إن تهاوي جل الأنظمة العربية متوقع بكثير في اللحظة الراهنة مقارنة مع فترات سابقة كان لها سطوة الإحكام وقوة الإلزام وشراسة الدك وإطباق المدن على رؤوس أصحابها، كما طرأ في مدينة حماة في عهد الأسد الأب، وزعمنا هذا مؤسس على طبيعة هذه الأنظمة الشمولية حيث إنها متشابهة في بنيتها الجوهرية التي لم تتغير على مدى عقود متطاولة، لاسيما وإنه عند سقوط بعضها فوجئت الأمة حقيقة بمدى الاتساق الكلي في جوهرها البنيوي، والتشابه الغريب في هياكل تسييرها السياسي، فضلا عن وحدة حركيتها القمعية ضد الجماهير الثائرة، إذ يكفي استحضار خطب الحكام المخلوعين وحملات إعلامهم المغرضة وسلوك أجهزتهم القمعية لتعرف مدى التطابق الكلي لتلك الأنظمة المنتفشة بقوة التسلط وجبروت التحكم… لكنه حين يدلف زمن السقوط، تبدو حقيقة تهالكها وفضاعة جرائمها وبشاعة فسادها وقوة اعتصارها للجماهير المستضعفة ودناءة تصورها للأشياء وغباوة متسلطيها وكذب ما كانوا عليه من ادعاء التسييس الأمثل للبلد الواقع تحت قبضتهم… ولا عجب فكما يقول الكواكبي: إن المستبدّ: يتحكَّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنَّه الغاصب المتعدِّي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من النَّاس يسدُّها عن النّطق بالحقّ والتّداعي لمطالبته).

لكن تشابه العلل قاض باستشراف نزول الأقدار وحصول النتائج، مما يشي بأن ذاك الاتساق في بنية الاستبداد سبب حقيقي في الكشف عن تسريع حقيقي لسبل الانهيار والسقوط، لذلك لم يكن غريبا أن تعصف شهور قليلة من هذه السنة المباركة بأعتى الأنظمة الاستبدادية القمعية، لأن ما تلاحظه في هذا البلد هو عين ما تراه في البلد الآخر من حيث بنية الأنظمة الرجعية وما يروج فيها من تفرد واستبداد، فهناك استيلاء بَيِّن على سلطة غابت في إخراجها إلى الوجود جماهير حرة أبت إلا أن تختار حاكما متساوقا مع همومها وتطلعاتها المشروعة، لكنها ذاقت ضيما وعسفا وظلما شرسا من قبل مستبد لم تختره، ولم يكن لها نصيب في تنصيبه حاكما، فكان السائد بداهة في بلد الاستعباد والاسترقاق وهيمنة الفرد هذا، تكريسا حقيقيا لمفهوم الزعيم الأوحد المقدس الذي لا يخطئ، والذي غدا مفهوم الدولة ككل منحصرا فيه عند الإطلاق، بل إن الوطن ككل تسربل فيه، وأصبح البلد ذاته هو هو، والشعب إنما هم مجرد رعايا وأقنان يشتغلون في ضيعته، فما كان من دساتير التأليه عند صياغتها سوى الرفع والتمجد والإكبار له، لئلا تتجاسر أمة الرعاع والدون والغوغاء في نظره على استشراف مخاطبته ومحاورته ونقده ومحاسبته وعزله ومحاكمته علنا وإدخاله إلى غياهب السجون والمعتقلات التي أدخل فيها أفواجا من الأبرياء الشرفاء…

لا عجب إذن أن تحاك وتخاط القوانين الأسمى على مقاس الحاكم الفرد لتنشأ بعد ذلك مؤسسات صورية خادمة للغرض ذاته ومحققة للقصد عينه، كأن تجد برلمان الحاكم مزينا بخشب مسندة يتم تحريكها ل(سن) قوانين القهر وخدمة توجه التسلط، وما إطباق أحزاب نظام الاستبداد على قانون الإرهاب مثلا إلا دلالة على الدوران في فلك المستبد… فضلا عن صياحها الكاذب عند وقوع انفجار حاكته أجهزة المخابرات ليتم التشريع لليد الحديدية للمستبد على أن تبسط قوتها في الآفاق تذويبا للفضلاء وتعذيبا للشرفاء وإدخالا للأبرياء إلى غياهب سجونه العفنة فضلا عن تقتيلهم في معتقلاته السرية…

إن بناء هيكل الفردانية الواحد في بلدان الاستبداد العربي حقيقة، مع إنشاء مؤسسات صورية مجازا، قد توهم الغريب الساذج الذي لا يعرف حقيقة ما يجري أن هناك ديموقراطية مزعومة وحقوقا للإنسان مصانة وغيرها من الشعارات المعلنة التي لا تعرف تجسيدا حقيقيا لها على الأرض، لذلك نقول لكل حر دلف إلى أوطان القهر: إنه كلما جُلت ببصيرتك في آفاقها، وعرفت مؤسساتها لن يغيب عن بالك استمساك المستبد بأجهزته الإعلامية تمسكه القوي بأجهزته الأمنية، ألا تلاحظ إعلامه المرئي والمسموع والمكتوب أحادي الفكرة، تضليلي الحقيقة، رديء الصورة، بينه وبين الجماهير بون سحيق ومسافات طوال، أدركها العاملون فيه قبل غيرهم، وطالبوا بعد نجاح الثورة الهادرة تغيير ما كانوا يقومون به من تمجيد للفرد وشرعنة رذائله ورعوناته جذريا.

ولا يخفى على النبيه المتتبع للتصورات الفكرية أن يرى نمطا فكريا سائدا لا يؤمن بنسبية الأفكار أو تعددها، لأنه نابع من فكر وحيد للفرد المستبد، لذلك كانت التصورات المغايرة نشازا عند مفكريه وعقلانييه يجب محاربتها ووضعها في حيز الفكر الشاذ الذي يجب إبعاده عن الجماهير الغافلة.

هو فكر شمولي إذن معزز بسطوة اليد الأمنية وأجهزة الاستخبارات القمعية وأدوات التضليل الإعلامي فضلا عن تصافيق الأحزاب الموضوعة على منصة شرعنة فكر الغالب وصياغة عقلية الخضوع.

وزيادة على تقوية شرعية المستبد الرئاسية مثلا، رأينا أجهزة مشرفة على الانتخابات الرئاسية من صنيعته هو، وتعيينه الشخصي المباشر، فإذا حاز منصب الرئيس المنتخب خاطب الجماهير الثائرة بشرعيته الدستورية الزائفة تلك، أما أنظمة الوراثة فإنها تستمد شرعيتها من التاريخ والتوريث والشرف وغيرها من المعايير، ولكن بنيتها الاستبدادية هي عين بنية الأنظمة الأخرى.

ألَم تتشابه صور القمع وهياكل التسلط وأنظمة التفرد والاستبداد على شريط كامل ممتد من البحر إلى الخليج … وكأن معلما نحريرا أو طبيبا نطاسيا كان وراء ظهور وتنشئة وتربية أشباح مستبدة جاهلة، وصياغة دساتير صورية، وإنشاء نظم مهترئة واحدة، وإقامة رجالات (أمنية) متلاحمة متعاضدة في ديدن الجلد والقمع والسلخ، لينفسح المجال رحبا لأعداء الشعوب لينشبوا مخالبهم في جسم الأمة ومقدرتاها نهبا وسلبا وامتصاصا؟

لِم تشابهت كلماتهم وسياساتهم وخضوعهم المطلق للكيان الصهيوني، ألم تكن خلاصات قممهم مستنسخة عن القمة الأولى حين استقرت بهم أوضاع التفرد؟

ولِم نجد إطباقا في سياسة القمع والإرهاب، وتناغما قل نظيره بين وزراء داخليتهم على الرغم من بعض الخلافات الشكلية بين بلدانهم؟

ولم كما قال الكواكبي: عدّد الفقهاء من لا تُقبَل شهادتهم لسقوط عدالتهم، فذكروا حتّى من يأكل ماشياً في الأسواق؛ ولكنّ شيطان الاستبداد أنساهم أن يُفسِّقوا الأمراء الظالمين فيردّوا شهادتهم…. ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكّام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وأوجبوا الصّبر عليهم إذا ظلموا، وعدّوا كلّ معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين؟!)

والسؤال الذي يطرح ذاته هاهنا: لِم هذا التشبت القوي بسلطة أصبح المستبد فيها منعزلا عن الشعب، غريبا عنه، سابحا في تيار مغاير لما عليه الجماهير الغفيرة من أمته؟

نعم… حين هرع المستبدون فارين من بلدان لفظتهم، وشعوب ثارت ضدهم، وهم محملون بثروات منتهبة وأرصدهم مكدسة… تبدى لنا السبب الحقيقي وراء تسلطهم الأجوف ومجالدة الثائرين عليه بالقمع والتقتيل، لتظهر حقيقة ناصعة للعيان وهي أن أس بنائهم السلطوي وجوهر استمساكهم بقوة الاستفراد والاستكبار والالتصاق بالكرسي الوهم وإن ناهضوا نبض الجماهير وتطلعاتها المشروعة… إنما هو وضع اليد الآثمة على ثروات الشعب المستضعف ونهبها وإلقاء الثمالة الباقية للمنتفعين والمتملقين الذين يمجدون الحاكم ويخدمون مشاريع السلب والتجويع…

إن تمسك هؤلاء بالسلطة لم يكن بسبب المجد أو السؤدد أو ترك صفحات وضيئة في التاريخ، بل بسبب اقتلاع الثروة من أشداق الأمة الجائعة والهيمنة على الخيرات الممتلكة للجماهير المفقرة، فلا عجب إذن أن تجد الأثرى في بلد الاستبداد إنما هو الحاكم وحاشيته وأقاربه وأصدقاؤه والمنتفعون منه عموما.

بتلك البنى التي رصت جدار الاستبداد في عالمنا العربي… شُيدت عوالم حقيقية للفساد والتخلف والاندحار مقارنة بالأمم الراقية التي ساد فيها الشعب، وكانت له الكلمة الفصل في اختيار الحاكم ومراقبته، ولقد نبه المفكرون إلى خطر تلازم الاستبداد بالفساد، ونخر جسد الأمة بالعلل القاصمة وأولها ظهورا فشل النهوض الفكري والتربوي والاقتصادي والحضاري عموما فضلا عن قمع ممنهج لحرية التفكير والتعبير بوجود فكر المستبد الأوحد الذي لا يكون محل نقاش…

لكن تباشير النهضة العربية بتلك الثورات المتميزة تدلنا بوضوح أن الأمة التي استعبدت عقودا وأنهكت من قبل الشرذمة المتسلطة عرفت مكمن الداء وطرق الاستشفاء منه، وهو ألا حياة في الأرض دون حرية وكرامة وإنصاف وتوزيع عادل للخيرات ومراقبة تامة للشأن العام ومحاسبة لأي حاكم آت على فعله التنفيذي، فضلا عن البوح بكل ما يتلجلج في أعماق الفرد تجاه محيطه وعالمه دون خوف أو وجل من أجهزة القمع وطوارق الليل… ولن تصل الأمة إلى ذلك المبتغى إلا بإلجاء الحاكم لما تريده هي، لا ما يفرضه قهرا عليها، ومن ثم كان أول مصارع الاستعباد: ضرورة التحرك لإلجام المستبد عن غيه وصلفه وعسفه فالمستبدّ: إنسانٌ مستعدٌّ بالطّبع للشّر وبالإلجاء للخير، فعلى الرّعية أنْ تعرف ما هو الخير وما هو الشّر، فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه، وقد يكفي للإلجاء مجرَّد الطَّلب إذا علم الحاكم أنَّ وراء القول فعلاً. ومن المعلوم أنَّ مجرد الاستعداد للفعل فعل يكفي شرَّ الاستبداد).

ثم إنه لابد أن تعرف الأمة قيمتها الآنية… إنها أمة زاخرة بالطاقات العلمية والخيرات الطبيعية ومكامن القوة والعزة، وما تخلفها الحالي سوى تخلف مصطنع من صياغة الاستبداد وفساد أنظمة الحكم، لذلك لابد من أن تطرح الأمة أسئلة ذاتية عليها: هل خُلِقت خادمة لحاكمها، تطيعه إنْ عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟.. والرَّعية العاقلة تقيَّد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزَّت به الزّمام، وإنْ صال ربطتْه).

رحم الله الكواكبي على تشريحه لعلة الاستبداد وكأنه قد استشرف الأفق، فظهرت له قوافل آتية من المستبدين بعد استعمار ليطوقوا جيد الأمة بأغلال الاسترقاق وأصفاد الاستعباد… لكنه أتى على الأمة زمن مبارك أدركت فيه أن الحرية أفضل من الاستكانة، والعدلَ خير من ظلم الصائل، ومجابهةَ الظالم الطاغي ألزم عندها من الخنوع والركوع، والسيادةَ الحقيقية إنما هي سيادة الشعب وحده دون غيره وإن اقتضى الأمر بذل الدماء الزكية الطاهرة على تربة الوطن المقدسة…

لذلك نقول بوضوح تام: إنه كلما تشابهت بنيات الاستبداد فتلك تباشير النصر لهذه الشعوب المظلومة المكلومة التي ثارت ضد أغيلمة الفساد وشرذمة الاستبداد، فأتت على بنيانهم من القواعد، وأطبقت بعرى الفساد على رؤوس أصحابها… ليغدو الفرد المستبد لاجئا أو محاكما أو طريدا أو شريدا أو ملتصقا بتهم لن تمحى من سجله الدنيوي… وتلك قمة الخزي والعار والسفال البشري، فضلا عما ستدونه صفحات الثائرين المشرقة التي هدّت صرح الاستبداد وطوته دون رجعة، وآذنت بغد الحرية والكرامة والعدل وسيادة الأمة.