إن أغلب من فجروا الشوارع دماء بقوة جبروتهم وبطشهم وتنكيلهم بالأبرياء المسالمين الثائرين الذين رنت أعينهم إلى أفق الحرية والكرامة والعدل لم يصلوا إلى اعتلاء سدة السلطة الوهمية إلا عن طريق خفي، وسرداب مظلم، تمثل في قفز على كرسي التسلط دون اختيار الأمة لهم، فخالوا ذاك الجاه المصطنع شرفا وحقا مشروعا يجب التشبث به لأنه مفض لسعادتهم المادية تحكما في الخيرات ونهبا للثروات وتملكا للأرصدة المالية الضخمة المنهوبة فضلا عن جعل الشعب المهان خادما طيعا مقهورا وإن سيم الظلم والتجويع وإهدار كرامته الإنسانية…

نعم ظنوها دائمة وخالدة، ونسوا أن حفر بؤرة البركان ستتسع إلى أن تغدو زمهريرا أوليا متبوعا بجبل من وديان النار الملتهبة التي تذيب كل ظالم لشعبه، وتزيل كل متكبر على المستضعفين من كيان الشعب وتاريخه ومستقبله، لترمى ذاته وفعله التسلطي في مزابل التاريخ المهينة، لاسيما أن أول ما افتتح به هؤلاء الغرباء الحاكمون عدوانيتهم على الشعب الذي تأمروا وتآمروا عليه، إنما هي سفك دمائه وقمع مناضليه واجتراح كرامته.

لكنه لا يصح إلا الصحيح، والمبادئ هي التي لها الحسم الأخير والفيصل الحقيقي في المجريات الواقعية، ولن تنطلي تبريراتهم وأكاذيبهم وادعاءاتهم الجوفاء على الشباب الثائر الذي أصبح بقدرة الله عز وجل يميز الألاعيب المهترئة والمناورات المنسوجة المنخرقة من قبل هؤلاء، إذ كم من سلوك همجي اقترفوه وجر طواما كبرى ومصائب عديدة وآلاما عظيمة لُبس عند المستبدين بتبريرات متساوقة مع مبادئ لتستساغ عند البسطاء من الناس، كأن تجد قمع المتظاهرين رديف الحفاظ على أمن المواطنين، أو قتلهم في الشوارع وسيلة لتطهير الأمة من رجس الخارجين عن القانون في زعمهم… وهكذا، لكنه حين ينجلي الظلام ويسفر الصبح وتبدو تفاهة التبريرات وزيف الأكاذيب… ينكشف اختلاق الجاني، وتظهر حقيقته ناصعة مع زمن كشاف مظهر للدوافع الحقيقية وراء ذلك الفعل، وقد تُسرع تلك الحقائق بأدلة ناصعة وحجج قطعية تضع الجاني مكشوفا أمام التاريخ والجماهير الثائرة.

والأمثلة على هذا الطرح كثيرة وتصدقها الأحداث الجارية…

– فكم استند رؤساء ومخلوعون لفظتهم الجماهير الثائرة، على مدار أحقاب وعهود زمنية طويلة، على مفهوم ديني مفاده أن الشعب وافق على تجديد البيعة لهم، وأن رجال الدين اتفقوا على بقائهم أفرادا على سدة الحكم دائما، بحيث إن الشعوب عاجزة عن الإتيان بمن هم أفضل منهم سياسة وتدبيرا ودفعا بالأمة نحو مشارف التقدم والتنمية والتأثير الإقليمي والدولي… لكن القناع سقط بجماهير شابة أدركت زيف ما ادعاه سدنة الأنظمة البائدة وأعوانهم الذين يدورون في فلكهم ويسترزقون من فتاتهم، فعرفوا أن السيادة للشعب ليختار من يريد، وهو جوهر مفهوم البيعة شرعيا، لاسيما أن هؤلاء الذين استولوا على السلطة ظلما وقهرا واضطرارا وارتكزوا على تلك المفاهيم الدينية قد عُرف فسادهم ومضادتهم للقيم، ومحاربتهم للمبادئ الشرعية والكونية فضلا عن صدق وقح وخنوع مستميت لكبرائهم وأسيادهم الصهاينة.

– وكم من نظام ادعى أحقية مطالب الثوار وانحيازه لطرحهم وما يناضلون من أجله لكنه حين هدد بهدير أصواتهم وقوة شعاراتهم انقلب عليهم المذعور قمعا ثم تكسيرا لجماجمهم وسفكا لدمائهم على الطرق والأرصفة القانية…

– وكم من واحد من هؤلاء الغرباء الحاكمين تبجح بفسح المجال السياسي نحو انتقال سلمي للسلطة مدعيا انحيازه الكامل لديموقراطية حقيقية وسيادة كاملة للشعب، لكنه سلك على أرضية الواقع عقلية بوليسية قمعية مهيمنة، ورجح سياسة التعليمات الفوقية التي تجعل منه إلها فوق السلطات السائدة كلها، مما يدل على أن ادعاءات هؤلاء شيء يكذبه الواقع وينفيه…

– وكم من حاكم مستبد جر أذيال تعاطف الشعب معه بسبب تنصيبه رأس استقرار الدولة وأمانها، وبغيابه أو تهديد منصبه تُجر الأمة حتما نحو الفوضى والعبث والهمجية… ومن ثم فأفضل سبيل لاستقرارها إنما هو الحفاظ عليه، وإن سامها كل أنواع الاستغلال المادي والاستبداد السياسي، فهو رمز الأمة واستقرارها… وكل ذلك كذب وهراء، لأن الأمم التي انعتقت من أسر الظلمة وجبروتهم وسلكت طريق الحرية، أحدثت إقلاعا حضاريا وتنمية اجتماعية ورقيا علميا وازدهارا اقتصاديا وحفاظا على كيان الإنسان وحريته وكرامته وخيرات بلاده ومصالح دولته الحرة، فملكت الأمة حقها وسيادتها واختيارها بيدها وساهمت في بسط نفوذها على الدول الإقليمية والعالمية، فغدت محترمة بينهم مصونة الحقوق محفوظة المصالح.

– وبدعوى مكافحة الإرهاب حوكم أبرياء، واعتقل الآلاف في الدول الاستبدادية، والكل مجمع أن فعل هؤلاء المستكبرين إنما هو الإرهاب عينه والفساد ذاته.

لكن القناع سقط… نعم سقط، وأظهر الوجه القبيح للأنظمة الاستبدادية ومن يدور في فلكها، وتبين بجلاء أن عزم الشعب وقوة إصراره وعنفوان شبابه واستماتة مناضليه أقوى من جبروت المستبد وأمضى حجة من ادعاءاته الكاذبة وترهاته الخرقاء وسفكه الأهوج لدماء الأبرياء وقتله المشين للثائرين.

ألا رحمك الله يا كمال، وجعلك في أعلى عليين مع الصديقين والشهداء، وجعل دماءك القانية لعنة على الطغاة وسببا لانعتاق المغاربة من أسر الفساد والاستبداد آمين…