درس الولاء والبراء في زمن الثورة

إن منطق الثورة يصر ويلح علينا بأن نعبر بوضوح ومسؤولية عن موقفنا من الثورة. لن تمهلنا الثورة التي تمضي قدما في تحقيق أهدافها وغاياتها حتى نقلب الرأي ونجس النبض فبل أن نحدد موقع أقدامنا وجانب اصطفافنا. فإما أن ننحاز إلى الثورة ونعلن ولاءنا لها، وإما إن ننحاز ضدها ونتبرأ منها؛ ليست هناك منزلة بين المنزلتين.

لم ينتظر الموالون لثورة الشباب انجلاء الصورة واستواء المشهد ، بل انحازوا وانخرطوا منذ الوهلة الأولى إلى المطالب المشروعة التي نادت بها هذه الجماهير.لم تمنعهم الحسابات الضيقة ولا المحاذير بفشل الثورة أو إجهاض الأنظمة لها من أن يصطفوا إلى جانب إرادة الشعوب في التغيير.

هذه الموالاة للثورة عبرت عنها الكثير من التنظيمات السياسية والحقوقية والنقابية وعدد من الفعاليات الاجتماعية والثقافية، والعلماء في شتى الميادين، ورجال الإعلام والفن والرياضة، لم تدفعهم حيثياتهم الاجتماعية ولا مناصبهم ولا درجاتهم العلمية ومواقعهم الاعتبارية إلى النأي بأنفسهم بعيدا عن لحظات الثورة، بل أعلنوا تأييدهم لها ونزلوا إلى الساحات وشاركوا ودعموا وشدوا من عضد الشباب .

بل حتى ذووا المناصب الرسمية في الحكومات بمختلف أسلاكها المدنية والدبلوماسية والعسكرية، أبوا إلا أن يلقوا بكل المناصب وينزلوا مجردين من أي رتبة أو مكانة أو حظوة للحاق بالثورة، وليرصعهم شبابها بنياشين العزة والمحبة والتقدير والقبول والرفعة.

أما غيرهم من الموالين للأنظمة المستبدة، من أحزاب وجمعيات وفاعلين في مختلف الميادين، فقد سجل التاريخ وسجلت الشعوب بأنهم قد خذلوا الثورة ولم يكونوا في مستوى المرحلة.

بل لقد ذهب الموالون للأنظمة المنحازون ضد إرادة الشعوب في التغيير إلى أبعد من ذلك، وحاولوا ركوب مطالب وحراك الجماهير الشعبية، وتصدر رموزها المشهد الإعلامي يدْعون إلى الاستجابة لمطالب الشعوب ويدعون بأنهم سيعكفون، من خلال مؤسساتهم الفاقدة لكل مشروعية، على ترجمة وبلورة الوعود المتأخرة بالإصلاح التي أطلقها الحكام في خطبهم إلى مشاريع وبرامج .

طالع أيضا  دروس من زمن الثورة (1)

لقد تبرأ هؤلاء من الثورة ووالوا الأنظمة التي تركب مطالب الشعوب وركبوا معها ظنا منهم أنها مانعتهم من أن تلفظهم الجماهير غدا.

حوض البحر المتوسط يعود لأهله

نتيجة أخرى تبدو أنها في طور التشكل كشفت عنها الثورة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ، ربما تكون في أطوارها الأولى، إنها بداية استرجاع شعوب المنطقة لسيادتها على إقليمها البحري في حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي تمتد شواطئه على مسافة يقدر طولها بنحو 46 ألف كيلومتر، من طنجة المغربية في الغرب إلى اسكاندرون السورية بالشرق.

هذا الحيز البحري الذي طالما شكل نقطة التقاء واحتكاك بين مختلف الحضارات الإفريقية الأمازيغية والعربية والتركية والأوربية، الإسلامية والمسيحية، كان مسرحا ولا يزال لكثير من الأحداث، طبعها السلم والتعاون والتواصل الثقافي والتجاري، لكن شهد أيضا الكثير من الصراع والصدام الدموي العنيف ولطالما اعتبر المهيمن على هذا الحوض ممسكا بناصية الملاحة الدولية وبشرايين التجارة بين ضفتيه، بل شرايين التجارة العالمية كما هو الحال عليه اليوم.

لقد انفلت مصير هذا المنفذ البحري الهام من يد شعوب المنطقة خاصة الجنوبية منها منذ زمن بعيد. تعاقبت على التحكم والسيطرة عليه شعوب وحضارات مختلفة، انتهت بالهيمنة الأوربية خلال مرحلة المد الاستعماري نهاية القرن 19.

وبعد استقلال بلدان جنوب المتوسط أواسط القرن العشرين، انتقلت هذه السيطرة إلى الأنظمة الحاكمة لتكرس استمرار الغرب في هيمنته على هذا المنفذ الحيوي، وفي استنزاف ما تختزنه أعماقه من ثروات النفط والغاز والسمك.

ربما تفتح نتائج هذه الثورات بدول جنوب المتوسط عهدا جديدا، تستعيد فيه شعوبها سيادتها على هذا المجال البحري، ليصير فعلا عامل قوة وعنصر رخاء ومنبع نفوذ سياسي واقتصادي وتجاري في المنطقة والعالم كله.

بعد نجاح هذه الثورات، لن يعود التحكم في هذا البحر رهنا بإرادة الشمال الغني فقط، لابد أن يعاد ترتيب الوضع وتوزيع النفوذ بالحوض المتوسط بما يضمن حقوق كل شعوبه ويعزز أمنه واستقراره. وهذا لن يتم إلا باقتناع أوربا وإقرارها بأن جنوب حوض المتوسط قبل 17 دجنبر 2010 قد اختلف في جزء منه وهو آخذ في الاختلاف في الأجزاء المتبقية، ولن يعود بالتأكيد كما كان عليه قبل هذا التاريخ.

طالع أيضا  دروس من زمن الثورة (3)

إن الثورة لا تنحصر نتائجها في اللحظة أو المستقبل القريب، بل تمتد إلى ابعد من ذلك، إلى المستقبل البعيد، لتؤسس لمرحلة ولزمن جديد بالمنطقة العربية وبشمال إفريقيا، تبني واقعا مغايرا لما هو كائن اليوم، وتغير معالم الحياة في كل جوانبها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتوطن لإدراك جديد وفهم أعمق وتطلع أوسع، يقطع مع مرحلة كانت فيها الشعوب غائبة عن صنع تاريخها واختيار مصيرها ليس في الداخل فقط، بل في كل الجوار، فتفرض نفسها كطرف له حاجات ينبغي تحصيلها، وله رأي يجب الاستماع إليه، وله قرار يتحتم إنفاذه، وله تصور في إدارة شؤونه وشؤون محيطه والعالم لا يمكن الاستمرار في تجاهله والاستهانة به.

ستلهم هذه الثورة بجنوب حوض المتوسط العالم بأسمى ما ألهمته به ثورة فرسنا 1789 في شماله. لن تستأثر شعوب منطقتنا بنتائج هذه الثورة لنفسها بل ستتقاسمها مع العالم، بما هي استلهام لثقافتها ولحضارتها ولدينها الذي ينشد الخير والسلام والطمأنينة لكل البشرية.