من الواضح أن النظام المغربي لما يستوعب بعد طبيعة المرحلة الجديدة التي يعيشها البلد والمنطقة، فهو يصر في غرابة مستهجنة على استبلاد ذكاء المغاربة، وتصغير إرادتهم، وتحقير مطالبهم، وافتعال قضايا مصطنعة لإلهائهم، وتقديم إجابات خاطئة على أسئلتهم الصحيحة.

دعونا نعيد تفكيك وتركيب معادلة المرحلة لتتضح صورة الوضع المغربي بعيدا عن كل تشويش.

انطلقت إرادة المغاربة يوم 20 فبراير تريد فعلا يحسب لها في التاريخ بانخراطها السلمي والحضاري من جهة، والفاعل والجاد من جهة ثانية، في ربيع الشعوب العربية المسلمة. فنزل الناس، على طول ربوع الوطن الحبيب، بالآلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف إلى منصة الشارع، بعد أن أغلقت مؤسسات الدولة في وجوههم، يصدحون بالصوت العالي ويرددون المطلب المشروع الذي ملأ الفضاء وفتح الآفاق الشعب يريد إسقاط الاستبداد).

وضعت حركة 20 فبراير ومكوناتها الشريفة ميثاقا -عُرفيا- أخلاقيا وسياسيا، زيَّن نضالها وأعطاه جدية في العمق وجودة في العرض، تبنت الحركة ومعها أبناء الشعب المغربي المسالم أسلوب التغيير السلمي الحضاري الراقي سلمية سلمية..)، ورصّعت بشعاراتها وخطابها البسيط أرقى القيم الدستورية والسياسية التي يتداعى لها عقلاء وأشراف وأحرار العالم: جمعية تأسيسية منتخبة لوضع دستور ديمقراطي، السيادة الشعبية، فصل السلط، الفصل بين السلطة والثروة، إبعاد المستبدين والمفسدين، رفع القداسة عن ممارسة السياسة، ضمان العيش الكريم واللائق لكافة المغاربة…

مبادئ سياسية إنسانية مشروعة وأسلوب حضاري مغربي أصيل، هكذا كانت رسالة المجتمع والعديد من قواه الحية السياسية والحقوقية والمدنية، ولكن، ويا لتعاسة هذا الوطن بحكامه، قدّم النظام السياسي المغربي إجابات خاطئة مجددا، وفضل المناورة والتحايل والمكر، واعتمد التشويه والقمع والتخوين، ولم يحسن استثمار اللحظة التاريخية لإعادة صياغة التعاقد السياسي والمجتمعي مع المغاربة، وأضاع الفرصة الذهبية التي كان بإمكانه أن يسجل من خلالها فعلا حقيقة “الاستثناء المغربي”.

استدعى النظام كل وسائله القديمة والجديدة، وانتصر لأصالته المخزنية المغرقة في عتيق الاستبداد، وانتهج أساليب الميكيافلية الرديئة؛ خوّن وشكك وأدار حملة إعلامية شرسة على الحركة ومكوناتها… لم يُفلح، فناور بلجنة ودستور على المقاس، وتحايل بخطوات اجتماعية وسياسية ذرا للرماد في عيون الأحرار… لم يَنجح، فرفع عصا القمع والمنع وأطلق ذئاب الليل تهديدا واختطافا وتعذيبا وقتلا… لم يُرهب.

لم يُفلح ولم يَنجح ولم يُرهب.. ولم يستفد من تجاربه في القديم والحديث ولا تجارب غيره، فأعاد تكرار أساليب “البلطجة السياسية” في حق جماعة العدل والإحسان، بعد أن فشلت حملة “البلطجة الإعلامية” التي عاينها الجميع، فهو يحاول اليوم خائبا، بأساليب الإثارة الرخيصة، النيل من شرف الأستاذة ندية ياسين التي ما ساومت على مواقفها السياسية، ويحاول التخويف باعتماد أساليب الاعتداء الجسدي على مجموعة من قادة وأطر الجماعة وعائلاتهم، ويحاول الضرب بكل الوسائل الرخيصة السياسية والإعلامية والأمنية كاشفا عن حقيقته البشعة. ولكنه، بإذن هازم الظلم وناسف الباطل، لن يفلح ولن ينجح ولن يرهب.. ولعلّه كما لم يستفد لن يستفيد، وقديما قيل العاقل من اتعظ بغيره والتعيس من اتعظ بنفسه).

هي سلسلة من الأجوبة الخاطئة والمقصودة على أسئلة صحيحة ومشروعة، تكشف تخبط دولة وعراقتها في دنيا الاستبداد، وتظهر اهتزاز نظام وجدارته الأصيلة في مسار الخطأ.