لا يملك الداخل إلى مدينة مراكش إلا أن يسلم نفسه لهذه الغادة الحمراء، تأسره بين أسوارها طائعا، فإذا به قد انتقل من زمانه الاعتيادي لتفرض عليه زمانها الخاص، زمان ينعش النفوس بعبقه التاريخي، ويبهج الناظرين بما راكمه من عمارة القرون.

وصلنا إلى “باب دكالة” وقد توسط الشباب رقعة المكان، كما توسطوا حشود الناس، بشعارات بريئة النبرات لكن قوية المعاني، معان شاب البعض ولا زال يخشى حتى أن تتسلل إلى أحلامه وهو نائم. ولولا ثقتي بأن لكل استبداد نهاية، كما علمتنا سنن الباري عز وجل، لاختلط علي الأمر، خاصة وأني واقف بمكان لازالت تذكرني جدرانه كلما مررت بها، بما حدث مع مطلع القرن الحالي، وبالضبط في العاشر من دجنبر من سنة 2000 للميلاد، وهو اليوم الذي اختاره العالم ليكون يوما عالميا لحقوق الإنسان، لعلنا ظننا في ذلك اليوم أنه سيكون استثناء، لنطالب بالحقوق والحريات. نعم لم تكن شعاراتنا كما هي اليوم، ولم نكن لنتجاوز حافة الطريق، ومن فعل حينها فكأنما أشرف على حافة الهلاك.

في 08 ماي الجاري نزلت من الحافة نفسها لأنضم إلى جموع المحتجين وهم يتوسطون الشوارع، وهي الشوارع نفسها التي اضطرتنا الهراوات بالأمس، في ذلك اليوم الرمضاني قبل عشر سنين ونيف، أن نتفرق في أرجائها، حتى وصل البعض، وهو يحمل معه جراحه، إلى الساحة الجميلة “ساحة جامع الفنا” التي غيبته في أحضانها وحجبته عن أعين المترصدين.

لكن اليوم لا يشبه الأمس، اليوم بدأ الربيع وتفتحت زهرة الشباب، وبسقت متوسطة رقعة الواقع، واجتمعت ألوان الطيف الربيعي، وأعطت لونا واحدا هو اللون الأبيض المضيء، الذي عبر عنه شعار “حركة 20 فبراير” الذي خُط باللون الأبيض على الرايات السوداء.

لقد أضاء الشباب ومن معهم الشموع البيضاء على أرض واقع أسود وأظلم، متجاوزين قول القائل: “أن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام”. فشبابنا اليوم، وفي كل البلاد العربية والإسلامية، قد تجاوزوا ذلك، فهم يضيئون الشموع ويلعنون الظلم والظلام.

ودعنا أسوار “باب دكالة” وسارت جموع المتظاهرين، تشق طريق الحرية والكرامة، وقد حفتها مآثر الأجداد العظام في مدينة الرجال، وعمتها أصوات الشباب عالية، بما لم تسمع شوارع المغرب مثله زمانا طويلا.

ومن أجمل ما في هذه الأصوات، نبرة الشباب في الإيقاع، وعنفوانه في المعاني. متعة للسمع، وقوة في غير عنف في الاحتجاج، وانشراح للقلب أن يرى شبابا في مقتبل العمر يحملون هَمَّ البلاد والعباد، بعد أن صار واضحا أن القوة في انصهار الهموم في هم واحد يعم الجميع، ويعمل لأجله الجميع، وبعد أن أدرك الجميع أن العين التي تصب منها الهموم والغموم تعم الجميع. لقد كان المطلب العام هو إسقاط الفساد والاستبداد.

تقدمت مع المتقدمين وفجأة انعطفت الطريق وبرزت لناظري “صومعة الكتبية” شامخة وعليها من حلل الهيبة والجلال، ما يجعل البصر لا يكاد عنها يصرف، وكأنها تدعوك بجمالها أن لا تصرف طرفك عنها، لتبقي رأسك مرفوعا شامخا بشموخ الصومعة العظيمة التي ما انحنت يوما ولا سكتت عن الحق الذي كلفت بتبليغه للناس.

زاد الحماس وارتفعت الشعارات وازدادت حرارتها مع ازدياد حرارة شمس مراكش المشرقة، فلم أدر في غمرة ذلك إلا وأنا أضع قدمي على الرصيف إيذانا بنهاية المسار، وأننا على عتبة الساحة التاريخية، نصنع موعدا مع التاريخ. أستغفر الله العظيم، إنما هو الكرم الإلهي، يصنع ويخلق وينسب للعبد الضعيف.

وفعلا جمعت “ساحة جامع الفنا” الجميع، ودخل المتظاهرون وكنت في زمرة من الشباب وهم يهتفون بنبرة شعبية “وحنا جايين” (نحن قادمون)، وعلى الجنبات وقف أناس من مختلف الأمم والأجناس يرقبون دخولنا للساحة ومنهم من يصفق محييا، ومن خلفنا قامت الصومعة العظيمة شاهدة على جيل جديد يدخل ساحة الإنسانية، وكأنها حارس أمين قد أعلى نبراسه ليضيء لنا الطريق.

توسط الشباب ومن معهم الساحة واختلط الحاضر بالماضي، وتملكتني أحاسيس أشبه ما تكون بإحساس الغريب الذي وجد أبناء بلده في أرض الغربة.

في زمن مضى احتضنتنا الساحة وقد ألجأتنا إليها العصي الغليظة، واليوم أراها تحتضن مطالب الشعب، وغدا إن شاء الله تعالى نحتفل فيها بتحقيق المراد.

ختمت المسيرة وتلي بيانها الختامي، فما عكر علينا صفو اللحظة إلا منظر التفجير الإجرامي الذي أصاب إحدى مرافق الساحة، كانت المرة الأولى التي أرى فيها اعتداء مدبرا مباشرة، وهكذا غالبية الشعب، لم يعتادوا على ذلك، ولا يرون فيه إلا جريمة غريبة عن طبيعة المغاربة وما عرفوا به من سماحة ومعرفة بالله تعالى تزيد صاحبها إشفاقا ورحمة بالخليقة، والرجال السبعة بمراكش مثال ساطع على ذلك. أمام هذا المنظر لم نكن نملك إلا أن نقرنه مع الظلم في قرن واحد ونندد بهما معا.

كان وقت صلاة الظهر قد مر، وعند بحثنا عن مكان نؤدي فيه الصلاة، إذ بنا نسمع النداء بالصلاة قادما من جهة “الكتبية”، فعلمنا أنها تُنظر مصليها، وتبرد بصلاة الظهر. فقلت “سبحان الله هذا جامع الكتبية ينتظرنا للصلاة، وكأنما اختار سنة الإبراد بالظهر (أي تأخير أدائه إلى وقت برود الحر) منذ زمن طويل، ليتم لنا به اللقاء”.

يممت وجهي شطر الجامع الكبير، ودخلت الباب، وغبت في بحار من السكينة لا تسمع لموجها هديرا، وإنما تجد لها حلاوة لا يدركها إلا القلب، ففيها يستريح، ومنها يحمل زاد المسير.