28 أبريل 2011 خميس وُصف بالأسْوَدِ اهتزت فيه أركان مقهى “أركانة” بمراكش خلف حصيلة ثقيلة من الأرواح أغلبهم سياح أجانب، ليعاد طرح سؤال المستفيد من هذا الفعل الإجرامي بالنظر إلى توقيته وسياقه. ولم يتأخر جواب الأجهزة الأمنية ـ بعد ارتباك كبير في التعامل مع الحدث، إذ توالت بلاغات وزارة الداخلية المتناقضة في تفسير طبيعة الحدث ـ الذي حدد الفاعل أو المنفذ؛ وزيادة في طمأنة الرأي العام الوطني والدولي سارعت المؤسسة الأمنية لتشخيص ـ إعادة تمثيل ـ الحادث لتقديم المنفذ: شاب مسفيوي ـ نسبة لأسفي ـ ليبدأ مسلسل التجييش الإعلامي ويَخلُص وفق قراءة النظام للحدث أن المغرب مستهدف في أمنه وسلمه الاجتماعيين، وفي استقراره السياسي، وفي خياره الديمقراطي الحداثي، وفي ورشه الإصلاحي الذي أكده خطاب 9 مارس ورسم خارطة طريقه. ومقابل هذه القراءة النظامية، قراءة أخرى مفادها أن المخزن وظف الحادث للتشويش على نجاحات حركة 20 فبراير السلمية المطالبة بمجتمع الحرية والكرامة وقطع دابر الفساد والاستبداد. تشويش يقوم على إشهار فزاعة الأمن ويوظف ما تشهده بعض الأقطار العربية من قلاقل لترهيب المغاربة مما هو سائد في العراق وليبيا وسوريا: فتنة وتقتيل.

هكذا تختار الأقدار أن تكون مدينة أسفي ـ في انتظار أن ينقشع ضباب التعتيم وينكشف من خطط وجند ودرب ـ مُنطلق عملية استهدفت حَراكا شعبيا أزعج تنامي زخمِه النظامَ السياسيَّ، وراح يحشد الجهود وينظم صفوف أعوانه لينالوا من حركة 20 فبراير السلمية المطالبة بمجتمع الحرية والكرامة وقطع دابر الفساد والاستبداد؛ حتى إذا انتهى المخزن من مرحلة “التحميل” شرع في التنفيذ، فنكل بالمتظاهرين ولم يتردد في استعمال مفرط للعنف، تناقلت همجيته وسائل الإعلام الدولية واستنكرت وحشيته المنظمات الحقوقية العالمية في انتظار استفاقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان وإثبات استقلاليته المزعومة عن النظام.

توالت مواعيد التنكيل بالمتظاهرين المسالمين، و”تفننت” أجهزة القمع المخزنية في النيل من كرامة الإنسان المغربي المطالب بنفحة حرية، ليبلغ الهوس المخزني ذروته ويُعْلَنَ يومُ الخميس 2 يونيو 2011 عن وفاة الشاب كمال عماري المسفيوي متأثرا بجروحه بعد تدخل وحشي للأجهزة القمعية يوم الأحد 29 ماي 2011. اعتداء تم توثيقه بالصورة التي لا يرقى له الشك، يُدين السلطة المغربية ويحملها مسؤولية إزهاق روح شاب عانى من الظلم الاجتماعي كجيله من الشباب المغربي، ورأى في حركة 20 فبراير بارقة أمل وانخرط في صفوفها رافعا الصوت يطالب بالحرية والكرامة وإسقاط الفساد والاستبداد ومحاسبة المفسدين ناهبي المال العام، فسقط شهيد الكرامة المهدورة شاهدا على زيف شعارات المخزن فاضحا بهتان أعوانه قديمهم وحديثهم المُسوقين وهماً عافه الشعب.

هكذا تختار الأقدار مدينة أسفي مرة أخرى ليقع المخزنُ في المحذور، ويرتكب الحماقة التي اجتهد لتفاديها منذ شهور وعيا منه أن إراقة الدماء وإزهاق الأرواح كانت مقدمة لمرحلة لا رجوع في مسار ما سبق من الثورات العربية.

20 فبراير كانت منطلق الحَراك الشعبي، و28 أبريل وفرت للمخزن التغطية والمسوغ لاستهداف الهبة الشعبية المطالبة بالإصلاح الجذري والحقيقي، و29 ماي أشَّرت لدرجة استعداد المخزن وجاهزيته القمعية، و2 يونيو أَجْهَزَتْ على “خيار” القبضة الحديدية، وأُسْقِطَ في يد المخزن ولم يجد بُدّاً من “تنويم” (mise en veille) مخلوقاته القمعية يوم الأحد 5 يونيو تفاديا لتعقيدات معروفةٍ عواقبُها.

تُـرى هل تكون هذه الحماقة والتهور رادعا لرعونة المخزن ليستفيق من طيشه ويتخذ القرار الشجاع ويلبي نداء العقل والرشد ويستجيب لإرادة الشعب أم يَركبُ غيَّ عِناده ويسبح ضد تيار رياح التغيير التي تقتلع الفساد وتستأصل الطغيان؟