توطئة

يعرف فقهاء القانون “الدستور” على أنه القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لنظام الحكم وشكل الدولة والحكومة، وعلى أنه القانون الذي ينظم العلاقات والحدود بين السلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، كما ينظم الواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.

وتبقى الغاية الأساسية من وضع “الدستور” هي سن قوانين تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، قوانين تحد من سلطة الحاكم وتضع حدا للحكم الفردي وللنظام الشمولي.

بهذه المعاني يصبح “الدستور” المرجع ا القانوني الأعلى في الدولة ويرقى إلى درجة السمو (مبدأ ”سمو الدستور وسيادة القانون”)، ويؤسس لدولة الحق والقانون.

موضوع بحثنا هو “الدستور المغربي وسؤال المصير: التعديل أم التأبين؟” ومبررنا في تناوله ما نحن بصدده من مطالبة خامسة بالتعديل. سواء تعلق الأمر بأنصار المراجعة الحقيقية والتغيير الجذري الداعي لنسف أبواب وفصول الديكتاتورية والاستعباد والتأسيس لدولة ديمقراطية حقيقية. أو أنصار المراجعات الزائفة، المحترفين في الالتفاف على مطالب الشعب في الديمقراطية والحق والقانون.

نحاول مقاربة هذا الموضوع من خلال محورين أساسيين:

– الدولة باعتبارها الإطار القانوني للممارسة السياسية، وما يستلزمه ذلك من سيادة وشخصية معنوية وموافقة المحكومين ووجود سلط قائمة حقيقية ومستقلة.

– الوثيقة الدستورية باعتبارها القانون الأسمى والأساس المنظم للحياة القانونية والدستورية في المغرب سواء تعلق الأمر بنظام الحكم أو شكل الدولة والحكومة أو قضية السلطات.

المحور الأول: الدولة أو الإطار القانوني للممارسة السياسية

“الدولة” في القانون العام هي المؤسسة العليا التي تتركز فيها الحياة السياسية على المستوى الداخلي والخارجي. وهي كذلك شكل لتنظيم المجتمع البشري على إقليم معين.

يرى فقهاء القانون العام كذلك أن “الدولة” هي الإطار القانون الدستوري، أي تنظيم الحكم وضبط سيره وضمان استمراريته سواء تعلق الأمر بالشعب عن طريق الاقتراع، أو نواب الأمة بالتشريع، أو الحكومة بالتنفيذ.

هذه التعريفات تؤكد كلها أن الدولة هي مؤسسة المؤسسات بل أمها. وعليه، فإن الحديث عن أي شكل من أشكال ممارسة الحكم -كيفما كان نوعه ومستواه- في غياب إطار حقيقي لهذه الممارسة إنما هو بمثابة البناء على الرمال.

بعد هذه التعريف المقتضب لمفهوم الدولة وبيان أهميتها كإطار للممارسة السياسية نحاول إلقاء نظرة سريعة على بعض أسسها ودعائمها في القانون الدستوري لنقيس نسبة حصولها في المغرب ونرى، تبعا لذلك، إمكانية الحديث عن مفهوم الدولة في بلادنا بالمعنى القانوني الدستوري.

الأساس الأول: موافقة المحكومين

أول هذه الأسس هو “موافقة المحكومين” وهو العنصر الذي تحدث عنه فقيه القانون الدستوري Georges Burdeau في كتابه: Traité de science politique, tome 2كشرط رابع وأساسي من الشروط المكونة للدولة، إضافة إلى”الشعب” و”الإقليم” و”السلطة السياسية”.

يرى العالم G.Burdeau أن حقيقة السلطة وجوهرها يكمن في موافقة المحكومين ورضاهم، لا إرادة الحاكمين وتسلطهم. لذلك فإن السلطة عندما تتحول إلى نوع من القهر والجبر والإخضاع فإنها تصبح ظاهرة غير طبيعية يجب العمل على إصلاحها وتغييرها.

الأساس الثاني: الشخصية المعنوية

ثاني هذه الأسس هو “الشخصية المعنوية”. وتعني أنه لا بد للدولة من امتلاك شخصية مستقلة عن شخص الحاكم. فمن الدعائم الكبرى لدولة الحق والقانون التمييز بين “سيادة الدولة” و”السيادة داخل الدولة”، بين الحكم والأشخاص الذين يمارسونه.

“سيادة الدولة” في القانون الدستوري العام لها مفهوم موضوعي مجرد عن الأشخاص الذين يمارسونها، وتقضي هذه الشخصية بأن الدولة هي صاحبة الحقوق ومحل الالتزامات ولها أموالها وممتلكاتها المستقلة عن الأفراد والحكام. وهذه الشخصية المعنوية هي التي تفسر دوام الدولة واستمرارها رغم التحول الطارئ على تشكيلها وحكامها وإدارتها.

أما “السيادة داخل الدولة” فهي مرتبطة بالأشخاص الذين يمارسونها. ومن ثم فان الحكام ليسو إلا ممثلين للسلطة وممارسين لها باسم الدولة، وتصرفاتهم تنسب إليها. وتبقى هذه السلطة مستمرة بعد إزاحة الحكام أو تغييرهم.

هذا التمييز بين “سيادة الدولة” و”السيادة داخل الدولة” يجعل السلطة السياسية مركزة في المؤسسات السياسية للدولة سواء تعلق الأمر بالمؤسسة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية ويفرز تصورا وممارسة سياسية للحكم مبنية على سيادة الحق والقانون.

طالع أيضا  الدستور المغربي وسؤال المصير: "التعديل" أم التأبين؟ 2/2

الأساس الثالث: السيادة

ثالث هذه الأسس هو “السيادة”. وتعني تلك السلطة العليا التي لا تسمو عليها سلطة لا داخل الدولة ولا خارجها. وهذه “السيادة” هي التي تخول للدولة حق وحرية وضع الدستور واختيار نظامها السياسي والاقتصادي، وشكل ممارسة الحكم، وتحديد الاختصاصات بين مختلف السلط وتوزيعها…

هذه “السيادة” تمارسها الدولة دستوريا على المستوى الداخلي من خلال ممارسة سلطتها وقانونها على جميع من يقيم على إقليمها، ومن خلال تصرفها الكامل في كل الممتلكات الوطنية المادية والمعنوية؛ وعلى المستوى الخارجي بالحرية والاستقلال التام عن أي سلطة أو هيئة أجنبية، إلا ما التزمت به بمحض إرادتها باتفاقات ومعاهدات دولية.

أمر “السيادة” هذا يطرح أكثر من تساؤل. فالتبعية الكاملة للقوى العظمى وتدخلها في توجيه سياسات البلاد بشكل مباشر أو عن طريق مؤسساتها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية يفرغ هذا الأساس من مضمونه ويجعل الدولة دمية في يد الدول والمؤسسات الخارجية القوية.

هذا التسلط وهذا القهر الخارجي ينعكس سلبا على أوضاع البلاد الداخلية فتواجه أية حركة أو مجموعة احتجاجية حرة أبية مطالبة بحقوقها وكرامتها بالقمع والمنع. وهكذا يتم اختزال السيادة الداخلية في الدول المتخلفة المستبدة في بسط سلطتها ونفوذها على شعوبها المستضعفة داخل رقعتها الجغرافية متجاهلة بذلك كرامة المواطنين وحقوقهم، وحقهم في المعارضة والاحتجاج، واستقلاليتها في اختيار سياساتها وتوجهاتها.

الأساس الرابع: وجود سلط قائمة ومستقلة

رابع هذه الأسس هو “وجود سلط قائمة ومستقلة”. ويقصد بها السلطات الثلاثة الرئيسية: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.

ينص القانون الدستوري على أن مبدأ الفصل بين هذه السلط أمر ضروري لقيام دولة الحق والقانون. وهذا المبدأ يقوم على فكرة أن السلطة ينبغي أن تحد من السلطة، ذاك أن توزيعها على أجهزة متفرقة يحدث التوازن والرقابة المتبادلة بينها، بينما تركيزها في يد واحدة يؤدي إلى الاستبداد وإلى الحكم المطلق.

كيف يعرف فقهاء القانون هذه الوظائف وكيف يحددون مؤسساتها وأجهزتها؟

أ ـ الوظيفة التشريعية: وتعني إصدار القوانين والتشريعات المنظمة لعلاقات الأفراد والجماعات. وتصدر إما على شكل قوانين أو مراسيم قوانين لتنظيم المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي… والمؤسسة المنوط بها القيام بهذه الوظيفة هي البرلمان المكون من نواب الأمة الذي قد يتكون من مجلس أو مجلسين. وبذلك يشارك الشعب في عملية التشريع بطريقة غير مباشرة، من خلال النواب الذين يختارهم لتمثيله في البرلمان.

ب ـ الوظيفة التنفيذية: وتعني سهر الجهاز التنفيذي على تطبيق القوانين والتشريعات الصادرة عن البرلمان عن طريق إدارات متخصصة موضوعة رهن إشارة هذا الجهاز. والهدف من هذه السلطة هو ترجمة إرادة الشعب ومطالبه على أرض الواقع. جوهر هذه السلطة إذن هو تنفيذ ما يشرعه البرلمان، بغض النظر عن شكل جهاز التنفيذ الذي قد يكون في يد رئيس الدولة أو رئيس الحكومة.

ج ـ الوظيفة القضائية: وتعني العمل الذي تقوم به الهيئة القضائية أو المحاكم في الفصل في النزاعات بين الأفراد، أو بين الأفراد والإدارة، أو بين المؤسسات طبقا للقانون ودون تدخل خارجي. يفترض في عمل هذه الهيئة القضائية الاستقلال التام عن الجهازين السابقين، خاصة الجهاز التنفيذي، وعدم الخضوع لسلطته سواء بشكل سافر عن طريق الخضوع لأوامره وتعليماته؛ أو بشكل غير مباشر عن طريق تعيين أعضائه من طرف مسؤولي الجهاز التنفيذي، كرئيس الدولة مثلا.

بعد هذا الجرد السريع لأهم أسس الدولة حسب قواعد وأعراف القانون الدستوري لنا الحق أن نتساءل عن مشروعية صفة “الدولة” في بلاد المغرب ومدى انطباق هذا المفهوم عليها.

ـ أين هي “موافقة المحكومين” في المغرب؟!

ـ وأين هي “الشخصية المعنوية” للدولة؟!

ـ وأين هي “السيادة” داخليا وخارجيا؟! اللهم إذا تعلق الأمر بالتسلط على الشعب المستضعف وقهره.

طالع أيضا  الدستور المغربي وسؤال المصير: "التعديل" أم التأبين؟ 2/2

ـ وأين هو مبدأ “فصل السلط”؟! بل أين هي “السلط” كمؤسسات وأجهزة قائمة ومستقلة؟!

الجواب واضح: غياب تام لمفهوم الدولة كإطار لممارسة الحكم بالمعنى القانوني الدستوري، مما يضع أكثر من علامة استفهام حول مصداقية الممارسة السياسية عامة، والمشاركة الانتخابية خاصة ويفرغها من مضمونها وحقيقتها في ظل كيان هجين لا يمتلك أي مقوم من مقومات الدولة كما ينص عليها ويسطرها القانون الدستوري.

بعد هذا العرض الموجز لأسس الدولة ودعائمها في علم القانون الدستوري لا نخالنا نجانب الصواب حينما نصف هذا الكيان (دولة المغرب!) بالمخزن، بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني السيبة والفساد والاستبداد: كيان لا علاقة له بالدولة العصرية الحديثة. كيان تقليدي عتيق يتمحور حول السلطان، يقتل الديمقراطية ويبيد الحريات والحقوق.

كيان يشكل فيه إفساد الذمم وشراؤها الركن الأساس في دين من أخريات أركانه: المحسوبية والفساد والنهب والجود بأجور خيالية وأعطيات أموية وامتيازات سلطانية لوصوليين وانتهازيين من موالاة منبطحة ومعارضة زائفة. فلا غرو تمشي هذه الكائنات الغريبة على بطونها، وتلغي ذكاءها وعقلها وضميرها دفاعا مستميتا عن الظلم والباطل والفساد وتهافتا ولهفا وراء مصالحها وامتيازاتها. “طفيليات الداخل” كما سماها الجلاد الهالك أوفقير، الخبير بالمخزن وحاشيته وزبانيته وأذنابه.

نختم هذا المحور بشهادة لجلاد المخزن هذا حول كنه ”المخزن” وأصله وفصله، نقلا عن أسبوعية المشعل بتاريخ 18/10/2007، بلسان ضابط الجيش السابق أحمد رامي في اجتماع حضره في بيت الجلاد مع ضباط جيش آخرين. قال أحمد رامي: قال أوفقير في ذلك اجتماع: “إن المخزن يرى البلد بقرة حلوبا يراد منا أن نمسكها من قرونها بقوة حتى تتمكن طفيليات الداخل والخارج من حلبها في أمن وأمان”.

بدون تعليق!!

المحور الثاني: الأسس القانونية الدستورية المنظمة للحياة السياسية في المغرب

لا اختلاف في أن الدستور المغربي دستور ”ممنوح” بكل ما تعنيه هذه الكلمة في القانون الدستوري من انفراد الحاكم واستبداده بوضع الدستور في غياب تام للشعب، ”منحة” من الحاكم للشعب (صدقة منه وتفضلا. وبمقاسه ومصلحته). وهذا الأسلوب في وضع الدساتير أسلوب لا شعبي ولا ديمقراطي بإجماع فقهاء القانون الدستوري.

وضع الدستور المغربي الممنوح في نسخته الأولى سنة 1962، وقد كانت مواده عموما مشتقة من الوثيقة الفرنسية. بعبارة أخرى، لم يكن “الدستور المغربي” فحسب منحة من الملك الراحل، بل نسخة من الدستور الفرنسي، من إعداد فقهاء القانون الدستوري الفرنسيين!!

هذه زلة دستورية تاريخية أولى.

وكم هي عظيمة علينا فضائل الاستعمار بالأمس!!

وكيف تحاول الإمبريالية اليوم ركوب موجات التغيير والتحرر الشعبي في بلداننا الإسلامية لتضمن لها موقعا في غد هذه الشعوب، وهي التي فرخت كل هذه الأنظمة الديكتاتورية القزمية في بلادنا الإسلامية وضلت تحميها وتدعمها -حفاظا على مصالحها ومصالح بنتها المدللة: الصهيونية الغاشمة- إلى آخر رمق، حتى ليلة التغيير ورحيل الظلم والاستبداد.

الزلة الدستورية الثانية هي أن الدستور المغربي يعد من الدساتير التي عرفت عددا كبير من التعديلات!! وهذا دليل من جهة على المخاض واللاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عاشته وتعيشه البلاد، وعلى أن هذه التعديلات التي يلجأ إليها المخزن بين الحين والآخر إنما هي تعديلات عبثية، الغرض منها فقط الالتفاف على مطالب الشعب في التغيير والإصلاح وامتصاص غضبه من جهة أخرى. ملهاة ومسكنات لا غير.

لعنة المنحة التي ضلت تطارد الدستور المغربي لخمس عقود، ولعبة التعديل العبثي التي استنفذت أربعة أشواط ضل المخزن يموه بها على الشعب لامتصاص غضبه وتجاوز الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي الداخلي حفاظا على الوضع القائم (الحفاظ على نظام الملكي الجبري كما أريد بأول دستور وكل التعديلات اللاحقة بدون استثناء) وتلميعا لصورته لدى الخارج (كما أريد بتعديلي 92 و96 – دون أن ننسى دائما وبطبيعة الحال ثابت الحفاظ على الحكم الفردي الشمولي).

ونحن يقينا مقبلون على شوط خامس قرره ملك البلاد، وأعلنه، وسماه ”مراجعة دستورية شاملة”، وشكل لجنته وسماها ”لجنة مراجعة الدستور”، وعهد برئاستها لفقيه القانون الدستوري المغربي ”عبد اللطيف منوني” الذي سيقدم للملك في يونيو مقترحات تعديل الدستور!!

طالع أيضا  الدستور المغربي وسؤال المصير: "التعديل" أم التأبين؟ 2/2

نفس الأسلوب في ”تعديل” الدساتير السابقة. والنتيجة الحتمية لا محالة: دستور خامس ممنوح بحبر المنوني وفرقته وإملاء المخزن وجوقته.

كان أول دستور مغربي مكتوب ورسمي عرفته البلاد في ديسمبر 1962. كان ذلك فجر الاستقلال والشعب المغربي كله أمل وشوق في بناء دولة ديمقراطية عادلة تضمن له حياة كريمة عزيزة بعد سنوات الاستعمار الدموية البغيضة. لكن هذا الدستور جاء ممنوحا وبقرار فردي مخيبا بذلك حلم المغاربة في دستور شعبي ديمقراطي.

جاء هذا الدستور الأول متضمنا لجميع عناصر الحكم الفردي الشمولي بدأ من أسلوب ”المنحة” مرورا بـ ”قدسية الملك” ووأدا لـ ”مبدأ سمو الدستور” انتهاء بتركيز ”جميع السلط” و”المناصب والقضايا الحساسة” بيد الملك.

أغمض ”حزب الاستقلال”-العتيد آنذاك- عينه وصم أذنه ورضي بكل هذه الطعنات في ظهر الشعب وخاصرة الحياة السياسية والدستورية المغربية وصوت بـ ”نعم” لهذا الدستور المجحف مجهزا بدوره على ما تبقى من أمال الشعب المغربي في دستور شعبي ديمقراطي!!

وافق مغازلة للقصر طمعا في حقائب وزارية في حكومة ما بعد اقتراع 17 ماي 1963 لكن المخزن تنكر لجميله بعد أن قضى منه وطره. ولا عجب.

عرف هذا الدستور “تعديلات” عدة: “تعديل” يوليوز 1970 (رفضته” الكتلة الوطنية” ودعت للتصويت عليه بـ “لا”) و”تعديل” مارس 1972 (رفضته كذلك ”الكتلة الوطنية” احتجاجا على عدم الأخذ برأيها في التعديل ودعت للتصويت عليه بـ ”لا”) و”تعديل” سبتمبر 1992 (وافقت عليه جميع ”أحزاب القصر” التي كان قد فرخها المخزن بعد 1972 لفبركة تعددية حزبية زائفة وتمييع الحياة السياسية وسحب البساط من تحت أقدام المعارضة؛ وافقت عليه جميع ”أحزاب القصر” ورفضته أحزاب ”الكتلة الديمقراطية” ودعت إلى مقاطعته باستثناء ”حزب التقدم والاشتراكية”) و”تعديل” سبتمبر 1996 (صوتت عليه بـ”نعم” أحزاب ”الكتلة الديمقراطية”!! باستثناء حزب ”منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”). هذا إضافة إلى مراجعات دستورية بتاريخ 23 و30 ماي سنة 1980 و5 شتنبر سنة 1995.

”حزب الاستقلال” هو الثور الأول والوحيد الذي فر من حظيرة البقر في ديسمبر 1962.

وفي سبتمبر 1996، وبعد حوالي ثلاث عقود، وقعت حادثة مثيرة، فرت كل الحظيرة!!

كل هذه التعديلات، كما سلف، كانت تسطر التفافا على مطالب شعبنا المظلوم وآلامه وآماله في العدل والكرامة والحرية. فعدل تعديلات شكلية لا تمس جوهر المشكلة ومكمن الداء العضال: ثالوث الظلم والفساد والاستبداد القابع وراء أبواب دستور المخزن الممنوح وفصوله الكاسرة.

ولا غرابة في ذلك مادام المخزن هو من تولى في كل مرة ”عملية التعديل”. ويتولى!!

تعديل تمخض أربع مرات وولد في كل مرة فأرا لئيما أمام ترقب ملايين المواطنين المغاربة وأملهم زيادة مولود طبيعي سليم.

فأرا كان يتضخم المرة بعد الأخرى ويستأسد مقابل استنواق مخز في الأداء السياسي للأحزاب المغربية وتبخر المعارضة وتمخزن جل أقطابها. إن لم نقل كلها.

نفس الأسطوانة الخربة يرددها علينا المخزن هذه الأيام، أيام الحراك الشعبي الإسلامي والعربي المبارك المطالب بكرامة الشعوب وعزتها وحقها في تقرير مصيرها.

نفس الأسطوانة الخربة يرددها علينا المخزن دونما حرج أو استحياء، وكأن الشعب المغربي قطيع مستعبد أو معتوه أو قاصر لا عقل له ولا إرادة ولا حرية، ولا يستحق ديمقراطية ولا حقا في اختيار حاكمه وتقرير مصيره بنفسه.

فأي إصلاح وأي تغيير حقيقي يرجى من لجنة كهنة الحكم؟! ولمن أشكوك يا ظالمي وأنت الخصم والحكم؟

بعد هذه التوطئة نحاول التطرق للأسس القانونية الدستورية المنظمة للحياة السياسية في المغرب. وسنتناول بالخصوص ما هو محوري منها في علاقته بالقانون الدستوري: مسألة السلطة، ومسألة سمو الدستور، وقضية السلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية): مبدأ وجود سلط حقيقية ومبدأ الفصل بين السلط.