خرج كمال من بيته والوضع يزداد سوءا وتجهما. أعد المخزن ما يكفي لارتكاب أبشع المجازر في حق المواطنين الأحرار الذين يحلمون بوطن حر تسوده العدالة الاجتماعية، وتصان فيه كرامة الإنسان. صورة القمع الوحشي التي كانت من نصيب من خرجوا للتعبير عن آرائهم تلبية لنداء حركة 20 فبراير، سيطرت على فكر كمال، وصارت شغله الشاغل، وزادته يقينا أنه لا سبيل للتغيير إلا الاستمرار في درب النضال. رأى بأم عينيه كيف يتحول الإنسان إلى لا (إنسان) -كما يقول دافيد كوبر في “ديالكتيك التحرر”- بعد أن انتزعوا منه كل المشاعر السامية التي ترمز إلى أنه ينتمي إلى بني الإنسان، وسمموا عقله وفكره وأعدوه للقتل ودربوه على أن يفترس بدون رحمة ودون شعور بالذنب.

عاش كمال هو ورفاقه هذه الأحداث لحظة بلحظة، لم ينس منها شيئا، ومستحيل نسيان ذلك؛ ضرب النساء، صراخ الأطفال، إراقة الدماء، تكسير العظام بالعصي والحجارة… مشاهد مروعة تتكرر في كل مدينة، وتفضح النظام الذي أراد إسكات أصوات الأحرار والثوار، فيخلو الجو لتمرح الثعالب وترقص فوق جراحات الشعب…

زعم المخزن بأن عهد القمع والقتل ولى، وكل ما ينتظرنا في حاضرنا ومستقبلنا هو المزيد من الحرية، للتقدم والخروج من جحر التخلف والضياع الذي نحن فيه، وإذا قاد الغراب قوما فإنما هو كما قال شاعرنا- يمر بهم على جيف الكلاب-. لم يكن كل هذا إلا وعودا من السراب، ومزيدا من تسويق الوهم للشعب الذي يأمل أن يصحو يوما فيجد أن الوضع قد تغير، وأنه صار هو الآخر حرا كريما، يختار حكامه ويحاسبهم عن كل تفريط وتقصير، وأن الحاكم في نهاية الأمر ما هو إلا أجير عند الشعب.

أمام هذه المشاهد المِؤلمة، من صور القمع الهمجي المخزني، ماذا عسى كمال أن يفعل، وهو لا يملك إلا إيمانه بقضيته التي خرج من أجلها، فهو الآن مع إخوانه وأخواته وجها لوجه أمام غطرسة وجبروت المخزن، وما يملك من آلة قمعية رهيبة يعول عليها لإقبار مشروع الحرية.

كمال كله إيمان ويقين أن هذه الأسلحة التي أعدت لحماية قلاع الظالمين، وحصون المستبدين، سوف تنهار حتما أمام سلاح إرادة الشعب وإصراره على انتزاع حريته وكرامته، لأن الشعب إذا أراد سيستجيب القدر حتما، و تنكسر كل القيود الظالمة.

لم يرد كمال أن يستسلم للخوف الذي أقعد الآخرين، ولا الانحراف الذي سلكه خدام المخزن الجدد فتنكروا لكل المبادئ التي طالما قدموا أنفسهم ناطقين باسمها، وحراسا لها، وهاهم الآن يبايعون الظلم والجور جهارا. ومنهم من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، باع نفسه للسلطان والشيطان، وصار يهذي في كل الأزقة بحب الملوك لأنه فريضة عين على كل مسلم ومسلمة.وتدرك بعد فوات الأوان *** بأنك لما انحنيت انتهيت
وما دمت قد بعت حتى الحطام *** ولم تبق أما، وأرضا، وبيت
فإني أخشى غدا أن تبيع *** عظامي وقبرا به قد ثويت
تعلم كمال في مدرسة العدل والإحسان أنه مسؤول، ولو كان وحده، مسؤول ليصرخ في وجه الظلم بأعلى صوته، ولا يهادن الاستبداد ولو كان الثمن حياته، مسؤول في هاته اللحظة التي يعتبر فيها أي تردد تخلِّياً عن القضية. هكذا فهم كمال الأمر، وهكذا خرج لأداء الرسالة منتفضا ضد الظلم، والطغيان، والقيم المزيفة، رافعا صوته عاليا مع رفاقه في النضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة.

إيمان كمال بقضيته العادلة، ووعيه النضالي ما كان ليسمح له في الأوقات الحرجة أن يتردد في مواصلة الطريق مهما كان الثمن. خرج من بيته مسرعا حتى يكون أول الواصلين إلى المكان الذي ستنطلق منه المسيرة، لكنه فوجئ بعدد القوات المخزنية التي طوقت المكان للحيلولة دون انطلاقها. لقد فات هؤلاء أن المسيرة قد انطلقت يوم أراد الشباب، وهيهات هيهات للقمع والإرهاب إيقاف زحفها، وإسكات صوتها.

انطلقت المسيرة وانطلق معها كل أنواع الرعب والقمع. صمد كمال ولم يفر من الوحوش البشرية، رغم فضاعة ما يرتكبونه من جرائم، بل أصر على فضح الاستبداد وإسقاط كل الشعارات الوهمية التي يُتاجَرُ بها، ولتكن حياته فداء للحق والحرية والعدالة، ولتكن دماؤه الزكية هي التي ستكنس كل هذه الشعارات المتهالكة وهذه القيم الزائفة.فلم الهوان وقد خلقت مكرما *** إن لم تعش حرا فمت إنساناوقف كالجبل الطود في وجه القتلة دون اضطراب، وكيف يضطرب ومعه الاستقرار. لا يخشى أحدا، وكيف يخشى ومعه الله، ولا يخاف من شيء وكيف يخاف ومعه الطمأنينة.

ضربات قاتلة تلقاها الشهيد كمال ليترك مدرجا في دمائه، ويحمل إلى بيته ثم بعد ذلك إلى المستشفى، ليلفظ آخر أنفاسه، وتصعد الروح إلى بارئها، ويرسم أجمل ابتسامة، ابتسامة الشهيد فرحا بلقاء الله يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين.

ابتسامة تعلن للجميع فرحة المنتصر الذي واجه غطرسة المخزن وبطشه بالصبر والإصرار.سأمضي رغم ما ألقاه، والإقدام إصرارُ *** سأمضي أصنع التاريخ لا أعنوا لمن جارُوايا عجبا لرموز القدر في هذه القصة، بدءا باسم الشهيد كمال عماري “لعمرك ما الأسماء إلا علامة منار” كما قال الشاعر، ولكل إنسان نصيب من اسمه. كمال بحث عن الكمال حتى يكون اسما ومسمى، فوجد ضالته عند جماعة العدل والإحسان التي جعلت طلب الكمال مطلبا وغاية، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين) كما قال الإمام القرطبي رحمه الله، ففاز كمال بالشهادة. ويكتمل العجب باسم الحي الذي تم تطويق الشهيد فيه من طرف سبعة وحوش، فهو الآخر يحمل اسم “الشهيد” والحي الذي يليه يحمل اسم “حي الحوض”. والصورة تكتمل في أبهى وأجمل إشارة، المسجد الذي أديت فيه صلاة الجنازة يسمى مسجد السلام، عنوان على الأمن والسلام الذي كان ينشده الشهيد، وعنوان على سلمية المسيرة التي مشى فيها الشهيد، وعنوان على أن السلام لا يتحقق تحت مظلة الاستبداد الذي كان وسيبقى عنوان للقتل والطغيان.