مقاربة النظام الحاكم، الساكت إلا دوا

ليست مناسبة كتابة هذه السطور المرة الأولى التي يتكلم فيها ساكتنا. فقد سمعنا منه كلمات من حين لآخر بعد خطاب 9 مارس. لكن، تعتبر أحداث 22 ماي، أبلغ كلمات الساكت.

تركزت مقاربة النظام المغربي للاحتجاجات التي تقودها حركة 20 فبراير إلى غاية شهر ماي أساسا في المستويين السياسي والإعلامي. نرصد في هذا الصدد خطاب 9 مارس الذي جاء في وقت مبكر بالمقارنة مع المستوى الابتدائي الذي كان عليه حراك الشارع المغربي، ما يدل على كونه رد فعل استباقي أكثر مما هو تعاط مع مطالب الحركة الاحتجاجية. وقد عضد هذا الحدث مجموعة من الإجراءات، أولها، مساندة الدبلوماسية والإعلام الغربيين وخاصة البيت الأبيض وفرنسا، واللذين اعتبرا الخطاب تاريخيا والتعاطي الرسمي استثناءا في المنطقة. يمكن أن نضيف لهذا الدعم الخارجي الدعوة العجيبة لمجلس التعاون الخليجي لانضمام المغرب إلى حظيرته. ثاني الإجراءات، تقدم أطراف سياسية للترويج للخطاب على أنه ثورة ملك واعدة. وقد كان أبرز مبادرات هذه الأطراف وخاصة بعد فشل محاولات تنظيم مسيرات حب الملك، إقدام حزب العدالة والتنمية على تنظيم مسيرة وطنية يوم فاتح ماي للدعوة إلى المحافظة على إمارة المؤمنين. نرصد كذلك في التعاطي السياسي حل مجموعة من المشاكل كتشغيل عدد من المعطلين وزيادة 600 درهم في رواتب موظفي القطاع العام والإفراج عن مجموعة من المعتقلين السياسيين. ويمكن أن نسائل هذه الإجراءات في جدوائيتها باعتبار وضعية البلاد عموما.

على المستوى الإعلامي، لوحظ تعاط مترنح و مرتبك مع القضية. فمن حملة التضليل واختلاق الأكاذيب التي عزفت على أوتار الانفصالية ومعاداة ثوابت الشعب والوطن، مرورا بالهجمة الشرسة المباشرة ضد التيارات الداعمة لحركة 20 فبراير وخاصة جماعة العدل والإحسان التي اتهمت بسعيها إلى احتواء نضال الحركة وتوجيهه لتحقيق أغراض خاصة، إلى التعتيم والتشويه. ومما يدل على ارتباك هذا النهج، ظهوره بشكل مفاجئ وبحده في جميع المنابر الإعلامية الرسمية، وخاصة القنوات التلفزية، ثم اختفاؤه وكأن شيئا لم يكن. ولربما اكتشفت السلطة أنما كانت في معركة خاسرة. لتستمر بعد كل هذا المقاربة الإعلامية فقط في التعتيم وتحجيم النضال الشعبي، ومن ذلك القول عن مسيرة شارك فيها عشرات الآلاف، أنما تعدادها بضعة آلاف.

طالع أيضا  بناء الثورة المغربية (2).. الطبخة الدستورية والملكية البرلمانية

هدفت مقاربة النظام إلى تشييد قلعة الاستثناء العربي والذي تجلى كذلك في التعاطي الأمني.

على المستوى الأمني، وقبل أن يسترسل الساكت في الكلام في شهر ماي. كان الطابع العام لتعامل المؤسسة الرسمية مع الاحتجاجات الشعبية هو الاكتفاء بالمراقبة. ما عدا في بعض الاستثناءات التي حركت فيها القوى الأمنية. أولها، أحداث الحسيمة في 21 فبراير. وبالمناسبة، كانت هذه الأحداث محط اتهام ناشطي الحركة للمخابرات المغربية بافتعالها لجعلها ذريعة قمع الاحتجاجات السلمية. وإن صح ادعاؤهم، فيفسر عدم كبح هذا المخطط للنضال الشعبي بنجاح حركة 20 فبراير في استعمال قوة الحراك السلمي. ثاني الاستثناءات نسجل أبرزها أيام 6 مارس بطنجة و10 مارس بالرباط و13 مارس بالبيضاء. تدخلات أمنية بتغطية إعلامية تصف المحتجين بمثيري الشغب وبالخارجين عن الإجماع الوطني.

أسبوع بعد قمع 13 مارس، خرج البيضاويون في أول مسيرة احتجاجية بأعداد مضاعفة عشرات الأضعاف. الظاهر أن هذا الزخم كان السبب وراء رجوع المؤسسة الرسمية طيلة شهر أبريل إلى ما أسميناه سالفا إن صح التعبير، الاكتفاء بالمراقبة وعدم قمع الأشكال النضالية التي غدت بعشرات المدن يوميا. وبالموازاة مع ذلك، الاكتفاء بالاستثمار الإعلامي لـ”تعقل” السلطات وسلمية نضال المغاربة في الترويج لحكمة النظام المغربي في التعامل مع مطالب الشعب عكس جيرانه العرب. ولعله نهج هذا الأسلوب لاستفادته من الدرس التونسي المصري الذي علمه أن الضغط يولد الانفجار.

في الشهر الموالي، شهر ماي، و بين قوسين بعد تفجيرات مراكش، نقرأ تسجيل أزيد من 15 تدخلا أمنيا في ظرف أسبوع (من 7 إلى 15 ماي) على أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تعاطي النظام الحاكم مع الحراك الشعبي. نذكر هنا بفض الاعتصام المفتوح للأساتذة المجازين و قمع مناهضي مهرجان موازين بالرباط، وتفريق اعتصام خريجي المعاهد بأسفي، وقمع المجازين المعطلين بالبيضاء، ومنع إقامة مخيم احتجاجي بالعيون، وفك اعتصام أمام ضيعة الجنرال الشرقاوي بسيدي سليمان، وقمع زوار المعتقل السري بتمارة، وقمع المحمدية وفاس وتزنيت. هذه المرحلة تأكدت بما لا يدع مجالا للشك يوم 22 ماي المشهود الذي قمعت فيه جل المسيرات و المعتصمات التي بلغ عددها المائة. هذه المرحلة، عنوانها البارز، كل محاولة للاحتجاج مجهضة مقموعة.

طالع أيضا  بناء الثورة المغربية (2).. الطبخة الدستورية والملكية البرلمانية

هل يصح القول بأن النظام المغربي تنكر للدرس التونسي المصري، بحيث أنه لم يجن من “تعقله” في مواجهة الحراك الشعبي سوى تناميه. وأخد عوضا عنه دروسا أخرى تعرفها المنطقة. وهي صمود عروش بعض الأنظمة باستعمالها العنف والتقتيل. ونخص بالذكر النموذج اليمني.

أيا ما كان الجواب، فالنظام المغربي بين سندان تنامي الاحتجاج نتيجة تركه، ومطرقة تضاعف الاحتجاج نتيجة قمعه. وأيما كان الجواب، فإن قلعة الاستثناء المغربي قد تحطمت. وتأكد أنما كانت سياسات مرحلية وخداعات قذافية. تعتيم وتشويه، ومراقبة وفتح هامش، واختلاق قصص،و قمع بمستويات مختلفة. هذه السياسات و إن اختلفت أشكالها فلها هدف واحد، ليست حبا في سواد عيون المغاربة، وليست آخر الحيل والقدرات القمعية، الهدف الأوحد، إطالة عمر النظام.