قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً.

سبب النزول

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية، فلما خرجوا وجد على أصحابه في شيء وأغضبوه، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال لهم: (لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف).” 1

مدلولات ألفاظ الآية

أطيعوا الله: أي اتبعوا كتابه.

وأطيعوا الرسول: أي خذوا بسنته.

وأولي الأمر منكم: أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإن تنازعتم: فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من أمور الدين.

فردوه إلى الله والرسول: أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومهما، أو إيماء أو تنبيه أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عليهما بناء الدين 2 .

إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر: أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان

ذلك: أي التحاكم إلى الكتاب والسنة.

خير: عاجلا.

وأحسن تأويلا: وأحسن عاقبة ومآلا. 3

(أولوا الأمر) في أقوال العلماء

للعلماء ثلاثة أقوال في المقصود ب (أولوا الأمر).

القول الأول: هم الحكام

قال ابن العربي: فيها قولان: الأول، قال ميمون بن مهران: هم أصحاب السرايا… وهو اختيار البخاري الذي روى عن ابن عباس أن الآية نزلت في عبد الله بن حذافة.) 4

القول الثاني: هم العلماء

قال حبر الصحابة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: يعني أهل الفقه والدين)، وقال أبو العالية: العلماء)، وبه قال أكثر التابعين. وفي إطار المحافظة على الثوابت الثلاثة في بلدنا المغرب، والتي هي العقيدة الأشعرية، ومذهب الإمام مالك، وطريقة الجنيد السالك، فإن كل مغربي ومغربية يتطلع لمعرفة رأي مذهبه الذي يتمذهب به المغاربة جميعا ذكورا وإناثا. لقد رجح الإمام مالك رحمه الله القول بأن المقصود بـ(أولوا الأمر) هم العلماء، قال مطرف وابن مسلمة: سمعنا مالكا يقول: هم العلماء)، كما اختاره الطبري، قال ابن العربي: والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعا… والأمر كله يرجع إلى العلماء، لأن الأمر – أي الحكم- قد أفضى إلى الجهال، وتعين عليهم سؤال العلماء) 5 ، قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسيره “مفاتيح الغيب”: أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى.) 6

القول الثالث: هما معا، العلماء والأمراء

قال ابن كثير: والظاهر والله أعلم أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم، قال تعالى: )لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ، وقال تعالى: )فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )“من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني”، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء) 7 ، وقال ابن العربي: والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعا) 8 . لاحظوا الحديث النبوي الشريف الذي استشهد به ابن كثير

رحمه الله، يربط طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، أنه لم يطلق لفظ الأمير، فقال: (من أطاع

الأمير)، بل نسبه لنفسه صلى الله عليه وسلم فقال: (أميري)، ولا يليق أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المتطاول عل الحكم عضّا أو جبرا ودون شورى ورضا من أولي الأمر خصوصا، والشعب عموما، كما لا يليق أن يحظى الحاكم الطاغية المتجبر، ولا المعطل لأحكام الله وشرعه شرف هذا الانتساب.

كلمة (أولوا) في القرآن

باستقرائنا لكتاب الله نجد أن لفظة (أولوا) وردت خمس عشرة مرة 9 ، ويمكن تلخيص معاني (أولوا) في ثلاث إيرادات قرآنية:

1 – فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

2 – أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ.

3 – وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.

ف(أولوا) تعني (أصحاب)، فمرة أصحاب العزم، ومرة أصحاب الطول، وأخرى أصحاب العقول.

كلمة “الأمر” في القرآن

وردت لفظة “الأمر” في خمس عشرة آية، وسنقتصر على ذكر المعاني دون الآيات، فهي بمعنى التعليمات 10 والخبر في السلم أو الحرب 11 ، والحالة الجديدة 12 ، ودين الله 13 ، وتنفيذ حكم الله 14 ، وحوادث القدر 15 ، والحكم أو القدر أو الوعد 16 ، وعلم الساعة 17 ، وعلم الله 18 ، وشغل الناس 19 ، والقضاء 20 ، وحكم الله 21 ، وحالة 22 ، وآيات من كتاب الله 23 ، وكل مكان يحدده الله 24 ، ووردت لفظة”الأمر” وكلمة أمر مفرد، وجمعها أمور وتعني الأفكار والحوادث. 25

التفسير البياني المستخلص ل”أولوا الأمر”

بعد هذا الاستقراء نجد أن كلمة “الأمر” لها معاني متعددة في القرآن، ولا تقتصر على معنى تعليمات السلطان، بل (الأمر) هو مفرد الأمور، والأمور تشمل كل نواحي الحياة، وبالتالي فإن “أولوا الأمر” تعني أصحاب التخصص في أمور الدين والدنيا جميعا بما في ذلك علوم الحياة من طب وهندسة و إدارة و محاسبة و باقي علوم الحياة بما فيها أولوا الأمر في الشورى. وهذه الآية القرآنية الكريمة توضح بجلاء من هم أولوا الأمر، قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً، هذه الآية تبصر الناس بأن الذين يستنبطون الأمور هم أولوا الأمر من العلماء كل في تخصصه، وتَكرار كلمة منهم للتأكيد على أن (أولوا الأمر) من العلماء، المفروض أن يكونوا أولياء على الأمور المختلفة التي تشمل الحياة كلها.

و نلاحظ أن الله عز وجل لم يذكر مصطلح (ولي الأمر) مفردا أبدا إلا في حالة ذكر الله وحده، كما في الآية اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا 26 ، وذكر الولي بدون الأمر، ولو كان ذكر ولي الأمر لكان المعنى للحاكم أقرب، لكن (أولوا الأمر) تعني أصحاب الفهم الصحيح للأمور الحياتية المختلفة والأخروية. وهذا هو المعنى الصحيح لمصطلح (أولوا الأمر) بعيدا عن التأويلات الجزئية.

لا تناقض في القرآن

قال تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً فالتناقض في كتاب الله مستحيل ومنعدم لأنه كلام الله تعالى، وبدراسة معنى (أولوا الأمر) بالمعنى الذي يروج له خدام السلطة، نجد أنه لا يستقيم أن يأمر الله بطاعة (أولوا الأمر) طاعة عمياء، ويفرض أمرا آخر يتحدث عن الشورى في قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، والآية تلغي فكرة الطاعة العمياء، ومن الشورى يأتي التباحث وإظهار الرأي والرأي الآخر والاتفاق على الرأي الغالب، وجعل المرجعية الأعلى هي كتاب الله.

أولوا الأمر وتعدد الأحزاب

إذا قلنا: إن طاعة (أولوا الأمر) مطلقا دون قيد أو شرط واجبة شرعا حتى تتوحد الأمة وذلك من الثوابت الإسلامية، فإن هذا المفهوم يلغي أحزاب المعارضة من أصله ويكتفي بقبول حتى الظلم، إن الطاعة لله واجبة طبعا و كذلك طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أيضا و لكن باقي الحكام غير مقدسين فالطاعة لهم بقدر توفيقهم في خدمة العباد، وليست طاعة مطلقة، وهذا المفهوم يؤيد وجود أحزاب معارضة للقرارات الظالمة.


[1] رواه الشيخان. \
[2] تيسير الكريم الرحمن /148.\
[3] مدارك التنزيل وحقائق التأويل 1/232.\
[4] أحكام القرآن ج 1 ص 573- 574.\
[5] أحكام القرآن ج 1 ص 573- 574.\
[6] 5/250.\
[7] تفسير ابن كثير 1/445.\
[8] أحكام القرآن ج 1 ص 573- 574.\
[9] البقرة 269، آل عمران 7، النساء 8، الأنفال 75، التوبة 86، هود 116، الرعد 19، إبراهيم 52، النور 22، النمل 33، ص 29، الزمر 9، الزمر 18، الأحقاف 35.\
[10] البقرة 27.\
[11] النساء: 83.\
[12] المائدة: من الآية 52.\
[13] التوبة: من الآية 48.\
[14] هود: من 76.\
[15] الرعد: 11.\
[16] النحل: 1.\
[17] النحل: من الآية 77.\
[18] الإسراء: 85.\
[19] النور: من الآية 62.\
[20] الدخان: 4.\
[21] الحجرات: من الآية 9.\
[22] قّ: 5.\
[23] الطلاق: 5.\
[24] القدر: 4.\
[25] التوبة: 48.\
[26] البقرة: من الآية 257.\