أجرت أسبوعية الأيام حوارا مع الدكتور عمر أمكاسو، نائب الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ومسؤول مكتب الإعلام، حول العديد من القضايا السياسية والمجتمعية المرتبطة بالحراك الجاري في المغرب، وانخراط الجماعة في حركة 20 فبراير، والاتهامات والافتراءات التي تستهدفها من إعلام السلطة، ومقترحات العدل والإحسان بخصوص الدولة ومقوماتها.

يقول من يخالفكم الرأي إن مطلبكم الرئيسي، عبر حركة عشرين فبراير، هو تغيير النظام القائم، هل هذا الأمر صحيح؟

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

أود أولا أن أوضح أن انخراط جماعة العدل والإحسان في الحراك الشعبي الذي تشهده بلادنا من خلال دعم شبيبتها المبكر لحركة 20 فبراير، هذا الانخراط ما هو إلا تجسيد لمبادئ الجماعة التي أعلنت عنها منذ تأسيسها، وخاصة ما يتعلق منها بالشق العدلي من شعارها، والذي يعني ـ ضمن ما يعني ـ السعي الحثيث لتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، ونصرة مطالب الشعب في التحرر من كل أصناف الاستغلال والتهميش والإهانة والتمييع. وإذا عدنا إلى حركة 20 فبراير، فسنجد أنها تؤكد على نفس المطالب، واتخذت لها شعارا مركزيا، هو “الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد”.

ولذلك اخترنا الانخراط في هذه الحركة ودعم مطالبها المشروعة عن وعي كامل وبعيدا عن أية حسابات خاصة أو ردود الفعل.

ووضعنا عدة ضوابط لهذا الانخراط، أهمها الحرص على العمل المشترك والتعاون الجدي مع شباب الحركة والقوى الداعمة لها بعيدا عن أية وصاية أو تهميش، وتجنب أي حديث عن مطالبنا الخاصة رغم ما تعرضنا ونتعرض له من صنوف التضييق والحصار والمنع منذ ثلاثة عقود، والحرص على الطابع السلمي الحضاري لأنشطة الحركة، مهما كانت ردود فعل المخزن، وضمان البعد الشعبي للحركة من خلال التركيز على المطالب الشعبية بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعيدا عن أية مطالب فئوية، ولو تعلقت بمطالبنا الخاصة.

ونحمد الله تعالى أن الشباب المغربي الواعد والواعي بكل انتماءاته، والقوى الداعمة له في هبته الشعبية، كل هؤلاء يتقاسمون معنا هذه الاختيارات، ويحرصون معنا على هذه الضوابط.

ولذلك وجب التأكيد من جديد، كما أكدنا مرارا، أن هدفنا من الانخراط في حركة 20 فبراير هو تحقيق مطالب الشعب المغربي المشروعة في إسقاط الفساد والاستبداد وتحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وأن سقف مطالب الحركة لا يحدده هذا الطرف أو ذاك، بمن فيهم جماعة العدل والإحسان، بل إن ذلك من صلاحيات تنسيقيات شباب الحركة بكل مكوناتها وتوجهاتها والقوى الداعمة للحركة، ومن ورائها الشعب المغربي الذي جاءت هذه الحركة للدفاع عن حقوقه المشروعة. وشباب الجماعة المنخرط في هذا الحراك هو جزء من هذا الشباب ومن هذا الشعب. وقد اخترنا منذ التأسيس أن نبقى في حضن الشعب ونستمع لآهاته وندافع عن حقوقه، ونتدافع بالتي هي أحسن ضد مصاصي دماء الشعب وناهبي ثرواته بكل مسؤولية وسلمية ووضوح.

هناك من يقول إن العدل والإحسان ترى أن الوقت حان لما تسمونه “الخلافة على منهاج النبوة”؟

ما فتئ البعض يطرح هذه الفكرة من باب التأكيد على هيمنة الجماعة على حركة 20 فبراير وتسخيرها في أجندتها الخاصة، وقد سبق لي أن بينت أهداف مشاركتنا في الحركة ومطالبنا من هذه المشاركة التي هي نفس مطالب الشباب المغربي والقوى الداعمة له؛ لكنني أنتهز هذه الفرصة لأوضح حقيقة شعار “الخلافة على منهاج النبوة” الذي ترفعه جماعتنا.

فمصدر هذا الشعار هو بشارة نبوية، ذكر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أن أمر أمتنا سيعود إلى خلافة على منهاج النبوة بعد النبوة والخلافة الراشدة والملك العاض والجبري. هذا الحديث رواه سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”

ونحن نصدق هذا الوعد النبوي، ونرى بأنه سيتحقق بإذن الله تعالى لَمَّا يُيسر الله تعالى ذلك بمنه وفضله. لكننا في نفس الوقت، نعتبر ذلك أفقا استراتيجيا لدعوتنا وأمتنا، ولسنا حبيسي شكل تاريخي أو نمطي ما، إنما المقصود عندنا هو وحدة جسم الأمة الإسلامية انطلاقا من الروابط الكثيرة بين أقطارها لتشكل تكتلا سياسيا واقتصاديا وثقافيا وقوة متضامنة بالموازاة مع التكتلات العالمية السائدة، وللأمة أن تجتهد في الشكل والاسم المناسب لهذا التكتل. ونربط تحقيق ذلك بأفق الوحدة الإسلامية التي لن تتحقق إلا بتحرر أقطارها من الاستبداد، ولذلك، فلا معنى للحديث عن تحقيق هذا الأفق في سياق قطر واحد من الأقطار الإسلامية، بيد أن مجهودات التغيير التي تتصدى لها القوى الحية في الأمة، وضمنها الحركة الإسلامية بكل فصائلها، تبقى خطوات نحو ذلكم الأفق الاستراتيجي للأمة الإسلامية كلها، ودونه عمل دؤوب تشارك فيه كل قوى الأمة.

أما على المستوى الوطني فاقتراحنا واضح، وهو دولة مدنية عصرية يكون فيها للشعب حق اختيار حكامه ومساءلتهم، ويضمن فيها حق التداول على السلطة، ولا يكون فيها مكان للاستبداد لأية سلطة سياسية أو اقتصادية أو دينية.

إلى أي حد يمكن أن تمضي المواجهات بين الدولة والجماعة، في ظل قول أحد أعضائها في شريط فيديو إن “الشوارع ستنظف بدم المحتجين”؟

في البداية، أذكركم بأن فضيحة نشر هذا الشريط قد انكشفت في مختلف وسائل الإعلام، بما فيها الجرائد الحزبية والمنابر التي سوقت للشريط، فالواقع أن أطرافا ـنعرفها جيدا ويعرفها شعبنا الذي لم تعد تنطلي عليه مثل هذه الممارسات المشينةـ هذه الأطراف عمدت إلى بتر جزء من كلام الأخ هشام الشولادي، صاحب التصريح والناشط في تنسيقية 20 فبراير بالدار البيضاء، لتقلب المعنى الذي يقصده من تصريحه، من تأكيده على الطابع السلمي للحركة، إلى التحريض ـ المزعوم ـ على العنف، وحاولت نشر الشريط على نطاق واسع، لكن الحقيقة اتضحت بعد نشر الشريط الأصلي في عدد من المنابر الإعلامية، وأستغرب طرح هذا الأمر بعد ذلك وكأنكم لم تطلعوا على الشريط الكامل..

إن ما يروج عن جماعة العدل والإحسان في علاقتها بحركة 20 فبراير هو محض الافتراء والزور والبهتان، وأؤكد أن القصد من ذلك ليس مجرد النيل من الجماعة وسمعتها ومبادئها ـ التي يعرفها الخاص والعام والتي تؤكد على نبذ العنف بكل أشكاله ـ بل المقصود هو النيل من حركة 20 فبراير التي استعصت عن الترويض والتفكيك وأبت أن تزكي لعبة المخزن الباطلة حول الإصلاح الموهوم، وأصرت على المضي في معركتها السلمية الحضارية لتحقيق مطالبها المشروعة.

يتهمكم شباب يساريون بـ”الانقلاب” على الأعضاء المؤسسين لحركة عشرين فبراير بعدما ركبتم السفينة ضيوفا فأصبحتم ربابنتها؟

أستسمحك أخي الكريم لأصحح، فالذي يتهمنا بذلك وبغيره من الافتراءات المكشوفة، ليس شباب الحركة من اليساريين وغيرهم، بل الأبواق المخزنية وأقلامها ومنابرها المعروفة عند الجميع، وإلا فإن شباب الحركة بكل انتماءاتهم وحساسياتهم ما فتئوا يؤكدون بأن شباب الجماعة هم جزء من الحركة، يسيرون بسيرها ووفق أجندتها ومقرراتها التي تتخذ بأشكال ديمقراطية في اجتماعات التنسيقيات الشبابية وجموعها العامة.

ولا يخفى أن الترويج لمثل هذه الافتراءات لا يخلو من النيل من شخصية واستقلالية شباب الحركة والقوى الداعمة لها، حيث يصورها بنوع من السلبية والضعف بحيث يمكن لهذا الطرف أو ذاك أن يسيطر عليها ويسخرها في مطالبه الفئوية والخاصة. والواقع أن شباب الحركة والقوى الداعمة لها أنضج وأوعى وأنبل من أن يستغل حركتهم هذا الطرف أو ذاك بمن فيهم جماعة العدل والإحسان، وأن الجميع معبأ حول تحقيق مطالب الحركة المشروعة ولا يلتفت لمثل هذه الأوهام والترهات، التي لا تزيد الحركة إلا وحدة وصلابة وانسجاما.

في اعتقادكم لماذا لجأت الدولة للخيار الأمني بعد تقدم العدل والإحسان إلى واجهة 20 فبراير؟

أعتقد أن لجوء الدولة لخيار المقاربة الأمنية أو بالأحرى القمعية، ليس مرتبطا بتقدم العدل والإحسان إلى واجهة حركة 20 فبراير، أو بانحراف الحركة عن مسارها وسقفها، كما يروج البعض.

فالواقع أن هذا الخيار لم يكن خيارا استثنائيا لنبحث له عن المبررات والدوافع بل هو الخيار الأصلي في عرف المخزن المستبد الذي لا يقبل سماع صوت يغرد خارج سربه ويعارض سياساته الفاشلة التي أوقعت البلاد والعباد في هذه المآسي المتزايدة عهدا بعد عهد.

وإلا، فكيف نفسر سياسة القمع التي نهجها المخزن ضد الحركات الاحتجاجية المختلفة قبل 20 فبراير، والتي لم يسلم منها حتى المعاقون والمكفوفون؟ وكيف نفسر سياسة القمع التي استعملها المخزن بإمعان شديد في حق الاحتجاجات الاجتماعية الأخرى التي نظمت خارج إطار حركة 20 فبراير، ومنها احتجاجات الأطباء والأساتذة وغيرهم؟؟ فهل كانت جماعة العدل والإحسان في واجهة هذه الاحتجاجات؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فخيار القمع الذي واجه به المخزن مطالب الشعب المغربي في حركة 20 فبراير في المحطات الأخيرة في 22 و29 ماي المنصرمين، لا يعني أن هذه الحركة قوبلت من قبل بالتسامح والاستماع لمطالبها والانخراط في مسلسل الاستجابة لها ـ كما يروج البعض ـ، بل إن هذا الخيار ليس إلا حلقة من حلقات المواجهة الشرسة والعنيفة لهذه الحركة الشعبية السلمية الحضارية منذ انطلاقتها الأولى.

ولنتذكر الحلقات التي سبقت ذلك، مثل محاولة تشويه سمعة الفاعلين في الحركة ورميهم بكل التهم وصولا إلى النعت بالزندقة والإخراج عن الملة، وبذل قصارى الجهود من أجل تفكيك بنية الحركة وبث التفرقة بين العناصر المشكلة لها والداعمة لها، والتلويح بالفزاعة الإسلامية من خلال اتهام جماعة العدل والإحسان بالركوب على الحركة والسيطرة عليها، ومحاولة اختراق الحركة وتفجيرها من الداخل، والترويج لأسطورة الاستثناء المغربي، والتلويح بالإصلاحات الدستورية، التي بدأت رائحتها النتنة بالمناسبة تزكم أنوف الجميع بمن في ذلك المطبلون لها، من خلال ما يروج بأنها ستكون مخيبة لآمال أكثر الأطراف “اعتدالا” .

وفي كلمة واحدة، فإن المخزن المستبد لم يأل جهدا في مواجهة حركة 20 فبراير ومحاولة كبح تقدمها وتوسع الفئات المنخرطة فيها وإيقاف انتشارها وإصرارها الذي لم تنل منه كل تلك المحاولات المخزنية ولن تنال منها بإذن الله تعالى، ما دامت تستمد شرعيتها من بعدها الشبابي وطابعها السلمي ودعم كثير من القوى الحية لها، ومنها طبعا جماعة العدل والإحسان، وزخمها الشعبي المتزايد محطة بعد أخرى.

ولا شك أن محاولات المخزن الحالية والمستقبلية ستبوء بالفشل الذريع، تماما كما وقع ويقع للأنظمة المستبدة والفاسدة في باقي البلدان العربية، ويأبى قدر الله تعالى إلا أن يسلك المستبدون نفس المسار وبنفس البلادة والإصرار، وبدون أدنى مراعاة لمستقبل البلاد وأمنه وسلامة مواطنيه، ذلك أنهم جميعا مستبدون، ولا منطق للمستبد سوى البطش والعنف والقهر، وفي ظل ربيع الشعوب العربية فلا مقام لمثل هذا المنطق لأن الشعوب تريد إسقاط هذا المنطق إلى الأبد، وصدق الله العظيم إذ يقول وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.