الاستثناء المغربي) مقولة استُهلكت إعلاميا وحاول المخزن جاهدا أن يُسَوِّق من خلالها أن المغرب في مأمن من رياح التغيير التي زلزلت عروشا عربية عتيدة، لأن النظام كان سباقا للتغيير فقاد الثورة منذ 2002. وزيادة في تأكيد هذا الاستثناء تفاعل النظام إيجابيا مع مطالب حركة 20 فبراير التغييرية حيث سارع لاعتبار مطالب الحركة مشروعة وغض الطرف عن أنشطتها الاحتجاجية عموما مكتفيا بالمراقبة؛ وفي ذات السياق جاء خطاب 9 مارس وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وبعض رموز السلفية الجهادية.

انطلقت حركة 20 فبراير وبدأت تفرز زخما شعبيا مُتناميا أزعج المخزن وأفقده صوابه يومي 13 مارس و15 ماي، فاضطُر لتوظيف رصيده الاحتياطي فجيش الآلة القمعية تنكيلا بالمتظاهرين السلميين، وجيش آلته الإعلامية للتشويش على مطالب الحركة والالتفاف عليها بتضخيم وتهويل حادث تفجير مقهى أركانة بمراكش، وجعْلِ مدينة “سبعة رجال” قِبلة للفعاليات الجمعوية تنديدا بالإرهاب وتخليدا لذكرى أحداث 16 ماي الأليمة قبل حلولها؛ فسخر المخزن إمكانيات الدولة ونظم رحلة بواسطة حافلات سياحية من الدرجة الأولى يقودها رئيس مجلس مدينة أسفي ليعتذر لسكان مدينة مراكش ويتبرأ نيابة عن المَسفويين من منفذ العملية في إجراء استباقي تفاديا لنشوب حرب أهلية بين المدينتين. والغريب أنه في ذات اليوم 15 ماي بطشت الآلة القمعية بالمشاركين في عملية التنديد بمعتقل تمارة السري مثلما بطشت بوقفتي مدينة فاس. إنه الاستخفاف بعقول المغاربة.

ترقُب حذر ومراهنة على الزمن ربحا للوقت لحشد ما يلزم من دعم سياسي مؤسساتي حزبيا ونقابيا وجمعويا، ودعم اجتماعي من خلال تخفيض أسعار بعض المواد الغذائية وتحسين للخدمات الإدارية وتخفيف الرقابة ـ إلى درجة غض الطرف ـ عن أنشطة الباعة المتجولين والبناء العشوائي، مع التمسك ببعض المعاقل حفاظا على هيبة المخزن: الإصرار على تنظيم مهرجان موازين نموذجا. ترقب مَكّن أجهزة النظام المختلفة من بلورة الموقف واتخاذ التدابير اللازمة للتعامل مع حركة 20 فبراير، شكلت محطة 22 ماي ساعة صفرها ليدشن المخزن مرحلة جديدة عنوانها القبضة الحديدية وقاعدتها البطش بالمواقع الرئيسية لتتلاشى الواقع الثانوية تلقائيا تجنبا لتوسيع دائرة القمع والتنكيل التي قد تؤدي لنتائج عكسية من قبيل تأجيج مشاعر المتظاهرين واتساع قاعدة المتعاطفين حتى لا يتكرر مسار ثورتي تونس ومصر.

نفذ صبر المخزن ولم يقْوَ على مجاراة إيقاع الاحتجاج الشعبي، ولم يقبل أن تتلقى شباكه سيلا من الأهداف وهو الذي تعود رسم معالم المواجهات واختيار الملعب والحكام وتحديد النتيجة سلفا، فاختار نهجا آخر وعمد لاستعمال مفرط للخشونة معلنا أن ضيافته وكياسته ثلاثة أشهر غير قابلة للتجديد. نهج وخيار ينِمُّ على أن المخزن لم يستفد من التجارب السابقة بما فيه الكفاية، فنظاما بنعلي ومبارك لم يضمن لهما القمع والتنكيل بشعبيهما البقاء، وعلى المنوال يسير نظاما اليمن وسوريا، فما هي الإضافة النوعية التي يمني بها المخزن نفسه بقمع المتظاهرين المسالمين؟

من حيث التوقيت يبدو أن قرار التصعيد من خلال إنزال كثيف لأجهزة قمعية متنوعة زيا وعتادا موحدة هدفا، لا تكاد عصيها تخطيء، بل رصدت عدسات الكاميرات عناصر أبدت وحشية في النيل من عزل وتفننت في تكسير العظام وإنهاء النزال بالضربة القاضية أحيانا؛ توقيت التصعيد يبدو أنه لا يخدم أهداف المخزن القريبة على الأقل، وهو المُقبل على طرح مشروع الدستور المعدل على الاستفتاء بعد شهر أمام تسجيل تأكيد موقف النفور والعزوف عن المشاركة فيما يطرحه من استحقاقات كما جلته نسب التسجيل في اللوائح الانتخابية ما دفعه لتمديد فترة التسجيل؛ وكان الأنسب والحالة هذه أن يحافظ المخزن على استقرار الأوضاع مع استمرار الاحتجاجات لأن ذلك يفسر لصالحه ويُفهم على أنه مؤشر على استعداد النظام للتغير الإيجابي ويدفع كثيرين ـ وربما من شباب الحركة نفسها ـ لتليين مواقفهم عوض دفعهم بلغة التصعيد للرفع من سقف المطالب واتساع الهوة بين الحركة والنظام.

الآن وقد بدأ المخزن بالتصعيد، وتُنُوقلت مظاهر التنكيل بالمتظاهرين المسالمين، وسالت دماء، وكُسرت عظام، واستُبيحت أعراض، وتُبُودلت مواقف المساندة بين مواقع الحركة عبر صفحات الفايس بوك وعُقد العزم على الصمود ومواصلة مسلسل الاحتجاج السلمي إسقاطا للفساد والاستبداد، ما هي خيارات المخزن الممكنة؟ هل يُقوم “التجربة” بشجاعة ويعترف بمشروعية التغيير ويبادر لحلول حقيقية لا التفاف فيها؟ هل يستمر ـ وهذا هو الأنسب لعقلية الاستبداد الموغل في الاستخفاف بالشعوب، والأقرب لسلوكه المتشبع بالاغترار بترسانته القمعية وفعالية المخدر لتنويم الشعب ـ في ركوب المغامرة وهو يعلم يقينا نتيجة تجارب من سبقه لمثل هذا أسلوب؟

إن المخزن باعتماده خيار التصعيد صعّد إيقاع الحركة الاحتجاجية، وغلّب منطق المغامرة التي تختزل فيما يُعرف بـ”إما وإما”، وهو بذلك يسلك طريقا لا ثالث لمَنْفَذيه: النيل من الحركة الاحتجاجية وإقبارها وتأمين تمرير الدستور المعدل وضمان تموقع ريادي للمخزن في الساحة السياسية وهذا يعني أنه خرج من العاصفة التغييرية بسلام وبأقل خسارة وبالتالي رسخ مفهوم “الاستثناء المغربي”، وإما أن تُحترم قاعدة الحركات الاحتجاجية السابقة وتنتصر إرادة الشعب.