الجريمة

توفي كمال عماري يوم الخميس 2 ماي 2011 متأثرا بالعنف المفرط الذي تلقاه من قوات الأمن المغربية. القتيل ناشط في تظاهرات حركة 20 فبراير وهو شاب كان يشتغل حارس أمن بميناء آسفي.

العائلة والشهود يقولون أن سبع عناصر أمنية يمتطون دراجات نارية ويضعون خودات على الرأس أوقفوا الضحية خلال مسيرة يوم الأحد 29 ماي 2011 بآسفي في أحد أزقة عبد الرحمن الصحراوي واستفسروه عن أوراق دراجته النارية ثم انهالوا عليه بالضرب بواسطة العصي والأحذية وأنه أصيب في الرأس والوجه والصدر والرجل اليسرى وبقي يعاني من آثار ذلك خلال الأيام التالية إلى أن توفي في المستشفى يوم الخميس 2 ماي 2011 .

الوكيل العام في محكمة الاستيناف بآسفي أمر بفتح تحقيق وتم أيضا تشريح طبي للجثة ثم وضعت في صندوق ورفضت السلطات تمكين العائلة والدفاع من نتائج التحقيق -الذي يقول مصدر موثوق لكاتب المقال أنه تم من طرف نائبين من النيابة العامة وتضمن معاينة آثار ضرب وكدمات على الجثة- كما تم التذرع بأن نتائج التشريح الطبي لا زالت لم تصل. وقد طلب الدفاع يوم الجمعة 3 ماي خبرة من السلطات القضائية (المحكمة الابتدائية والمحكمة الإدارية في إطار الأوامر المبنية على طلب).

لسنا في حاجة لتقارير طبية إضافية لندرك العلاقة السببية بين الاعتداء والوفاة. فعائلة القتيل ودفاعهم يتوفرون على ملف طبي أنجز قبل الوفاة من قبل طبيبين ويشير إلى آثار العنف الخارجي الذي كان ظاهرا على جسده مما يستبعد أطروحة المرض الداخلي. وسيضع أي تقرير للتشريح الرسمي يساير أطروحة المرض أصحابه الأطباء في موقع شبهة التحيز وخرق قسم ابوقراط الذي يشمل واجبات وأخلاقيات مهنة الطب ناهيك عن المتابعات الجنائية.

شهيد صفرو

حادث مشابه يكون قد حصل بصفرو منذ شهرين ونصف في حق الضحية كريم الشايب (27 سنة) حيث يبرز فيديو ملتقط في 20 فبراير تكالب مجموعة من رجال القوات العمومية (بين 5 و7 أشخاص يحملون هراوات وبعضهم بلباس مدني) على الشاب حيث أشبعوه ضربا. وكان أحد العناصر يبدوا مفرطا في عنفه حيث يمسك العصا بكلتا يديه وينهال على الضحية الساقط أرضا بينما تتوقف سيارة كبيرة للأمن الوطني بجانب مسرح الجريمة ويسمع صراخ نسوة قريبات من مكان الجريمة وتصرخ إحداهن “اميمتي الدم الدم واو …قتلوه قتلوه”.. كما يسمع صراخ الاحتجاج من مواطنين ومواطنات لم يمنعهم الخوف من التعبير عن سخطهم…

هل سيذهب دم هذا الشهيد هذرا ؟

وكيف يمكن تفسير ماحصل بصفرو وبآسفي؟

سنقف على عناصر من الجواب باستعراض بعض الأسئلة والأجوبة

1- لماذا ترفض السلطات أي الدولة المغربية الكشف عن الحقيقة في مقتل كمال عماري وتحاول تسويق حقيقة أخرى مفادها أن الرجل مات بسبب أزمة قلبية ومرض صدري في الوقت الذي ترفض فيه الكشف عن الوثائق الطبية؟

الجواب: لأن الحقيقة تدين الدولة فالضحية وهو شاب في صحة جيدة -بدليل نوعية عمله كرجل أمن خاص- مات متأثرا بالعنف الذي مورس عليه من قبل عناصر من قوات الأمن المغربي المسخرة لفض التظاهرات بالعنف المفرط خاصة أيام آحاد 15 و22 و29 ماي 2011، وهو عنف إجرامي مادام يسلط على متظاهرين مسالمين لا يهددون النظام العام ويطالبون بمطالب مشروعة أي حقهم في الديمقراطية والحرية والكرامة، وما دامت مساطير فض التجمهر لم تطبق، وما دام مبدأ التناسب لم يحترم.

2- هل رجال الأمن قاموا بهذا الاعتداء من تلقاء أنفسهم؟

جواب: لقد تلقوا أوامر باستعمال العنف المفرط بدليل أن هذا العنف تم في كل مدن المملكة ذلك اليوم وقبله يوم 22 ماي، فهو قرار مركزي، لكن هذه الحالة الخاصة مثل حالة صفرو تستحق بحثا خاصا وتحقيقا خاصا بسبب أنها أدت إلى موت إنسان وإن كانت مسؤولية الدولة ثابتة إلى جانب مسؤولية رجال الأمن السبعة.

3- هل يمكن حصر المسؤولية في أشخاص بعينهم ؟

جواب: هناك المعتدون المباشرون وهناك رئيسهم المباشر وكل جهة رخصت لهم أو حثتهم مباشرة على استعمال العنف بإفراط، ثم هناك الجهة الأعلى التي حثت الجهة السابقة على حث رجالها على العنف بدون هوادة. ويمكن لسلسلة الأوامر أن تصل إلى مستويات أعلى ونكون هنا أمام قرار سياسي- أمني، أي قرار استخدام العنف المفرط في حق المتظاهرين لاعتبارات سياسية وببواعث سياسية متعددة (الخوف من أن تؤدي التظاهرات إلى تهديد النظام السياسي– إرادة التخويف والردع وتطويق حجم التظاهرات- إضعاف حركة 20 فبراير– تمهيد الطريق لباقي الأجندة الرسمية لتمر دون مقاومة أقوى إلخ…).

4- ولكن عندما يصل العنف إلى ارتكاب جريمة قتل لماذا تصر الدولة على حماية المعتدين؟

جواب: العنف المفرط في حد ذاته جريمة حتى لو لم يؤد إلى الموت. وفي حالة قتيلي آسفي وصفرو فالدولة منطقية مع نفسها، فالإصرار على التغطية عن جريمة تعد الدولة نظريا مسؤولة على معاقبة مرتكبيها يمكن فهمه بما أن مرتكبيها تصرفوا تنفيذا لأوامر من الدولة نفسها، حتى لو أفرطوا في عنفهم.

5- سؤال: ما يضر الدولة أن تضحي ببضع عناصر حتى لا يقال أنها لا تغطي على جريمة يصعب التغطية عليها؟

جواب: إن صقور النظام من الأمنيين أو السياسيين يقولون إننا لو عاقبنا هؤلاء فإن باقي رجال القوات العمومية سيخشون العقاب وسوف يمتنعون أو يتهاونون عمدا في تنفيذ الأوامر بالعنف المفرط (أي في تنفيذ سياسة رسمية لارتكاب الجرائم) وستصبح الدولة مهددة بطوفان الاحتجاج الذي قد يعصف بنظام صار عاجزا عن تلبية مطالب مشروعة ما دام هناك تشبث بالمصالح والامتيازات وعدم رغبة في دفع تكلفة الإصلاح وتلبية المطالب مهما بلغت معقوليتها ومشروعيتها.

6- ولكن إلى متى وإلى أي حد يمكن الاستمرار في سياسية القمع العنيف رغم أنها أدت في بلاد أخرى إلى المس بمشروعية النظام وحتى الإطاحة به وتوجيه اتهامات من المجتمع الدولي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية كما حصل في ليبيا وكما قد يحصل في سوريا أو اليمن؟

جواب: -ربما يتصور أصحاب القرار أن الوضع لن يتطور إلى هذا الحد خاصة بسبب مساندة النظام من طرف أحزاب الأغلبية الحكومية وأغلبية أحزاب المعارضة الرسمية ودول فاعلة في النظام الدولي خاصة فرنسا، وإن كانت الدول الكبرى سريعة التكيف خدمة لمصالحها مع بروز خطاب ربط المساعدة أو حجبها باحترام حقوق الإنسان والسير نحو الديمقراطية (أوباما) وموقف الاتحاد الأوروبي من العنف المفرط الذي حصل في 29 ماي، وانعكاسات قضية آسفي خاصة مع مواقف كبريات المنظمات الحقوقية الدولية (منظمة العفو الدولية) وإمكانية تحول راديكالي في حركة 20 ماي ومسانديها للمواجهة مع الدولة. علما بأن تبادل العنف وتوسعه قد يؤدي إلى دخول قطاعات شعبية واجتماعية جديدة على الخط بالنظر لكون العنف يطال أبنائها وبالنظر للحجم الهائل من السخط بسبب الأوضاع الاجتماعية المزرية للأغلبية.

7- ما العمل الواجب على الدولة المغربية؟

جواب: ليس من مصلحة النظام توسع العنف والقمع مما يؤدي إلى جعله رهينة الصقور الذين يقدمون أنفسهم كحماة النظام فيؤدي ذلك إلى عزله عن الشعب، ناهيك عن الخطر الكامن في احتمال عصيان عدد من أفراد القوات العمومية لأوامر القمع -لأنه يشمل في نهاية المطاف عائلاتهم وأصدقائهم وأقاربهم- خاصة أنه قمع لمواطنين يطالبون بحقوقهم المشروعة، وهي حقوق تفيد الاستجابة لها قوات القمع المقموعة هي نفسها. ذلك أن المتظاهرين في نهاية المطاف يدافعون أيضا عن رجل الأمن الصغير المحبط الذي يقمعهم ربما نتيجة لذلك بوحشية أكثر من غيره.

فالعمل الواجب إذن هو نهج اختيار المصداقية وإعادة الثقة إلى الدولة عبر الإقرار بالحقيقة والقطع مع الخيار الأمني ومعاقبة الجناة سواء في صفرو أو آسفي خاصة العناصر التي بالغت في عنفها وهي تدرك النتائج الخطيرة التي ستترتب عنه. وبطبيعة الحال يجب أن يتم العدول عن أي محاولة لتهريب الإصلاح الدستوري وفرضه عبر تراض محدود مع عدد محدود من الفاعلين دووا تمثيلية شعبية محدودة وراء أبوب مغلقة (يكفي الرجوع إلى عدد الأصوات التي فاز بها كل مكون في آخر انتخابات وقارنوها مع 20 مليون ناخب مفترض). كما يجب تفادي التسرع ومحاولة التحكم في أجندة الاستفتاء وما يليها من استحقاقات. فالإصلاح الدستوري أمر يهم الجميع ويجب البحث عن بناء الثقة مع الجميع وإقناع كل الفاعلين السياسيين بما فيهم جماعة العدل والإحسان التي هي قبل كل شيء مكونة من مواطنين يجب أن يتم التعامل معهم بلغة العقل والحوار قصد إدماجهم في الحقل السياسي رسميا طبقا لشروط الديمقراطية بدلا من سياسة القمع والإقصاء.

ربح الوقت لن يدوم طويلا وسيعقد المشاكل

نعم يمكن فرض الأمر الواقع مرة أخرى ولكن إلى متى؟ فربح الوقت لن يدوم طويلا أمام تضخم الإحباط وحجم الخصاص الاجتماعي وتكلفة القمع الباهضة وتعلم الشعوب لأسلوب الاحتجاج السلمي مهما كان القمع إضافة لانتشار الديمقراطية في محيطنا.

لن يدوم إلا الإصلاح الحقيقي الذي يعالج الأمور من جذورها ويقبل بدفع تكلفة الإصلاح التي وحدها تقوي مشروعية النظام وتضمن الاستقرار والتنمية عبر مشاركة الشعب في تقرير مصيره وفق ديمقراطية حقة تقوي موقع بلادنا في المحيط الدولي وقدرته التفاوضية وجاذبيته لمغاربة العالم قبل المستثمرين الأجانب.

والخلاصة انه إذا كان محمد الخامس رحمه الله قد أنجز في 20 غشت 1953 بدعم وتناغم مع الحركة الوطنية والشعب المغربي ثورة الملك والشعب التي عجلت برحيل الاستعمار ومجيء الاستقلال فإن حفيده محمد السادس مدعو لخوض الجهاد الأكبر جهاد الديمقراطية وبناء المغرب الديمقراطي بتناغم مع حركة 20 فبراير وبدعم من الديمقراطيين وكل الشعب المغربي، وبئسا لمصير حفنة من خصوم الخيار الديمقراطي الذين يفضلون الزج بالبلاد في حرب أهلية وعنف شامل حماية لمصالحهم وتغطية على فسادهم وجرائمهم. إن الملك محمد السادس لديه كامل الإمكانيات ليجنب بلادنا السقوط في مهاوي العنف وعدم الاستقرار ولدخول عهد الديمقراطية. إنه لحد اليوم وبفعل سلطاته الواسعة المسؤول الأول عن حماية الحقوق والحريات.