مجتمع غير ديمقراطي – إعلام غير ديمقراطي) قالها أحد المشتغلين بقطاع الإعلام في قناتنا الثانية في لحظة صفاء بعد أن تسمرت أعيننا أمام شاشاتنا الصغيرة خلال ليلة تاريخية ظن الكل معها أنها ستكون فيصلا بين عهد طويل من النفاق الإعلامي والفبركة المقيتة والإقصاء المكشوف وبين فجر نتنسم معه بعضا من لطائف الحرية والمهنية.

لكن سرعان ما استفاق الجميع من هذا الحلم الجميل ليجد كل واحد منا نفسه أمام لافتة كبيرة كتب عليها بكل وقاحة: لن يتحقق حلمك أيها المواطن البئيس ما دام في هذا البلد من يستفيد من استشراء الفساد في الذمم والهمم وسيادة الغيوم المعتمة على سماء الحقيقة.

إن هذه العبارة بقدر ما تعكس من واقع مأسوف وتعبر عن حقيقة حاصلة يسود من خلالها مجتمع الرأي الواحد الأوحد حيث لا صوت يعلو فوق صوت التوجيهات السامية والتعليمات السديدة، تؤيد ذلك وتسير في ركابه أبواق مخزنية لا تسمح بوصول صوت غير صوت الاستبداد ولا برسم صورة غير صورة البلد الجميل الهانئ، إلا أنها تطرح أكثر من علامة استفهام على الشرفاء من العاملين في حقل الإعلام، وتضعهم أمام مسؤولياتهم تجاه الله ثم الشعب والتاريخ.

كيف تسمح لنفسك أيها الإعلامي الحر أن تكون انعكاسا لواقع غير ديمقراطي بينما يفترض فيك أن تكون فاضحا لهذا الواقع ومعريا له؟

كيف ترضى لنفسك أن تلبس الحقائق على مواطن أعزل من سلاح العلم والمعلومة لتنقل له كذبا وبهتانا ما أراده الأسياد وارتضاه الكبراء؟

ماذا تقول حين تختلي بنفسك ويمر أمام عينيك شريط الأحداث في تونس ومصر فتتخيل نفسك مكان البؤساء المنافقين الذين نكلت بهم سخريات الزملاء واستهزأت بهم أمام الملأ مكالمات الشامتين.

بل كيف تشعر حين تقرع سمعك الآية الكريمة وقالوا ربنا إننا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا وأنت تعلم علم اليقين أنك سلكت هذا السرب طوعا أو كرها؟

إن ما يصل إلينا هذه الأيام من عبث إعلامي في أكثر من منبر مسموع ومقروء ومرئي، ما هو في الحقيقة إلا جزء أساس ونتيجة لازمة لهذا التحرر الشعبي والتحرك الشامل الذي خلخل أركان الفساد في هذا البلد. لأن الثورة من أهم سماتها أن تفصل بين الحق وأعوانه والباطل وأتباعه ليميز الله الخبيث من الطيب.

فمن كان يظن، مثلا، أن الغباء سيصل بأحد الإعلاميين حتى يسخر أحد برامجه الإذاعية -الفاشلة أصلا بما تبته من تفاهات- ليستعدي فئة عريضة من الشعب المغربي خرجت بمئات الآلاف في شتى ربوع الوطن للتعبير عن حقها المشروع في الاحتجاج السلمي الحضاري، فيختلق في حقها شتى صنوف الإبداع في التزوير والكذب بتواطؤ مع حفنة من المغبونين، إلا أن يكون ذلك استدراجا ربانيا وسنة من سنن الثورات، حتى يكون الفصل بين المنافقين والأحرار قاطعا جليا لا يترك مجالا لتأويل أو تبرير ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حيي عن بينة وقس على ذلك ما يحدث في أكثر من منبر من تحريف وفبركة لا يلبث زيفها أن ينكشف في زمن الأنترنت والفضائيات.

كم ستكون فرحتنا عظيمة واعتزازنا كبيرا حين ينبري لهذا الأمر ثلة من الأحرار يكونون لنا “غلام النمرود” فنكون لهم “أصحاب الأخدود”.

أو ربما ينتفضون كما انتفض سحرة فرعون، فاستحقوا شرف التاريخ وخير الدارين حين قالوا كما أخبرنا رب العزة:

إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين.

لن نؤثرك على ما جاءنا من البنيات والذى فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا.

إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى.