إن مصطلح الحاجة هو مفهوم مؤسِس تبنى عليه كل النظريات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية، والخبز هو من الحاجات التي تصنف على أنها أساسية وضرورية، بحيث لا يمكن بدونه للإنسان أن ينمي طاقاته اللازمة لعمارة الأرض.

والملاحظ هنا هو أن الأمر المشترك بين كل الدول العربية التي عرفت مؤخرا هذه الموجات الثورية الشبابية، هو رفع شعار “خبز” و”نريد خبزا”. حتى أن في مدينة درعة السورية خرج الآلاف رغم طوق الحصار إلى الشارع ويد كلٍ منهم تحمل رغيف خبز.

نعم، وصل بنا المآل تحث وطأة حكام الاستكبار هؤلاء أن نرى شعوبنا وهي تُكوى بنار الجوع. لنرى بأم أعيننا شبابنا يُقتل بالرصاص الحي وهو ينادي بالخبز. فإذا كان شعار الثورة الفرنسية التي يضرب بها المثل هو” الرفاه والحرية”. فإن هؤلاء الشباب لم يطالبوا إلا بحاجة “فزيولوجية” أساسية للعيش.

حينما نتفكر في الأمر هنيهة ويأخذنا التأمل إلى ملكوت الله، نجد أن الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق جلت عظمته، وضع شروطا يكون بها لعبوديته معنى، فقال عز من قائل: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. سبحانه وتعالى خلق وصور ثم أعطى من فضله وكرّم آدم ورزقه من كل الخيرات وأسكنه فسيح جناته، حتى إذا ما أتم نعمته عليه سأله الشكر وحمّله الأمانة، أمانة الامتنان والعبودية .

ليأتي هؤلاء العبيد، البعيدون أكبر ما يكون البعد عن فهم مغزى “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، فيستعبدوا الخلق ويحكموهم رغما عنهم، بل وليفرضوا أنفسهم وعائلاتهم فرضا. رافضين أن يعطوا ولو القليل القليل مما غنموه من شقاء الشعوب وكدها، في سبيل إسكات آهات الملايين من الجوعى ، فقط لو أعطى كل منهم عُشر ما يملك صدقة جارية لشعوبهم لكان حالنا غير الحال.

لكن السؤال المطروح هنا هو: هل ما تعيشه الشعوب المستضعفة من جوع هو نتيجة لمشكل في تأمين أمنها الغذائي أم إنه سياسة محكمة موجهة ضدها؟

نرجع شيئا ما بذاكرتنا إلى الأمس القريب، فما حدث في جارتنا الجزائر ليس ببعيد، حين قام الاستعمار الفرنسي بنهج سياسة التجويع أو ما اصطلح عليه “بالأرض المحروقة” وذلك بإحراق الأراضي الزراعية وتقنين الغذاء، مما ترتب عنه إفقار وتجويع وإذلال الناس وبالتالي إخضاعهم للسلطة الفرنسية بالقوة.

ثم ما قام به البلشفيون الروس بقيادة لينين حين بنى هذا الأخير نظامه الشيوعي الكاذب، بأن سلب من القرويين، ليس إنتاج محاصيلهم فقط بل بذارهم أيضا، ليحرمهم بذالك من القدرة على إنتاج محصول جديد ومنه تجويعهم ونتيجة لذلك انتشر القحط في البلاد وتشرد الملايين ومات الملايين بعد أن تضوروا جوعا. وتابع لينين هذه المجاعة بشغف ليحصد فائدته العظيمة من إذلال الناس وإخضاعهم للعقيدة الشيوعية رغما عنهم وهو القائل: إن اليأس الناتج عن الجوع هو الأمل الذي سيجعل المجتمع يقابلنا بابتهاج أو على الأقل فإنهم لن يعادونا فيبقوا على حياد (ولمن أراد فالرجوع إلى رتشارد بايبس في كتابه “لينين المجهول” أو “التاريخ الدموي للشيوعية” لهارون يحيى).

إن سياسة التجويع هي سياسة معتمدة، لها مرجعية فكرية عالمية في التاريخ المعاصر، و لها مصداقية وقابلية كبيرة لدى حكام الاستكبار لتظل بذلك الشعوب المجوعة خانعة خاضعة للحكم الجبري المستبد، بل ولتُقبل الأيادي الآثمة المستعلية التي تجود عليها وقت ما شاءت بما تبقى من فتات وصدقات وهبات.

إن سياسة التركيع هذه درس استوعبه حكامنا وتعلموه ممن سبقهم من أساتذتهم الجهابذة الكبار من الليبراليين والشيوعيين، فأصبح المثل الشائع بينهم هو “جوع شعبك يتبعك”. إلاَّ أنهم طبقوا الدرس بشكل أرقى قليلا، لنصبح رغم أننا محرومون، نسبح بحمد الفقر وغلاء المعيشة و… ونألف هذه الحال بل ونعتبر الأمر قدرا إلهيا (المكتوب) ونعتاد. فمن منا لم يجد اللذة في التهام “الخبز وأتاي”.

ما هذا الجبروت؟ إستكبار، شح، واستعلاء… هل يمكن لهؤلاء الحكام أن يبقوا وإلى الأبد هكذا فوق رؤوس شعوبهم والتخمة تملأ أجسامهم؟ لا أعتقد ذلك؛ فمن أنهكه الجوع لن يستطيع حمل الأثقال )ويا لها من أثقال).

رحم الله أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب (حين كان أمر المؤمنين فعلا وحالا خلافة على منهاج النبوة) قال: “لو كان الفقر رجلا لقتلته”، لشدة ما كان متفانيا في توفير لقمة العيش للناس. فهِم الخليفة راجح العقل مغزى ما تقوم عليه الشعوب وسر استمرارية استقرار أمن البلاد، فكيف لبلد مثل المغرب أن يعيش في أمن وأمان في ظل ما يتخبط فيه أبناءه من رذالة المأكل والمسكن؟ كيف لهذه المعادلة أن تحل؟ خاصة بعد أن أصبح كل الأمر زئبقا مكشوفا، ولم يعد بالإمكان لمه وإخفاؤه. ففي تقرير البنك الدولي لسنة 2007 تم تصنيف المغرب في مرتبة جد متأخرة من الفقر لدرجة أن وزارة الخارجية المغربية صرحت برفض المرتكزات التي اعتمد عليها، والذي كشف عن واقع أسود من الفاقة والعوز. فوفقا لهذا التقرير فإن 15 ٪ من السكان يعيشون في حالة فقر، ثلثهم يقطن في الوسط القروي، وأولئك الذين يعيشون على 50 ٪ تحت عتبة الفقر يعتبرون “معرضين اقتصاديا” للأمراض أو للطقس أو لفقدان الوظيفة. وبالتالي ف40 ٪ من السكان يواجهون صعوبات في الحفاظ على نمط عيش متواضع أو مجرد البقاء على قيد الحياة يوما بعد يوم!

نعم أصبح مطمحنا مجرد البقاء على قيد الحياة في بلد أصبح مرتعا للأمراض الفتاكة (سرطانات، كلى…) نتيجة لسوء التغذية والأغذية المسمومة.

إن الخبز ليس مجرد شعار رنان بل هو مطلب حقيقي نابع من وضعية اجتماعية اقتصادية مزرية، يتخبط فيها جل، إن لم يكن كل أبناء هذا البلد الحبيب، فغيابه وغلاؤه دلالة على فقر مُدقع وذل مُهطع يكوى بناره أطفال ورجال ونساء في بلد له من الإمكانيات الطبيعية (ثروات بحرية، فوسفاط، أراض زراعية…) ما يجعله من أغنى بلدان العالم.

إن أول ما يجب أن نتحرر منه هو الجوع لنستطيع حينئذ أن نبني مجتمعا تُؤسَس ركائزه على الحرية والكرامة الإنسانية.