في ربيع الانتفاضات العربية، ومباشرة بعد سقوط “أبو الهول” طاغية مصر العنيد، راج نقاش واسع في جميع الفضاءات العمومية، من الأُسر إلى المدارس إلى المساجد إلى الشوارع إلى جميع الأماكن. وفي خضم ذلك فاتحت معلمة بإحدى المدارس المغربية تلاميذها حول التغيير الذي وقع في تونس ومصر ومدى إيجابيته ففاجأها التلاميذ بسؤالهم الجماعي الموحد: ومتى يقع التغيير في المغرب؟

ارتبكت المعلمة في البداية ثم استدركت قائلة : لا لا لا يقع التغيير…غير ممكن. “المغرب ليس كتونس ومصر”.

رد التلاميذ بسرعة واندهاش وكأنها حرمتهم مِن أمنية ينتظرون حدوثها على أحر من الجمر: لماذا؟

أجابت المعلمة بصوت مرتفع تريد من خلاله حسم النقاش وقطع دابره: نحن عندنا مَلِك، والله هو الذي جعله مَلِكا، وهذا يوجد في القرآن {يؤتي المُلك من يشاء وينزع المُلك ممن يشاء}!!! وكل ما في القرآن صحيح. وبالتالي من يعترض على الملك يعترض على الله.

سكت معظم التلاميذ، خاصة وأنهم سمعوا قرآنا يتلى عليهم ليؤكد أن الملك نصبه الله بنفسه!!!. ولا يجوز رد ما فعله الله !!! وكأن المعلمة تهمس في أذانهم: لا تفرحوا بالتغيير الذي يفرح به أطفال العالم العربي هذه الأيام…نحن استثناء من العالم.

نهض سعد الدين من بين الصموت متسائلا: ولكن يا أستاذتي: الله تعالى يرسل فقط الأنبياء ولا يرسل الملوك. وفرعون كان ملكا فهل أرسله الله؟ وإذا أرسله الله لماذا واجهه سيدنا موسى عليه السلام وعصاه؟

ابتهج التلاميذ وعلا صوتهم وتصفيقهم: “وِِي سعد… وِي سعد… وِي سعد”.

بينما سقط زعْم المعلمة وأصابها الخجل من نفسها أمام هذا الرد المُفحِم لسعد الدين والذي لم تكن تتوقعه من تلميذٍ في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي على رداءة تعليمنا.

لم تجد المعلمة سوى أن تتوجه إلى التلاميذ رافعة صوتها -أكثر من أي وقت مضى- بالجلوس وعدم الحراك أو الكلام: “سْسْسْسْسْسْسْسْكاتْ”.

ثم أسرعت الخطو نحو صاحب الجواب المستفز لمشاعرها “الوطنية” لتأخذه بعنفٍ من يده النحيلة ثم مِن أذنه المحمرة من الخوف وتنزله الدرج إلى السيدة المديرة ولسان حالها يقول: “لقد حصلتُ على صيدٍ ثمين يقربني –وطنيا- من الإدارة، ألا وهو تهمة المس بالمقدسات مع سبق الإصرار والترصد”. هناك سيتعرض المتهم للاستنطاق البوليسي.

سعد ! فَعَلتَها أكبر مِن رأسك؟ لماذا تجيب المعلمة بهذا الجواب؟ مَن علَّمك هذا؟ لماذا تناقش مثل هذه الموضوعات الكبيرة والخطيرة؟

هنا أدركت المعلمة جريمة مشاركتها في النقاش العلني وفي حصة الدرس، فحاولت تحريف وجهة الأسئلة وتوجهت للمديرة: اسأليه سعادة المديرة عن الشعارات التي يحفظها ولا يلبث يرددها مع أصدقائه؟

إنهم يقولون: الشعب يريد …

وأحيانا: الشعب يريد إسقاط…

إنه يردد شعارات الحرية والكرامة والحق والحوار والقانون… ويشاهد قناة الجزيرة وفيديوهات الفايسبوك… ومواقع حركة 20 فبراير…

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الضرب واللطم و”النتف” و”القرص” والتهديد والوعيد… من طرف معلمة ومديرة حبستهما الحاجة على تعاطي حرفة التدريس الخاص مقابل لقمةٍ حارة مِن العيش في بلد يستأسدُ فيه البغاة والطغاة والعراة…

دموع سعد تنهمر ويدُ معلمته تُمعن في جدبِ أذنه إلى الأعلى حتى كادت تنفلت من رأسه، وهو صامد يؤدي ضريبة الرأي المخالف والموقف الحر والإرادة الفطرية. ضد المواقف التقليدية التخديرية القمعية التي تمارس الوصاية على عقول الناس وتتلصص على أحلامهم المشروعية، وتقتل فيهم قيم الحرية والإبداع والنقد.

هذه قصة واقعية. سعد الدين هو ابني البِكر الذي عاد ذاتَ يومٍ باكيا شاكيا جراء ما أصابه ممن يُفترض فيهم أن يربوا أبناءنا على حرية التعبير وعلى الحوار الإقناعي وعلى تنظيم الاختلاف وليس تنديم الاختلاف والقمع والكراهية والتدجين والعنف…

تحية لسعد الدين وسامح الله معلمته والمديرة.