في إطار التضييق الممنهج الذي تمارسه السلطات المخزنية المغربية على جماعة العدل والإحسان منذ نشأتها قبل أكثر من ثلاثة عقود، دشّن المخزن يوم 24 ماي 2006 مرحلة جديدة من الحصار والتضييق غداة ما حققته الأيام المفتوحة التي اعتمدتها الجماعة للتواصل مع مكونات الشعب المغربي دون وسيط في سائر حواضر المغرب وقراه ومداشره، حيث صرح وزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى -رئيس المجلس الاجتماعي والاقتصادي اليوم- لوكالة الأنباء الفرنسية تصريحا غريبا عجيبا قال فيه: بتكثيفها للأنشطة تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون). ليعطي الضوء الأخضر لأجهزة وزارته لتعقب أنشطة الجماعة، فحاصرت وشمعت البيوت وسَاقت الأعضاء رجالا ونساءً وحواملَ ورُضعا إلى مخافر الشرطة وعرضتهم على المحاكم التي أثبتت ابتدائيا واستئنافيا قانونية الجماعة وانضباط أنشطتها لما تقتضيه المساطر المنظِّمة.

وفي كل مناسبة تعتقد فيها الجهات التي تستهدف الجماعة أنها نالت منها وحجمت حركتها تُظهِـرُ ميدانيا أن الحصار يكسبها مناعة وقوة تترجمه الوقفات والمسيرات ويجليه تنامي إشعاعها وتزايد أعداد الوافدين عليها، مثلما يبرهن عليه الحضور القوي والمتميز للجماعة فكرا وقيادة في مختلف المحافل.

وفي الذكرى الخامسة -يوم 24 ماي 2011- للحملة المخزنية على الجماعة في العهد الجديد، عهد “دولة الحق والقانون” وعهد “الإنصاف والمصالحة” و”طي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”، يأبى المخزن إلا أن يجدد العهد في استهداف الجماعة، إذ اعتبرها وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة أنها مسؤولة -هذه المرة رفقة تنظيمات يسارية راديكالية- عن زعزعة استقرار أمن البلاد وإثارة البلبلة باسم الديمقراطية، في محاولة لتبرير تنكيل الأجهزة الأمنية المخزنية المغربية بالمتظاهرين السلميين في إطار حركة 20 فبراير، حيث أظهر المخزن أنه اختار أن يسير على خطى من سبقه للهاوية باعتماد القبضة الحديدية لقمع الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح الجذري.

ورغم الفرق الزمني بين التصريحين والفرق بين مرجعية الوزيرين، فالمنطلق واحد والهدف واحد. كلا الوزيرين يجسدان توجها استئصاليا لم يُبرمج -ربما- على القبول بالرأي المخالف، وبالأحرى من يُعارضه. وعليه، لا معنى لانتماء فلسفي أو إيديولوجي لأن الممارسة السياسية في ظل “ثوابت” المخزن تنسخ أي انتماء، وتُلغي أية مرجعية فكرية.

وزير داخلية “تكنوقراطي” يعتبر تكثيف الأنشطة تهمة تجعل صاحبها خارج القانون، لأن الأصل في عرف المخزن أن تتحرك في الإطار المحدد لك سلفا، وأن تنشط بالوتيرة التي لا تزاحم النظام وتنافسه “الشرعية” العملية إبقاءً على السبق والفاعلية المخزنية وترسيخا لمحوريته في المشهد السياسي. ووزير “حزبي” يعتبر الحضور والحيوية والانخراط في الفعل الاحتجاجي السلمي لهيئات، وضمنها جماعة العدل والإحسان، مَجلبةً للفوضى ومُهدِّدَةً للاستقرار وأمن البلاد.

تتعاقب السنوات وتتغير الوجوه ويبقى الثابت هو النهج المخزني، إصرار على السير الحثيث بالبلاد نحو النفق المسدود، وتسخير مقدرات البلد لقمع شعب تاق للحرية والكرامة وطمح لعهد جديد -حقا وصدقا- يمارس فيه حقه في الاختيار والقرار، وينخرط فيه الجميع في البناء وتحمل الأعباء وقسمة التضحيات استشرافا لغد العزة والكرامة. وفي أمل أن تهب نسمة تعقل هناك نتمنى أن يستفيق القوم وأن يدركوا أنه لو كان الاضطهاد يُجدي لما هرب الدموي بنعلي، ولما تنحى الفرعون مبارك؛ فالاستبداد إلى زوال، والعاقل من استحضر العواقب، وتجنب الوقوع قبل السقوط.