دروس بليغة تعلمنا إياها ثورات الشعوب، من كان يجرُؤ أن يتخيل ـ مجرد تخيل ـ أن الأمور ستنحو هذا المنحى المتسارع بنظام مصر، وما أدراك ما نظام مصر! مصر نقطة ارتكاز مشروع هيمنة الاستكبار العالمي، يدعم اقتصادها، ويسانَد نظامها السياسي، ويغض الطرف على خروقات أجهزتها الأمنية في حق الشعب، ويسكت على تزوير انتخاباتها، ويُبارك مشروع توريث الحكم فيها ما دام يضمن استمرار انخراط النظام في التآمر على مصالح الأمة وثرواتها ومقدساتها. فلا عجب “يتغول” النظام ويستأسد على شعبه ليبسط نفوذه على مؤسسات الدولة احتكارا للسلطة والثروة. نظام طوَّع خلال عقود “تضاريس” المشهد السياسي، فوأد الحركات الإصلاحية قمعا واعتقالا وقتلا، وكمَّم الأفواه فلا تكاد تسمع همسا، ومن انبرى للكلام فبحمد النظام سبح، وبفِعال فخامة الرئيس ترنم. ولما بلغ عُلوُ النظام أوجهُ، وخُيل له أن الجو خلا له، وأن الشعب فوَّض للحاكم ـ بابا مبارك ـ أمره، جاء أمر الله العلي القدير على حين غِرة، وتداعى شباب مصر عبر الفايس بوك ليُسمع احتجاجه للحاكم المطمئن لجبروت أجهزة أمن دولته، المنتشي بقصائد ولاء إعلامه. تداعى الشباب واستجابت لندائهم فئات الشعب، وغصت بملايينهم ساحات وميدان تحرير قاهرة الاستبداد صادعين: “الشعب يريد إسقاط النظام”. يقول الحق عز سلطانه مقررا مآل المستكبرين: فلما نسُوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبوابَ كلِّ شيءٍ حتى إذا فرِحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مُبْلِسُون فقُطِع دابِرُ القومِ الذين ظلموا والحمدُ لله ربِّ العالمين (سورة الأنعام: 46،45).

انتفض الشعب وثار، وكسر قيد الذل والهوان، ولم تُفلح الآلة القمعية لترهيبه، وبَارَ المكرُ والدهاءُ السياسيان، وأخذ بنيان نظام ظن أن صرحَه قد اكتمل ـ وأنى تنال منه العوادي ـ يتهاوى أمام صمود شعب أقسم أن يسترد كرامته، وأدرك موقنا أن الوقت آن ليسطر للأمة طريق الانعتاق من كابوس الاستبداد، أليست مصرُ أُمَّ الدنيا؟

استشعر النظام العاتي الزلزال، فتوالت الخُطب متوعدةً، متفهمةً المَطالبَ، متوسلةً خاطبةً الوُدَّ مُلوِّحةً بمجد تاريخي مزيف، مناورةً متنازلةً عن بعض السلط، مهددةً بالفوضى، مُدغْدغةً مشاعـر الحليف، ملوحةً بالفزاعات، مستسلمةً للشعب الذي أراد، مُعلنةً بالنيابة ـ حفاظا على مُسكة كرامة ـ قرار التنحي، ليُطوى كابوس نظام عربي عتيد، ويُؤذَّن من ميدان التحرير في الشعوب العربية والإسلامية أن وصفة التحرير فعالة بل ومجربة، وأن بيت الاستبداد أوهنُ من بيت العنكبوت. ألَمْ تَختزلْ ثمانيةَ عشرَ يوما ظلمات عقود، وتُحررِ العبادَ والبلادَ من البطش والفساد؟

بالأمس القريب، 25 يناير انطلقت شرارة ثورة “العيال”، وفي جمعة 11 فبراير المجيدة أَفل نجم الاستبداد، وتدحرج من علياء عُتوه. ويوم 13 أبريل ـ من نفس سنة الخلاص 2011 ـ ينزل أركان نظام مَصر البائد ضيوفا على سجن “ابتدعوه” للتنكيل بالخصوم السياسيين، لتبدأ محاكماتهم ويدانون تِباعا بسنوات سجن نافذة. ويوم 13 ماي تُعرض “سيدة” مصر الأولى ـ ماما سوزان ـ على قاضي التحقيق لتلتحق بحَرمها معالي الرئيس ويُؤمر بحبسهما 15 يوما على ذمة التحقيق.

هل كان يخطُر على بال أن تُصفَّد معاصم أصحاب سعادة النظام الناعمة بالأغلال، ويساقوا ليمْثُلوا بين يدي مُدَّعٍ عامٍّ تعوَّدَ على الائتمار بتعليماتهم لتوجيه تهم حسب المَقاس للخصوم؛ سِيقوا سَوقا ليقفوا مجردين من الألقاب ويُسألوا وهم مَنْ كانوا لا يُسألون عما يقترفون؟ اللهُمَّ لا شماتة! اللهُمَّ لا شماتة! اللهُمَّ لا شماتة!..

أيُّ درس بليغ هذا الذي علمته لنا ثورة شباب مصر؟ وأيةُ عِبَرٍ وعِظات يمكن أن يستخلصها حكام كان نظامُ مصر نموذجَهم؟ ثورة شباب مصر منطلقا وسيرورةً ومآلاً درس عملي لمستضعفي العالم عموما والشعوب العربية خصوصا مغزاه أن بين فجر العزة والكرامة وبين كابوس الذل والمهانة أن يريد الشعبُ ويصبر ويُصابر ويقاوم ويصمد، فالاستبداد إلى زوال، قانون لا استثناء في قاعدته. وانهيار نظام مصر ـ خالَ نفسه من حديد بل من فولاذ ـ وسَوق أركانه لتحاكمهم إرادة الشعب موعظة بليغة للحكام العرب تحذرهم من مغبة الاستهتار بعزائم شعوبهم والاستخفاف بوعيها وذكائها، ليسارعوا ـ إن أَسْعَفَتهم الشجاعة السياسية ـ لتوبة عمرَ بنِ عبدِ العزيز رحمه الله، ويبادروا لتصحيح مسار الحكم صياغة لميثاق جديد وتعاقد سليم مع شعوبهم دون التفاف أو استخفاف، قبل أن يَفُورَ التَّنُّور الفايس بوكي، وينطلق طوفانُ التغيير فتتهاوى العروش كما تهاوى عرش فرعون مصر قديما وحديثا.

ألا فانتهبوا يا حُكامُ واتعظوا! فلله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، وهو جل سُلطانه يُؤتي المُلك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، يُعِزُّ سبحانه ويُذِلُّ، ويُخرج من الموات الأحياء؛ واعتبروا ـ يرحمنا الله وإياكم ـ فالعاقل من اتعظ بغيره، وإياكم والعزةَ بإثم السلطة فإنها مُهْلِكَة، ودوام الحال من المُحال. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.