ويبعثر أوراق اللاعبين الكبار في حلبة النفوذ والصراع العالميين. لقد أطاحت الثورة المنتشرة حتى الآن بأنظمة استبدادية، لم يكن يدور بخلدها إلى الأمس القريب أن تحل بها هذه الفاجعة.

فقد اقتحم الشباب حاجز الخوف في الكثير من الدول القائمة على الجور، وبدأت تلك الروح الأبية تسري إلى غيرها شيئا فشيئا، يحذوها شعار: “لا رجوع لا ركوع” (لغير الله طبعا)، إنه نذير شؤم للظالمين.

إن مجرد الشعور بأدنى خطر يتهدد طمأنينتهم على السلطة والمال هو نذير شؤم ينغص الحاضر والمستقبل، كيف لا وقد انتخبوا أنفسهم للحكم مدى الحياة؟ منهم من أبدعوا أغرب استفتاءات في تاريخ الديمقراطية تمجدهم بنسب تحوم حول 99,99% ! وقد أعد “أصحاب الفخامة” المخلدون بكل وقاحة واستخفاف بالشعوب أولياء العهود لنقض العهود، أما أصحاب “الشرعية التاريخية” في وراثة البلدان، باعتبارها مزارع آبائهم المنعمين وباعتبار سكانها خدما ورعايا أوفياء، فمن أنكر البدع في دين الانقياد أن يتساءل أحد عما يفعلون، أو كيف يتصرفون في أرزاق العباد وإدارة البلاد، لأنهم “ملهمون” في السياسة والاقتصاد!

ناهيك عن مواقف الهوان والعار تجاه سيطرة اليهود الغاصبين على أرض الإسراء والمعراج، بل وتآمرهم المشين ضد خيار الشرفاء وحقهم في دحر العدو بالجهاد المقدس والمقاومة النبيلة.

تحسسوا كراسيكم!

لقد أهدر معظم الحكام المتسلطين فرصة ثمينة كانت سانحة حتى وقت قريب، هي العودة إلى الرشد، وذلك بالكف عن الاستبداد وتفويض الأمر إلى الشعوب. لعمري لو أن أحدهم فعل ذلك بصدق لوجد في شعبه كرما عظيما، ولأسلس له القياد محبة وتقديرا، وعفا عما سبق من جرمه، واحتسب ضحاياه وشهداءه عند الله.

لكن هيهات هيهات! كم يصعب على من أشرب في قلبه التكبر بغروره حتى اعتقد كونه فوق طينة العباد، وأن قدرهم هو الخضوع له إلى الأبد، ما أصعب أن يرى بل أن يتخيل نفسه في مرتبة سائر بني آدم يعيش آلامهم وآمالهم.

لم يحالف التوفيق أحدا من هؤلاء الحكام أن يتعظ بمن قبله، ولا أن يستوعب متغيرات العالم الذي أضحى بواسطة تكنولوجيا الإعلام والاتصال بمثابة قرية صغيرة، تتواصل بفضله الشعوب ويطلع بعضها على مسيرة بعض، ويتطلع للاستفادة منها، فلا يعقل أن يظل في ضنك الاستعباد مكتوف الأيدي ويرى غيره ينعم بالحرية والرفاهية.

بالرغم من امتلاك الأنظمة الحاكمة للمؤسسات الاستخبارية التي تحصي أنفاس العباد، ومراكز الدراسات التي تبحث في التحولات الاجتماعية، لم تستطع استيعاب التأثيرات الخارجية والمتطلبات الداخلية لتفادي المكروه. ذرهم في طغيانهم يعمهون، إنه عمى البصيرة والعياذ بالله، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

الآن وقد فات الأوان، فيا أيها الحكام بغير رضا الشعوب في بلاد المعمور، بالخصوص من المحيط إلى الخليج، سواء منكم الموظفون لدى الويلات المتحدة أو لدى القارة العجوز! في حراسة النفط والغاز أو في حراسة المعادن وخيرات البحار، أو في خدمة القواعد العسكرية والمواقع الإستراتيجية للاستكبار العالمي، اعلموا أن أسيادكم لن يغنوا عنكم من غضبة الشعوب وهبتها شيئا، ولم يعد بالإمكان استغفالها والاستخفاف بها.

الآن عليكم أن تتحسسوا عروشكم وكراسيكم صباح مساء، فلا يدري أحدكم إذا أصبح على كرسيه هل سيجد نفسه عليه مساء! وإذا أمسى عليه، فهل سيجده صباحا؟

لا نهاية لحسرة الطغاة على تقلب الدنيا عليهم، ولحسرات الآخرة أشد وأبقى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

المستقبل للإسلام

غدا بحول الله تمسك الأمة بزمام أمرها ويكون أمرها شورى بينها، وتتداول في السبل الناجعة في الإدارة والتسيير.

إن أشد وأسوأ ما حال بين المسلمين وبين التنظيم المتحضر الأرقى والأنقى لشؤونهم، والتي يصلح بها معاشهم ومعادهم، هو هذا الطغيان الجاثم على الصدور، المسبب للفقر والجهل والخمول، والناشر لأمراض الأبدان والقلوب والعقول؛ فبزوال هذا النكد العضال ورحيله غير مأسوف عليه تستعيد الأمة عافيتها وكرامتها ومكانتها اللائقة بها في العالمين، وما ذلك على الله بعزيز.

في الختام هنيئا لك يا أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبشرى لك، فقد مضى عهد الهوان إلى غير رجعة إن شاء الله الملك الوهاب، والفضل كله والمنة له، فحمدا وشكرا لربنا تبارك وتعالى القائل في محكم تنزيله: لئن شكرتم لأزيدنكم، نسأله أن يتم لنا النصر المبين في الدنيا ويكرمنا بحسن المعاد في دار الخلود.