معركة الحق مع الباطل تظل قائمة مادام على الأرض مفسدون وظالمون و مستبدون. ويصول الباطل ويجول عندما يغيب الحق وأهله الصادعون به، الذين لا يخشون أحدا إلا الله ويواجهون الظلم ويقهرونه بجبروت ثباتهم على مبادئهم الذي يستمدونه من صدق توكلهم على الله عز وجل. إن للباطل في أصله طبيعة جبانة زهوقة رغم ما قد يجند من وسائل و أدوات للتخويف ولصنع هالة من الرهبة في قلوب الناس. قل تعالى :” وقل جاء الحق وزهق الباطل .إن الباطل كان زهوقا” (الإسراء81) إن هذه الطبيعة تنكسر في مواجهة مؤمنين مصرين كل الإصرار على انتزاع الحق وهزم الباطل. ولقد ساق الله لهذا العصر نماذج حية مباشرة ، حروب لبنان وفلسطين في 2000و2006و2008و 2009 والعراق وأفغانستان وثورتا تونس ومصر وباقي الثورات والانتفاضات العربية على الطريق عن شاء الله . لقد خلفت مواجهة الباطل شهداء رحمهم الله ، من دمائهم الزكية تستلهم الإرادات التي لا تقهر و الأنوار التي تضيء الطريق نحو النصر والتحرير..، لأن الذي يخشاه المبطلون والظالمون وهو الموت هو نفسه الذي تطلبه وتشتاق إليه وتصر عليه قلوب المؤمنين البواسل الناشدين الحق والعدل والحرية والكرامة والنصر. وللمؤمنين الأسوة والقدوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه رضي الله عنهم.

أخرج الحافظ أبو حسن الأطرابلسي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و كانوا ثمانية و ثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه و سلم في الظهور فقال “يا أبا بكر إنا قليل”. فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم و تفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته : و قام أبو بكر في الناس خطيبا و رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله و إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم. و ثار المشركون على أبي بكر و على المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا و وطئ أبو بكر و ضرب ضربا شديدا و دنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين و يحرفهما لوجهه، و نزا(وثب) على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه .و جاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر و حملت بنو تيم أبو بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله و لا يشكون في موته . ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد و قالوا: و الله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة و بنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟ فمسوا منه بألسنتهم و عذلوه (آخذوه..) ثم قاموا و قالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به ألحت عليه و جعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقالت: و الله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب و اسأليها عنه . فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر و لا محمد بن عبد الله، و إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم .فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل و أعلنت بالصياح و قالت: و الله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق و كفر ، و إني لأرجوا أن ينتقم الله لك منهم. قال فما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال:فلا شئ عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فان لله علي ألا أذوق طعاما و لا أشرب شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه و سلم. فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل و سكن الناس، خرجتا به يتكأ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال: فأكب عليه (أقبل عليه ولزمه) رسول الله صلى الله عليه و سلم فقبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة. فقال أبو بكر: بأبي و أمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي و هذه أمي برة بولدها فادعها إلى الله و ادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه و سلم و دعاها إلى الله فأسلمت. و أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في الدار شهرا و هم تسعة و ثلاثون رجلا، و قد كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أسلم يوم ضرب أبو بكر الصديق رضي الله عنه.(حياة الصحابة ج1ص412)

من هذا المقطع من السيرة نستنبط جملة من العبر والتوجيهات:

– قيمة المبادرة المسؤولة في الدعوة عندما قدمها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وألح وقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة.

– التنصيص الشرعي والعملي على مشروعية الوقوف و التظاهر السلمي في الميدان ضد الظلم ومن أجل مطالب عادلة.

– تحدي الصحابة على قلتهم لقريش والإصرار على الخروج وإعلان الدعوة رغم ما تعرضوا له من إيذاء مثال ونموذج لما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من الشجاعة و الإقدام و الثبات في مواجهة الظلم والاستبداد. فرغم ما وقع واصلت الدعوة مسيرها بكل إصرار وثبات وانتصرت في نهاية المطاف.

– مبادرة المرأتين أم جميل وأم الخير رضي الله عنهما نموذج لمشاركة المرأة في مواجهة الظلم وخدمة الدعوة إلى جانب أخيها الرجل، بل رب امرأة مؤمنة مجاهدة شجاعة خير من كذا رجال وأشباه رجال.

– القلة في مواجهة الظلم و الاستبداد ينبغي أن تقدر بقدرها الشرعي بعيدا عن كل فهم يبرر القعود والجبن والتخاذل.

– برور سيدنا أبي بكر رضي الله عنه بأمه وحرصه على إسلامها ،وهو في الحالة التي كان عليها، قدوة للدعاة في البرور وفي الفاعلية الدعوية المستمرة والتي لا تكل و لا تمل ولا تتأثر بنوائب الدهر.

– أهمية التربية والاعتكاف الدعوي في الدين لما له من أثر في تربية الرجال و النساء المؤمنين و المؤمنات الثابتين على الحق، الفعالين المجاهدين والموقنين في وعد الله بالمغفرة والنصر، إن الله لا يخلف الميعاد.

– إسلام سيدنا حمزة رضي الله عنه كان فتحا عظيما على الدعوة في أصعب ظروفها ، وحدوثه يوم الخروج السلمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم و أصحابه رضي الله عنهم ، يدل على أن ما قد يبدو من تراجع للدعوة في ظاهره ، قد يكون في حقيقته وفي تداعياته تقدما وزحفا وزخما ونصرا للدعوة.

– تعلق سيدنا أبي بكر رضي الله عنه الشديد برسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله المتكرر عنه ورفضه الماء والطعام، وهو في حالة حرجة جدا ،حتى يطمئن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذج لما يجب أن يكون عليه المسلم الحق من محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الغيرة على حرمته صلى الله عليه وسلم وعلى سنته ودعوته وسيرته وأمته صلى الله عليه وسلم . فمن من المسلمين اليوم ينشغل أيما انشغال ويتساءل بلوعة وحرقة: ما فعلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وما فعلت دعوته صلى الله عليه وسلم ؟ وما فعلت أمته صلى الله عليه وسلم التي ترزخ تحت نير الاستبداد والطغيان؟ ..ثم يندفع مقبلا غير مدبر منخرطا فاعلا في المشاريع الداعية لانعتاق هذه الأمة وخلاصها من الظلم و الاستبداد.