خالد الناصري يمد اليد للملكية البرلمانية!؟

في تصريح لقناة فرانس 24، قال خالد الناصري، المتحدث باسم الحكومة المغربية، بعد حديثه عن تقدير شباب 20 فبراير، الذين أهلكتهم زرواطات مخزنه، قال: إذا كان هؤلاء الشباب يناضلون من أجل الملكية البرلمانية فنحن سنمد يدنا لهؤلاء الشباب بكل أريحية). هل هي زلة لسان أم المتحدث يعي ويعني ما يقول؟ هل يتحدث فعلا عن الملكية البرلمانية حسب ما هو معروف؟ أم الأمر لا يعدو أن يكون محاولة للركوب على موجة 20 فبراير للترويج لملكية برلمانية خاصة؟ في سياق متصل نقلت جريدة “أخبار اليوم المغربية” يوم 31 ماي تصريحا لأسامة الخليفي، أحد “رموز” حركة 20 فبراير. الرمز هنا بين قوسين، إذا كان لمجموعة من الشباب فضل السبق في الدعوة إلى انطلاق الاحتجاجات وتأسيس الحركة فهذا لا يعني أن للحركة تنظيما وقيادة ورموزا (القيادة عند شباب 20 فبراير هي الجمع العام للتنسيقية والفيسبوك والشارع، لا غير. وبالتالي فحديث كل مناضل لا يعني إلا شخصه ولا يلزم الحركة في شيء). التصريح مفاده أن سقف الحركة المطلبي هو الملكية البرلمانية وأن كل من لا يتبناه عليه تأسيس حركة خاصة به. واتصالا كذاك بنفس السياق، يتم على مستوى الفضاء الافتراضي ومستوى النقاشات المباشرة تداول مطلب الملكية البرلمانية واعتباره سقفا لنضال الحركة. ويتبنى هذا الطرح، شبيبات الأحزاب غير المنضوية تحت الحركة والمشاركة في النضال، وشبيبات بعض التيارات السياسية الداعمة، وجزء من المستقلين، وما سمي ب”ائتلاف المستقلين”، ثم أحد الفصائل الحاضرة بقوة في الحركة وهو فصيل المخازنية. وتبني التيارات السياسية والأفراد لهذا النموذج من الحكم مشروع ولهم كامل الحرية في ذلك، ولكن المشكل هو أن نعتبرها الأرضية التأسيسية وأن نذهب إلى ما ذهب إليه أسامة الخليفي على أن كل من لا يتبنى سقف الملكية البرلمانية عليه تأسيس حركة خاصة به.

أما الأرضية التأسيسية التي تلزم كل حركة داعمة وكل مناضل هي المتضمنة في البيان التأسيسي للحركة الموقع يوم 14 فبراير 2011 والمنشورة على صفحة الحركة الرسمية في الفيسبوك. هذه الأرضية تضم أمهات المطالب على رأسها دستور ديمقراطي، ومبادئ نضال الحركة و أهمها السلمية. إذن فسقف مطالب الحركة السياسية هو الدستور الشعبي الديمقراطي، وهو الذي سيفضي إما إلى الملكية البرلمانية حسب طرح حزب الطليعة مثلا، وإما إلى الجمهورية حسب طرح النهج الديمقراطي القاعدي، وإما إلى طرح العدل والإحسان الذي عبر عنه فتح الله أرسلان في تصريح لقناة الخبر الجزائرية، نحن نريد للحاكم أن يحاسب ويختار من طرف الشعب ولا تهمنا التسميات). أو إلى تصور آخر تخلص إليه جمعية تأسيسية منتخبة يحكم الشعب في اختياره عبر الاستفتاء.

طالع أيضا  بناء الثورة المغربية (1)

خيارات النظام الحاكم في مسار الورش الدستوري:

“رموز” حركة 20 فبراير و”ائتلاف المستقلين” يطالبون بالملكية البرلمانية، هيئات داعمة تتبناها كسقف لمطالبها، والنقاش مفتوح، والدولة تعلن مد يدها بكل أريحية. ليست إثارة هذا النقاش من باب معارضة هذا النموذج من الحكم، ولكن من باب مساءلة هذا التناغم. أطرح هنا سؤالا واحدا، وطرحه يستمد مشروعيته من السياق العام، حيث إن الاحتجاجات متصاعدة والمخزن يقمعها بشراسة وبوسائل شتى والدولة قد حسمت في مدخل الإصلاح الدستوري الذي هو لجنة المانوني. السؤال هو، هل الملكية البرلمانية حسب منظور الهيئات السياسية هي نفسها حسب منظور ومشروع النظام المغربي؟

بعد المستويات المتقدمة التي وصلتها الحركة الاحتجاجية، انخراط أزيد من مائة مدينة ومشاركة مئات الآلاف وتوسع دائرة النضالات الفئوية ثم الدخول في أشكال تصعيدية كالاعتصامات ومسيرات الأحياء الشعبية. وبعد عدم تمكن لا القمع الذي كان آخره جريمة قتل كمال العماري بآسفي، ولا وعود الإصلاح، في كبح جماح هذه المسيرة. بعد هذا كله، هل ستكون الدولة مرغمة على تقديم تنازلات من حجم ثقيل تشفي غليل المحتجين؟

أن تسفر الأوراش المفتوحة حاليا حول الدستور عن تعديلات شكلية أو جزئية خيار مستبعد، لأنها، وباعتبار المستوى الذي وصلته الاحتجاجات، ستكون ضربة حاسمة للنظام وموقدا للنضال. ولعله من بين الأسباب التي حدت بالحركة لاعتماد وتيرة نضال متدرجة وبطيئة، بطيئة مقارنة مع الثورات التي تعرفها بعض البلدان العربية، هو مراهنتها على أن تتمخض الزوبعة الدستورية التي سبقت تنامي احتجاج الشارع عن ما لا يرقى إلى التطلعات، فتنفذ بذلك آخر أوراق النظام التي كانت تروج على هناك أوراشا للإصلاح مفتوحة وجب انتظار انتهائها قبل إصدار الأحكام. فتدخل بذلك الاحتجاجات مستويات أشد بحجة استخفاف السلطة بالناس و الاستهتار بمطالبهم. وذلك عملا بالقاعدة الشعبية، “اتبع الشفار حتى لباب الدار”. بطبيعة الحال، إذا كان باب الدار قريبا!

طالع أيضا  بناء الثورة المغربية (1)

يمكن توقع سيناريوهان للإصلاحات الدستورية، وذلك باعتبار ما سبق وباستحضار النقاش الرائج حول الملكية البرلمانية. السيناريو الأول، ملكية برلمانية حقيقية، تسقط معها القداسة وإمارة المؤمنين وتجمع السلط والصلاحيات اللامحدودة. ثم تسند السلطة الفعلية للشعب عبر مؤسسات منبثقة عنه ديمقراطيا ومستقلة بعضها عن بعض وعن المؤسسة الملكية. وعندها يمكن أن نسمع عن تشكل مؤسسات الدولة من الطاقات البشرية الوطنية ومن التيارات السياسية التي اختارت الانحياز لصف الشعب، ومن بينها النهج الديمقراطي القاعدي، وم لا؟ فأسباب مقاطعته للعملية الانتخابية الحالية من غياب النزاهة و الجدوائية ستنتفي. وكذلك جماعة العدل والإحسان، ولم لا؟ فالممارسة السياسية في ظل الملكية البرلمانية ستكون من غير قيود ولا شروط ولا خطوط حمراء ولا خضوع لإملاءات فوقية، وهذه كانت حججها لعدم الدخول في العملية الانتخابية. بعد ذلك، سنسمع عن انطلاق مشاريع إعادة بناء في مختلف المجالات، في الاقتصاد والسياسة والشق الاجتماعي والحقوق والتعليم وغيرها، دون الرعاية السامية والتدخل الغربي، ولكن، وفق المنظور الوطني والمصالح الوطنية والأهداف الوطنية ووضعية الوطن. سنسمع عن فتح ملفات انتهاكات حقوق الإنسان دون الخطوط الحمراء. سنسمع عن فتح ملفات المحاسبة، حيث ستقود إلى إدانة المسؤولين وخاصة المتنفذين عن نهب المال العام وتبذير الميزانيات وتفويت الثروات والأراضي والمنشآت. سنسمع عن كذا وكذا، إلخ.

بهذه البساطة، مستحيل وضرب من الخيال ومن سابع المستحيلات التي يمكن أن يفكر فيها المخزن المغربي. ولكن يجب على عقلائه إن كان له عقلاء، أن يفكروا بجد في هذا الطرح، وقبل فوات الأوان. للنظام المغربي الآن فرصة تاريخية لأن يعلن الصلح مع شعبه ويوفر عليه الدخول في صراعات أرحمها ستؤدي إلى عزله، وذلك رغم ما ستكلفه من خسائر كبيرة. الفرصة ما زالت مواتية ما دامت أغلب التيارات السياسية لا تتحفظ على الملكية البرلمانية وما دامت الفئات الشعبية في غالب الظن ستختارها إن استفتيت عليها.

طالع أيضا  بناء الثورة المغربية (1)

فماذا كان يقصد خالد الناصري بالملكية البرلمانية إذن؟ إذا كان مستحيلا أن تستسلم الدولة وكانت مجبرة على تقديم ما تخمد به النضالات وتسكت به شقا من المناضلين وتضلل به السواد الأعظم، فيمكن أن تكون عصارة الطبخة الدستورية ملكية برلمانية. بهذا العنوان، لكن بمعنى خاص وبمقاس خاص. وهذا هو السيناريو الثاني. المعنى والمقاس، تباشير تحديدهما لاحت من أول يوم حددت فيه طريقة صياغة الدستور. هذا ليس تشاؤما ولا تفننا في رسم لوحة قاتمة، وإلا فما معنى تعيين لجنة التعديلات وتحديد خطوطها العريضة. فلو كان للدولة إرادة صادقة لاعتماد ملكية برلمانية حقيقية لدعت إلى جمعية تأسيسية شعبية منتخبة.

أهم ما قد يميز المعنى والمقاس الخاصين بالملكية البرلمانية الخاصة مميزان اثنان، الأول، الإبقاء على بعض البنود التي تحتوي كل البنود. الثاني، الاستفاضة في التنصيص على بنود مهمة وحقوق موسعة و لكن مع الاحتفاظ بالمرونة العالية في التنزيل والتي يعرفها الدستور الحالي.

ختاما، أتمنى أن أكون مخطئا في حكمي على استحالة قبول المخزن بالملكية البرلمانية الحقيقية، وأتمنى أن تفضي النقاشات المفتوحة حول الدستور إلى اقتراح نمط حكم ينبثق من الشعب وتقرن فيه السلطة بالمحاسبة، رغم حكمنا المسبق على استحالة ذلك باعتبار مدخل الإصلاح “من الخيمة خارج مايل”، من يدري؟ فقد تكون فعلا ثورة شعب وملك، تجنب البلد إراقة مزيد من الدماء.