توطئة

قصيدة كُتِبَت بدَمْع أُمّ كمال، وسُطِّرَت بِدَم الشّهيد عمّاري الذي سال في سبيل أن يبقى شباب عشرين فبراير وفِيّاً لهَبَّته السّلمية، أبِيّا لا يقبل الدنيّة، عَصِيّا على الأجهزة القمعيّة، حتّى يُحقِّق مطالبه الشَّعبيّة. وإلى ذلك الحين تقبَّلوا منّي هذه الأبيات الشعرية تحيّة وهديّة وتعزية، وللأدب في ربيع العرب بقيّة.

ناعق باسم الأقلية السّاحقة

لماذا نَزَلْتَ إلى الشارع
ولم تستجِبْ لندا المانع
وأطمعت فينا هوى الطامع؟
ألم يُخبِروك بِنصّ القرار
بأنّ التّظاهر شِبْه انتِحار
وأنّ الحوار يُقيل العِثار؟!
ألم يُعلِموك بأَنْ لا اعتصام
يؤدّي إلى فتنة وازدحام
ويَصْرف عنّا الضّيوف الكرام؟!
ألم نَكُ يا صاحِبي في غِنى
عن العيش في الرّعب بعد الهنا
وقد وَعَدونا بأحلى مُنى:
بِدرء الفسادِ ودَعْم الأُجور
ورفع الحِصار ومَدّ الجُسور
أمام الشّباب لِبَدْء العُبور
إلى ضِفَّة العَدْل أسمى طَلَب
وحرية لا تُثير الشَّغَب
وفَتْح المجال لكلّ النُّخَب
لِتَأسيس حِزْب بِدون قُيود
وتَوْظيف ذا الحَقّ دون عُقُود
وعَزل الخَئون وبذل الجُهود
لِصَوْن الحقوق وفَصْل السُّلَط
ومَنْع الرَّشاوي ورَدْع الشَّطَط
ولسنا كمن أُسْقِطا أو فَرَط
فمَغْرِبُنا آمِنٌ في ازدِهار
وعاهِلُهُ في الخِطاب أشار
بِكلّ بَيان وكُلّ اقْتِدار
على أنَّهُ في غَدٍ مُقبِل
على ما يَسُرّ وما يُذْهِل
لتَرقى البِلادُ كما نَأمُلُ
لهذا فنحن بِخَيْرٍ عَميم
وهل يَجْحَد الحَقَّ إلاّ السّقيم
يريد لهذي البِلاد الجحيم؟!
وقاعدة الرُّعب حِزب الضّلال
ومَن يحشر الدِّين في ذا المجال
يُعيدُ العِباد لعَهْد الجِمال
قُل لي رَعاك إله السَّماء
لماذا نزلت مع العُمَلاء؟
لهدم البِناء ونَقْض الوَلاء

ناطق باسم الأغلبية المسحوقة

سَألْتَ أخي عن دواعي الغَضَب
وعن ثورتي في ربيع العرب
وعن واقع هائج مُلتَهِب
فذاك لأنّي سَئِمْت الفَساد
وظُلم العِباد ونَهْب البِلاد
وإرهاب عاد وذات العماد
لأنّي كَرهت القُعود الذّليل
وصَمْتِ الجَبان وصَوْت العميل
كَرهت انتظار مجيء البديل
وقَد عيل صَبْري وطال انتظار
ولا مَن يُريد سبيل الحِوار
سوى بالعصيّ وبئسَ المَسار
إداراتهم ذُقتُ فيها المرير
وإعلامهم كِذبة مِن مُبير
ولا مِن رَشيد ولا مِن مُجير
وحين انتفضْتُ وقُلتُ كفى
صُفِعْتُ على وَجْنَتي والقَفا
ولم أُلْفِ في سِرْبهم مُنْصِفا
أُهِنْتُ قُمِعْتُ نهارا جِهارا
ضُرِبت اعْتُقِلْتُ سُجِنْتُ مِرارا
ولم أر غَيْر النُّزول خِيارا
وفي شهر فبراير الشَّعْب قام
ونادى بتَغْيير نهج النِّظام
وإسقاط مَن أجْرَموا في الظَّلام
أجاب الشّباب ولبّى الشُّيوخ
وكانوا على موعِدٍ في شموخ
لدَرْء الخُنوع ورَفْض الرُّضوخ
وقالوا جميعا نَعَم للحِوار
إذا لم يكن ثَغْرَة في جِدار
وسَوْق الورى بالعِصِيّ صَغار1
وهل للنِّظام سِوى أن يجور
ويمنع من يشتكي أو يثور
ويَنْعَت مَن ناهضوه بِزور؟
ولَنْ يُطْفِئ النُّورَ نَفْخُ الرِّياح
ولن يُرْهِبَ الشَّعْبَ صَوْتُ السِّلاح
وهل بَعْد ذا الليل إلا الصّباح؟
ولستُ أُبالي بِصَمْت الأُمَم
ولا بالثّناء على مَن ظَلَم
دِمائي مِدادٌ وصَوْتي قَلَم
وسَوْف أُسَطِّر أَحْلى بيان
أُدين به مَن بَغى أو أَعان
فإما إلى النَّصْر أو للجِنان
فهذي الشوارع رَدَّت صَداي
ورَصَّت صفوفي وآوَت خُطاي
وآسَت جراحي وواسَت أَساي
ولَسْتُ بِخاذِلِها ما حَيِيت
ففيها اعتصامي وفيها أَبيت
وفيها إذا شاء رَبّي أموت
ولن يَرْجِع الشَّعْب صِفْر اليَدَيْن
ولن يُرجِعوه بِخُفَّيْ حُنَيْن
إلى أن ينال كلا الحُسْنَيَين

قسم مزيد بعد نَعْي الشّهيد

إليك «كمالٌ»2 سليل الأباة
إلى مَن قَضى بِعَصا مِن طغاة
وأهدى الحِراك أغاني الحياة3
إليك أقدّم هذا القصيد
هديّة فَخْر لأغلى شهيد
يُؤَبَّن4 في يوم نصر وعيد
إلى آسفي أسفي والعَزاء
لموت الحبيب صريع الغَباء
يَقينا فإن الشّهيد فِداء
ولَن يَذْهَب الدَّم حتما سُدى
ولن يُرهِبونا فَنَخْشى الرَّدى
بموت الشّهيد سَنَطوي المَدى
إلى أمّ هذا الفقيد أقول
حبيبك يا أمُّ نال القَبول
وباتَ جِوارَ النبيّ الرَّسول
فلا تجزعي، زغرِدي واشهدي
سنبقى جميعا على مَوْعِد
مع النَّصْر في اليوم أو في غَد
ولا لن نهون ولن نستكين
إذا قَتَلوا مِن أُسانا5 مئين
تحدّى الأُلوفُ العِدى والمَنون
وليس لهبَّتِنا مُنْتَهى
وليس لها عاجل مُشْتَهى
وسوف تحلِّق فوق السُّها
وقل حالم أنت حلم المنام
وقل سوف تَفْنَوا ويَبْقى النِّظام
وقل عاش شِينٌ ومَوْتٌ لِلام
فلا شيء يعلو على الخالِق
نُصِرْنا على الجبر في السّابق
وينصرنا الله في ما بقي
صلاتي سلامي على الهاشمي
على مصطفانا أبي القاسم
على رحمة الله للعالَم
وآل كرام وصحب عِظام
عليهم صلاتي وأزكى سلام
ومَن أُجِروا وحَظَوا بالوِسام
بخمسين مِن أَجْر صَحْب النبيّ
وشَوْق وَدُود مِن الطيّب
لكلّ قويّ أمين أَبيّ
1 – الصّغار: العار.

2 – الشّهيد: كمال عمّاري، أحد شباب العدل والإحسان وناشط من نشطاء حراك 20 فبراير الذي عذّبته وقتلته يد الغدر والعدوان يوم الأحد 29 ماي 2011م، أسكنه الله فسيح الجنان ورزق ذويه الصّبر والسّلوان، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

3 – أغاني الحياة: ديوان للشّاعر أبي القاسم الشّابي تضمّن مطلع قصيدته المشهورة:

إذا الشّعب يوما أراد الحياة = فلابدّ أن يستجيب القَدَر

4 – التأبين: رثاء الميّت بتعداد مناقبه.

5 _ الأُسى: جمع أُسوة.