الآن وقد تسلمت لجنة عبد اللطيف المنوني مذكرات مختلف الأحزاب السياسية فيما يخص التعديلات الدستورية المقترحة، يجدر بنا أن نتساءل: هل ستعرف فعلا بعض الاقتراحات الدستورية الهامة التي تقدمت بها بعض الأحزاب السياسية طريقها إلى التضمين في الوثيقة الدستورية؟ أم إن التعامل مع مذكرات الأحزاب لا يخرج في نهاية المطاف عن الطريقة السابقة للملك الحسن الثاني، حيث كان يأخذ فقط ببعض الاقتراحات الجزئية التي لا تؤثر على البنية الجوهرية للنظام السياسي؟

لقد كان الملك الحسن الثاني، خاصة في عقد التسعينات من القرن الماضي، يضخم من بعض التعديلات، ويظهر بمظهر المستجيب لاقتراحات الأحزاب السياسية، لكن التجربة أكدت أن ما كان يمنحه باليمنى كان يأخذه، وربما يأخذ أكثر منه، باليسرى، وكانت تتم، فقط، الاستجابة لمطالب جزئية سرعان ما يتبين عدم جدواها، أو على الأقل محدوديتها، في ظل نسق سياسي مغلق. ومع ذلك كان يطلع علينا بعد كل مراجعة دستورية أساتذة وباحثون يصفون ما حدث بأنه قفزة وطفرة تاريخية.

اليوم هناك سياق مختلف، لكن من يعرف المخزن، ومن يعرف قدرته على التكيف، لا يمكن أن يطمئن إلى مستقبل الوثيقة الدستورية، خاصة إذا كان المطمح دستورا في مستوى المرحلة، وليس فقط دستورا متقدما على دستور 1996 في بعض الجزئيات.

فيما يلي عرض موضوعي لآخر مراجعتين دستوريتين في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. لقد كان هناك تقدم جزئي في بعض جوانب المسار الدستوري، لكن كل ذلك في إطار ملكية تحكمية.

أولا: المراجعة الدستورية لسنة 1992

عرفت المراجعة الدستورية لسنة 1992 تعديلات مرتبطة بالمؤسسة الملكية، وأخرى ترتبط بالحكومة والبرلمان والمراقبة الدستورية.

الفقرة الأولى: التعديلات المرتبطة بالمؤسسة الملكية

في جوابه عن سؤال صحافي بخصوص دستور 1992، قال الملك الراحل: إنني أتنازل عن بعض اختصاصاتي لكي تتحدد المسؤوليات بشكل أفضل، فالملكية غدت مثل تلك المظلة التي يحتمي بظلالها الكثيرون، بينما أتلقى أنا ضربات الشمس، لذا فإني أريد أن أعكس الآية شيئا ما، ومن جهة أخرى أعتقد أن المغرب خطا خطوة هامة إلى الأمام) 1 من هذا المنطلق تضمن دستور 1992 بعض التحديدات والتقييدات الدستورية المرتبطة بعلاقة المؤسسة الملكية بكل من البرلمان والحكومة.

ففيما يتعلق بالعلاقة مع البرلمان نص الدستور في الفصل 26 على تحديد أجل 30 يوما لإصدار الملك الأمر بتنفيذ قانون توصل به من البرلمان بعد المصادقة عليه، وأصبحت حالة الاستثناء التي يحق للملك إعلانها عند الضرورة لا تقتضي الحل “الأتوماتيكي” للبرلمان، بحيث أضيفت للفصل 35 في فقرته الثانية هذه العبارة: “لا يترتب على حالة الاستثناء حل مجلس النواب”، وبالإضافة إلى ذلك أضيف شرط شكلي لإعلان حالة الاستثناء هو استشارة رئيس المجلس الدستوري، كما أصبحت مصادقة الملك على المعاهدات التي تلزم مالية الدولة لا تتم إلا بعد الموافقة عليها بقانون (الفصل 31 من الدستور) أي بعد موافقة البرلمان.

أما فيما يرتبط بعلاقة الملك بالحكومة، وعلى الرغم من احتفاظ الملك بسلطة تعيين الوزير الأول دون أية شروط، فإن تعيين الوزراء أصبح باقتراح من الوزير الأول.

والذي يلاحظ أنه رغم أهمية هذه التقييدات فإنها تبقى جزئية، فهي من جهة لم تأت بأي تغيير جوهري على بنية السلطة، إذ أكد دستور 1992 مركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي، ومن جهة أخرى نص الدستور، في مقابل تلك التقييدات، على امتيازات جديدة للملك، إذ أصبح من حقه التقدم بمبادرة تشكيل اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق (الفقرة 2 من الفصل 14 من دستور 1992)، وأصبح من حقه أيضا إحالة القوانين العادية على المجلس الدستوري للبث فيها دستوريا قبل إصدار الأمر بتنفيذها (ف79).

يضاف إلى ذلك أن هذه التغييرات لم تشمل إلا السلطات العصرية للملك، أما المهام التقليدية “للسلطان” فإنه لم يشملها أي تغيير.

الفقرة الثانية: التعديلات المرتبطة بباقي المؤسسات الدستورية

بالإضافة إلى تلك التغييرات المرتبطة بالمؤسسة الملكية أقر دستور 1992 تعديلات ترتبط بالحكومة والبرلمان، كما ارتقى بالغرفة الدستورية لتصبح مجلسا دستوريا قائما بذاته.

ففيما يخص الحكومة، وإلى جانب تخويل الوزير الأول اقتراح أعضاء الحكومة على الملك، فإنها أصبحت تقدم برنامجا حكوميا لا يناقش فقط، وإنما يصوت عليه أيضا تحت قبة البرلمان (الفصل 59 من دستور 1992). كما أصبح عمل الحكومة في مجال تنفيذ القوانين تحت المسؤولية المباشرة للوزير الأول (ف60 من دستور 1992).

أما فيما يرتبط بالبرلمان، وبالإضافة إلى منع حل مجلس النواب بمجرد الإعلان عن حالة الاستثناء (الفصل 35)، فإن دستور 1992 خول للبرلمان حق تشكيل لجان لتقصي الحقائق (الفصل 40)، وإن ظل تشكيلها يخضع لعدة قيود إجرائية، كما مُنح اعتبار للأسئلة الشفوية التي يتقدم بها أعضاء مجلس النواب، بحيث أصبحت الحكومة ملزمة بالإجابة عنها داخل آجال 20 يوما (الفصل 55)، منعا لكل أشكال التماطل. وأصبح من حق الأقلية البرلمانية اللجوء إلى المجلس الدستوري، وذلك بنسبة ربع أعضاء مجلس النواب من أجل إحالة القوانين لمراقبة دستوريتها (ف79)، بعد أن كان هذا الحق الدستوري مقصورا على الوزير الأول ورئيس مجلس النواب.

وفي مقابل هذه التعديلات التي تصب في توسيع صلاحيات البرلمان، كان هناك تعديل في الاتجاه المعاكس ألا وهو الرفع من نصاب الأعضاء الذين يمكنهم تقديم ملتمس الرقابة من العشر إلى الربع، ولعل في هذا التعديل الأخير رد فعل واضح على ملتمس الرقابة، الذي قدمته المعارضة ضد حكومة عز الدين العراقي في ماي 1990.

ومن أهم ما أقره دستور 1992 المجلس الدستوري، الذي جاء ليعوض الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى، التي كشفت على قدر كبير من المحدودية. وقد تطرق الدستور في بابه السادس من خلال أربعة فصول (76-77-78-79) إلى تركيبة المجلس الدستوري واختصاصاته، وأحال على قانون تنظيمي فيما يتعلق بتنظيمه وتدبيره. كما نص دستور 1992 على إحداث مجلس اقتصادي واجتماعي تكون له وظيفة استشارية في القضايا الاقتصادية والاجتماعية (الفصلان 91-92 من دستور 1992).

هذا الجديد الذي تضمنته المراجعة الدستورية لسنة 1992 سواء على مستوى المؤسسة الملكية أو على مستوى باقي المؤسسات رأى فيه بعض فقهاء القانون الدستوري تغييرا نوعيا في المسار الدستوري المغربي، فالأستاذ الفرنسي “ميشيل روسي” قال: إن المراجعة الدستورية ليوم 4 شتنبر 1992 حققت نقلة نوعية في النظام السياسي المغربي في اتجاه دولة القانون) 2 .أما الأستاذ عبد الهادي بوطالب فإنه رأى أن هذه المراجعة أدخلت تعديلات جذرية حورت عددا من الخيارات التي أقرها الدستور السابق) 3 ، وبخصوص بعض التغييرات بعينها ذهب الأستاذ عبد اللطيف المنوني، الرئيس الحالي للجنة تعديل الدستور، إلى أن التقييد الدستوري المتعلق بتحديد أجل 30 يوما لإصدار الملك الأمر بتنفيذ قانون ما قفزة نوعية من شأنها نقل النظام المغربي من ملكية مطلقة إلى ملكية برلمانية) 4 ، كما أشادت العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية بتنصيص الدستور في ديباجته على تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا.

مما لا شك فيه أن دستور 1992 متقدم على دستور 1972، لكن مع الاحتفاظ بنفس البناء السياسي، الذي يحتل الملك مركزه، وتشكل صلاحياته وسلطاته جوهره. فالمقارنة مع الدستور السابق قد تفضي إلى بعض الارتسامات الإيجابية في بعض الجوانب، لكن المقارنة مع المأمول كانت تقتضي التريث شيئا ما، وعدم التسرع في وصف مراجعة 1992 بأوصاف قد لا تحتملها، لأن ما حدث من تغييرات رغم أهميتها لم ترق، في رأي العديد من الباحثين، إلى إحداث توازن حقيقي بين السلط.

ما كان من تغيير في دستور 1992 لامس الخطوط الإصلاحية التي اقترحتها أحزاب الكتلة، لكن لم يذهب إلى حد مطابقتها، بل إن مساحة المستجاب له ظلت أضيق بكثير من مساحة ما تم تجاهله من مطالب، ومع ذلك فليس المضمون الدستوري الذي رفضته الكتلة، هو السبب الأول في عدم تحقيق التناوب ابتداء من سنة 1993، رغم إلحاح الملك الراحل، وإنما السبب هو الاختلاف السياسي بين أحزاب الكتلة والملك فيما يتعلق ببعض الوزارات التي تشبث بها هذا الأخير.

فكما أن التغيير الدستوري الذي أقدم عليه الملك لم يكن بحافز دستوري، وإنما كان بحافز سياسي، من أجل تهيئة الأجواء لتوريث الملك لخلفه محمد السادس، فإن الموقف السلبي للكتلة الديمقراطية من دستور 1992 لم يكن نتيجة قراءة دستورية فقط، وإنما أسهم فيه التشنج السياسي الذي عرفته المرحلة، ليس لأن دستور 1992 استجاب لكل مطالب الكتلة، ولكن، لأنه أقر فعلا تغييرات جديدة، سوف لن يضيف إليه دستور 1996، الذي تم التصويت عليه بـ”نعم”، الشيء الكثير.

ثانيا: المراجعة الدستورية لسنة 1996

لا يعدو الدستور المراجع لسنة 1996 أن يكون سوى مجرد امتداد للمراجعة الدستورية لسنة 1992، بيد أن ما يميزه عن سابقه كونه ربط بين المعطى السياسي والمعطى الاقتصادي، ومن نافلة القول التأكيد مرة أخرى أن هذا الإصلاح الدستوري الجديد أتى في سياق موجة الإصلاح الشامل التي فرضتها الظروف الدولية، ففي سنة 1995 صدر التقرير الشهير للبنك الدولي، الذي كشف الأزمة الخطيرة التي يعاني منها المغرب في ثلاثة مجالات حيوية هي الإدارة والقضاء والتعليم، الأمر الذي سينطلق منه الملك الراحل للحديث عن السكتة القلبية، التي تهدد المغرب، داعيا إلى مشاركة المعارضة في الحكومة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك عبر إصلاح شامل. يقول الملك الراحل: إن الإصلاح الذي نادينا به، ووعدنا به شعبنا، لا يقتصر على تعديل بعض مقتضيات الدستور، بل هو إصلاح شامل يقتضي النظر في كل ميدان يحتاج إلى الإصلاح والتقويم ولاسيما الإدارة والاقتصاد والتعليم) 5 . وللإحاطة بمضامين المراجعة الدستورية لسنة 1996، يمكن الحديث عن مضامين ترتبط بالنسق السياسي، وأخرى ترتبط بالنسق الاقتصادي.

الفقرة الأولى: التعديلات المرتبطة بالنسق السياسي

الجديد الذي ميز دستور 1996 فيما يتعلق بالبناء السياسي للنظام المغربي هو العودة إلى نظام الازدواجية البرلمانية، الذي سبق للمغرب أن طبقه في بداية تجربته التشريعية.

ويمكن التأكيد أن هذه الثنائية المجلسية فرضها اعتبار سياسي، فمن جهة أولى هناك استجابة لأحزاب الكتلة في حذف الثلث غير المباشر من مجلس النواب، ومن جهة ثانية التنصيص الدستوري على مجلس ثان ينتخب بالاقتراع غير المباشر توكل له نفس مهمة الثلث غير المباشر في مجلس النواب، بحيث يكون أداة حصر تمنع أي سيطرة محتملة على البرلمان، خاصة والأفق المرسوم آنذاك هو مشاركة المعارضة في الحكومة، مع ما يتطلبه ذلك من تغيير في الخريطة البرلمانية، بحيث تفوز أحزاب المعارضة بأكبر عدد من المقاعد، مشكلة بذلك أغلبية داخل البرلمان. ولعل ما مُنح من اختصاصات للغرفة الثانية يؤكد ذلك، ففيما يتعلق بالسلطات التشريعية تتمتع الغرفة الثانية بنفس الصلاحيات التشريعية الممنوحة للغرفة الأولى تقريبا، فكلاهما له حق عرض مقترحات القوانين والمصادقة عليها والنظر في مشاريع القوانين والمصادقة عليها. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالسلطات الرقابية، إذ منح الدستور لمجلس المستشارين سلطات شبه مطابقة لما منحه لمجلس النواب، فالغرفة الثانية لها حق تقديم ملتمس الرقابة، وحق إحداث لجان تقصي الحقائق، كما أن أعضاءها لهم أن يطرحوا الأسئلة الشفهية والكتابية، ويمكن للغرفة الثانية، وفي امتياز واضح عن الغرفة الأولى، “توجيه التنبيه”.

فباستثناء التصويت على البرنامج الحكومي الذي يكون في مجلس النواب دون مجلس المستشارين، وباستثناء تخويل مجلس النواب سلطة الحسم في مشاريع أو مقترحات القوانين المختلف حولها، فإن دستور 1996 أقر لمجلس المستشارين نفس الصلاحيات التقريرية تقريبا المخولة لمجلس النواب، وذلك على المستويين التشريعي والرقابي معا، وفي هذا خروج عن القاعدة المعمول بها في الأنظمة السياسية المعاصرة، بحيث يكون للمجلس المنتخب بالاقتراع العام المباشر صلاحيات واختصاصات أوسع، لكن الملك الراحل رأى رأيا آخر بقوله: عادة ما نرى في الدساتير التي تصفحناها واطلعنا عليها أن الغرفة الثانية تكون ناقصة القوة وناقصة الآليات بالنسبة للغرفة الأولى، ولكن حتى نجعلها شيقة، وحتى نجعل الناس يقصدونها، قررنا أن نجعل من هذه الغرفة الثانية غرفة تتميز عن أخواتها في الدساتير الأخرى، لنظهر بذلك أن المغرب ليس مقلدا فقط، بل ينهل من مناهل الغير، ولكن يصبها في كأسه ليبتلعها هو لجسده…) 6 . من هذا المنطلق، وبهذه الخصائص، نص دستور 1996 على الثنائية البرلمانية، بحيث أصبح البرلمان يتكون من مجلسين:

– مجلس النواب الذي يتكون من 325 عضوا يُنتخبون بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات.

– مجلس المستشارين الذي يتألف من 270 عضوا، من بينهم 162 عضوا ينتخبون من مجالس الجماعات الحضرية والقروية ومجالس العمالات والأقاليم والمجالس الجهوية، و81 عضوا ينتخبون من طرف الغرف المهنية، ثم 27 عضوا ينتخبون على الصعيد الوطني ويمثلون الهيئة الناخبة لممثلي المأجورين، ويتجدد ثلث أعضاء المجلس كل ثلاث سنوات، وتعين بالقرعة المقاعد التي تكون محل التجديدين الأول والثاني.

إلى جانب هذا التغيير المرتبط ببنية البرلمان، حدث تغيير آخر في تركيبة المجلس الدستوري، فبعد أن كان هذا الأخير يتألف من أربعة أعضاء يعينهم الملك لمدة ست سنوات، وأربعة أعضاء يعينهم مجلس النواب لنفس المدة بعد استشارة الفرق النيابية، بالإضافة إلى تعيين الملك لرئيس المجلس الدستوري 7 ، أصبح يتكون من ستة أعضاء يعينهم الملك لمدة تسع سنوات، وستة أعضاء يعين ثلاثة منهم رئيس مجلس النواب، وثلاثة رئيس مجلس المستشارين لنفس المدة بعد استشارة الفرق، ويتم كل ثلاث سنوات تجديد ثلث كل فئة من أعضاء المجلس الدستوري. 8 يلاحظ من هذا التغيير المرتبط بالمجلس الدستوري، هذه الهيأة التي اعتبرت من أهم الإضافات في دستور 1992، بعض التراجع المرتبط بسلطة مجلس النواب في تعيين بعض أعضاء المجلس الدستوري، فبعد أن كان مجلس النواب يعين أربعة أعضاء من أعضاء المجلس الدستوري التسعة، أنيطت سلطة التعيين برئيس مجلس النواب، وأصبح لا يعين إلا ثلاثة أعضاء من مجموع اثني عشر عضوا، في الوقت الذي يعين فيه رئيس مجلس المستشارين هو الآخر ثلاثة أعضاء. أجل هناك إشارة دستورية لضرورة الاستشارة مع الفرق النيابية، لكنها استشارة لا يوجد في الدستور ما يجعل قراراتها ملزمة.

كما أصبح من حق الملك أيضا في دستور 1996 تعيين أعضاء المجلس الأعلى للحسابات (الفصل 84).

الفقرة الثانية: التعديلات المرتبطة بالنسق الاقتصادي

الملاحظة البارزة في دستور 1996 فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي هي السعي من خلال بعض النصوص لتفعيل مؤسسات وإجراءات اقتصادية، بحيث أن هذه المؤسسات والإجراءات ليست جديدة، ولكنها ظلت جامدة تقريبا منذ إحداثها.

فقد خصص دستور 1996 الباب العاشر للحديث عن المجلس الأعلى للحسابات، هذه المؤسسة التي أحدثت بمقتضى ظهير شريف سنة 1980 لتعوض اللجنة الوطنية للحسابات، وترقت مع الدستور الأخير لتصبح مؤسسة دستورية قائمة بذاتها. في هذا السياق يقول الملك الحسن الثاني: من أجل عقلنة استعمال وتدبير مواردنا قررنا ترقية المجلس الأعلى للحسابات إلى مستوى مؤسسة دستورية) 9 . وتحدث الفصل السادس والتسعون والسابع والتسعون عن اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات التي تتحدد فيما يلي:

– ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية، والتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصروفات الأجهزة الخاضعة لرقابته.

– مساعدة البرلمان والحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته.

ونص الدستور على أن المجلس الأعلى للحسابات يرفع بيانا عن جميع الأعمال التي يقوم بها إلى الملك (الفقرة الأخيرة من الفصل 97)، كما نص على أن تتولى مجالس جهوية للحسابات مراقبة حسابات الجماعات المحلية وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها (الفصل 98).

وأعاد دستور 1996، الاعتبار للمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط، بحيث أناط به مهمتين أساسيتين، فمن جهة أولى يسهم في تحضير المخطط، ومن جهة ثانية يعرض عليه المخطط من قبل الحكومة قبل عرضه على المجلس الوزاري والمصادقة عليه من قبل البرلمان.

والجدير بالذكر أن هذا المجلس برز إلى الوجود منذ دستور 1962، غير أن دستور 1992 جرد هذا المجلس من صفة “التخطيط”، واحتفظ فقط باسم المجلس الأعلى للإنعاش الوطني.

وفي علاقة بالمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط نلاحظ أن دستور 1996 تضمن مجددا تقنية التخطيط التي كان معمولا بها في دستور 1962، مع توسيع مجالها لتشمل كل المجالات المجتمعية وكل المؤسسات العمومية مركزيا ومحليا.

كما أضاف إلى حق المِلكية، الذي سبق أن كرسته مختلف الدساتير السابقة حقا جديدا هو حرية المبادرة الخاصة (الفصل 15 من دستور 1996)، فحق الملكية وحرية المبادرة الخاصة مضمونان بنص الدستور، إلا أن المشرع، وبمقتضى القانون، يمكن أن يحد من مداهما وممارستهما إذا دعت إلى ذلك ضرورة النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد (الفقرة الثانية من الفصل 15).

رغم أن المراجعتين الدستوريتين لسنة 1992 و1996 لم يكن لهما تأثير على جوهر النظام السياسي المغربي، فالذي يلاحظ أن المراجعة الدستورية الأولى كان لها ثقل سياسي أكبر من المراجعة الثانية، ومع ذلك فالمعارضة رفضت المراجعة الأولى، وصوتت بنعم في المراجعة الثانية، ليس بسبب اقتناع دستوري، ولكن بسبب اقتناع سياسي. فعبد الرحمان اليوسفي وصف “نعم” التي تم التصويت بها على دستور 1996 بالسياسية وليس الدستورية. وهذا ما يتأكد حين نرجع إلى المقترحات الدستورية التي قدمتها أحزاب الكتلة، إذ نلاحظ أن المؤسسة الملكية تعاملت مع تلك الاقتراحات بنوع من الانتقائية؛ بحيث استجابت لبعض المقترحات (التنصيص على التشبث بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، إحداث المجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي والاجتماعي…)، والتفت على أخرى (إلغاء الثلث غير المباشر في مجلس النواب وإحداث مجلس المستشارين..)، وتجاهلت الكثير من المقترحات.


[1] كتاب “ذاكرة ملك” للملك الحسن الثاني، الطبعة الثانية، 1993. الصفحة: 82\
[2] Rousset M., « Juge administratif et la protection des droits de l’homme », LHARMATTAN, Paris 1994, page: 331\
[3] عبد الهادي بوطالب، “الدساتير والحياة النيابية في المغرب”، ضمن كتاب جماعي بعنوان: “مدخل إلى تاريخ المغرب الحديث “، أشرف على إعداده عبد الحق المريني، دار المناهل، 1996، الصفحة: 369.\
[4] A. Menouni, “Lectures dans le projet de la constitution révisée”, in “Révision de la constitution marocaine, 1992: analyses et commentaires”, publié sous la dir. de Driss Basri, Michel Rousset et Georges Vedel, imprimerie royale, 1992, pages: 174-175.\
[5] خطاب الملك الحسن الثاني بمناسبة عيد العرش لسنة 1996، منشور بجريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد: 4589، بتاريخ 4 مارس 1996، الصفحة: 2.\
[6] خطاب الملك الحسن الثاني بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لثورة الملك والشعب، بتاريخ 20 غشت 1996\
[7] الفصل 77 من دستور المملكة المغربية لسنة 1992.\
[8] الفصل 79 من دستور المملكة المغربية لسنة 1996.\
[9] خطاب الملك الحسن الثاني، بمناسبة عيد العرش بتاريخ 3 مارس 1997.\