وسط غضبات الشعوب العربية برزت مشكلة الخوف التي لا نعني بها ذلك الشعور الإنساني الفطري الذي جاء في قوله تعالى: “بلغت القلوب الحناجر”. وإنما نجمع بكلمة الخوف معنيان من معاني الضعف وفقدان الثقة في الله عز وجل وهما: الجبن والقلق.

الخوف: جبن وقلق

الجبن والقلق ليسا سوى إفرازا من إفرازات الغفلة وغياب التوكل، على العكس من الخوف الذي يروض بالإقبال على الله ومراقبته حتى يصير شعبة من شعب الإيمان (الخوف والرجاء) كما قال ربنا تبارك وتعالى لسيدنا موسى عليه السلام لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى.

نتحدث عن الجبن الذي قد يعتري بعض الناس في ساحة الجهاد و”النضال” وفي ميدان مواجهة ومنازلة الباطل وعن القلق الذي يصيب المتذبذبين والشاكين في موعود الله وفي غد الفتح والنصر عندما يدخلون في معمعة الإسقاط (إسقاط الباطل) والبناء (بناء الحق).

نتحدث عن الجبن الذي يخالف معاني الثبات عندما تهجم جيوش القمع والظلم على المستضعفين العزل وعندما تهوي آلات الاستكبار على رؤوس أهل الاستنكار.

ونتحدث عن القلق الذي يعشش في بيئة الريبة فيرجع صاحبه إلى الوراء بدعوى أن تقويض الباطل قد يجلب على البلاد الفتن والفوضى وعدم الاستقرار.

الخوف هواء الأنظمة

وعلى هذين الأساسين (الجبن والقلق) تبني الأنظمة المستبدة في العالم وخاصة في العالم العربي “مشروعيتها” وتضمن استمراريتها. فمن القرآن تعلمنا أن الفراعنة إذا ارتجت عروشهم دغدغوا هذين الشعورين. ومن التاريخ القريب جدا في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن تعرفنا على الترجمة العربية لتلك “الدغدغة الهيروغليفية”.

فمن كتاب الله عز وجل نطلع على إيقاظ فرعون لمشاعر الجبن إذ قال: لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين وإذ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ومن مثالنا القائم في دولنا العربية كان مبارك وابن علي يهددان بضرب أعداء الوطن بيد من حديد) ثم تبعهما القذافي “بالزحف المليوني” وتطهير ليبيا “زنقة زنقة” ثم الأسد وصالح بوعيدهما الأثير عن “التصدي للمؤامرة الخارجية”.

كما يحدثنا القرآن الكريم وواقعنا الغريب العجيب عن لجوء الفراعنة لسلاح القلق يخيرون شعوبهم بين هديهم القمعي ومستقبل سيدنا موسى (عليه السلام) “المجهول” بعد اجتياز “البحر المفروق” إذ يقول الفرعون الأول: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ويزكي قوله آخرون بـ “الفتنة القبلية والمذهبية والطائفية والإرهابية” بعدهم وأن حكمهم وبقاءهم هو “سبيل الرشاد”.

وهكذا تحاول الأنظمة أن تضمن استمرار تدفق الهواء في رئتيها المريضتين: الجبن والقلق.

الخوف وضرورة الطليعة

نفس الخوف الذي كان هواء للأنظمة المستبدة رأينا كيف سار هواء (من هوى يهوي) تصير إليه في تونس ومصر – بمجرد تخطيه وتجاوزه من قبل الشعوب – وصائرة إليه في باقي الأخطار الإسلامية إن شاء ربنا عز وجل.

ولكننا تعلمنا ممن سبقونا في بلاد الفراعنة القديمة والحديثة أن هذا التحول والتخطي والقفز على سياج الجبن والقلق ليس كلاما نظريا وفكرا محلقا تقنع به هذا وتفحم به ذاك تعزيه بأن ما يلقاه جهاد في سبيل الله وتطمئنه بأن الغد أفضل بمشيئة الله.

ليس الأمر كلاما ولا حجة ولا نظرية وإنما هو عمل يتمثل وطليعة تقود كما قاد “من سبقونا بإيمان”.

إن هذين العدوين اللذين يضمنان استمرار دول الباطل يحتاجان في مواجهتهما إلى طليعة تمثل للشعب معنى الشجاعة في مواجهة الجبن ومعنى الإقبال على موعود الله في مواجهة القلق حتى يطمئن إليها الناس ويعلموا أن مستقبلا مع هذه الطليعة خير من حاضر مع أولئك “أصحاب المشروعية التاريخية والدينية” الزائفة وأن جهادا وثباتا معها لهو خير من راحة في مستنقعات الذل والظلم.

الطليعة

طليعة -إذن- لابد من وجودها تبرهن للأمة صدق الإقبال وتخرج ما فيها من خير و”غضب على الجاهلية مكبوت”.

تلك الطليعة التي لا بد لها من دعوة واضحة تنير الطريق أمام الأمة، ولا بد من تربية وتنظيم صف متراص من المؤمنين يتوسطون الشعب، ويقيمون صلبه، يتغلغلون في بيئاته، شاهدين، حاضرين، ثابتين على خطى هادفة، يأتم الشعب المسلم بها، ويتبعها، ويساندها، ويستلهم من رسوخها في الحق ودؤوبها على السير في جادة الجهاد معاني الاعتزاز بالله ورسوله ودينه، ومعاني العطاء في سبيل الله حتى الشهادة، على شريعة مستقيمة لا تتلوى، وعلى منهاج لا تضطرب بالسائرين عليه مفاجآت الرزايا) 1 قبل وأثناء وبعد الزحف.


[1] المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين، ص 6 / ط2.\